خالد دومة يكتب: الخلاص

الإثنين، 26 أكتوبر 2026 12:43 ص
خالد دومة يكتب: الخلاص خالد دومة

وهل تعلم أنني جئت إليك ألتمس الطريق؟ لقد أنهك اليأس خطواتي، وصرت أجر أنفاسي المتقطعة جرًّا، حتى بلغت بابك. أي طريق تريدني أن أسلك، وأنت الذي يفترض أن تشير إليّ بجهة النجاة؟

— إذا كنت أنا تائهًا، لا تهديني خطواتي إلا إلى المجهول، فقد أخطأت العنوان. ليس عندي من الهداية أكثر مما عندك، ولا أملك من اليقين ما يخرجني من هذا التيه.

— أفلا نسير معًا، لعلنا نهتدي إلى شيء ينقذنا مما نحن فيه؟

— عن أي هدى تسأل؟ إننا غريبان في أرض لا نعرف دروبها، ولن يكون هناك، فيما يبدو، حتى ضوء شارد يبصرنا الطريق. العمى والعري والجوع تسكن دروبنا جميعًا، وليس ثمة أمل صغير نتشبث به ونحن نخوض بأقدامنا في مستنقع اليأس.

ظننت أنك ستنتشل يدي، فإذا بك تغرقني في لجج أكثر ظلمة.

— ولماذا تكذبين على قلبك، وتخدعينه بما لا طائل منه؟

— أتراني أخدعه حين أمنحه قليلًا من الأمل يسعى إليه، ولو كان أملًا كاذبًا، يخفف عنه مرارة الحياة؟ لقد اعتاد لساننا ترديد كلمات الرجاء، حتى نسينا أن للحياة وجهًا آخر، وأن الحلاوة التي نعد بها أنفسنا ليست هنا، بل وراء الحجب الكثيفة والجبال البعيدة. وربما قضينا أعمارًا فوق أعمارنا دون أن نبلغها؛ فبيننا وبينها أنهار من الدموع، وبحور من الدم، وصلوات وابتهالات، بينما نحن أشبه بالفراغ.

— فراغ؟ أتعني أن ما نشعر به كذب، وأننا دمى تتحرك بلا روح؟

— بل دمى شيطانية تعيش في الجحيم، تأكل كل حسن تصادفه، وتحيله رمادًا.

— أي حسن هذا الذي تتحدث عنه؟ إننا لم نلتق به يومًا. ظللنا نبحث عنه، فلم يقابلنا، وربما كان ذلك لأن طريقنا موحش، لا تسكنه إلا القبائح. كل قبيح يحيط بنا، وكل شر يترك أثره فينا، حتى بتنا لا نعرف طريقًا لا ينتهي إلى شوك يجرحنا وينهش أرواحنا.

— أتراه عقابًا على ما اقترفته أيدينا؟ فأي ذنب ارتكبناه حتى يكون مصيرنا على هذه الصورة؟ إنها حياة واحدة سُلبت منا، فلماذا نحاسب على حياة لم يكن نصيبنا منها سوى اليأس والعري والجوع؟ لم تختبرنا الحياة حتى نعرف قدرتنا على احتمالها، بل مضت بنا في مجاهليها، وأصابتنا بالعمى، فلم نبصر لها وجهًا، رغم أننا غارقون في مآسيها وأطلالها.
لو سُئلنا قبل أن نجيء إليها، أكنّا نقبلها؟ أي حياة هذه التي لا تمنحنا إلا الشقاء، ولا تترك لنا من نعيمها شيئًا؟ لم تعطنا ثم أخذت، بل ألقت بنا منذ البداية في براثن الشر، وفي جحور مظلمة تلدغنا فيها الثعابين وتفترسنا الأنياب. لم تشرق الشمس يومًا في قلب عاش طويلًا في غياهب القنوط، ولم نر القمر ولا نجوم السماء من وراء الضباب المتراكم فوق عيوننا الفتية.


أهو الكفر بالحياة، أم القنوط من العيش؟
لا، إن الحقيقة أبسط وأقسى من ذلك؛ نحن لم نر من الحياة سوى آثار الصفعات على أجسادنا، وندوبها في أرواحنا التي أنهكتها سنوات العذاب، وهي تنتظر ما لا يأتي.

لقد جاوزت الخمسين، والحياة تضربني منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيّ. لم تكف عن طعني، ولم تترك في قلبي موضعًا إلا غرست فيه نصلًا. وما إن أفيق من طعنة حتى تعاجلني أخرى، كأن الألم طعامنا وشرابنا، وكأن النحوس حظنا الوحيد، تتربص بنا وتهدم ما بقي منا.

أنا دائمًا على حافة الهلاك، لم أبرح مقعدي على تل الهاوية. انتظرت الموت، وانتظرت الخلاص، لكن كليهما لا يجيء أبدًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة