عبد الحليم محمود

السبد المصرى فى بلاد الحرمين

الإثنين، 26 أكتوبر 2026 02:45 ص


نشرت «اليوم السابع» في 24 أكتوبر 2026، فيديو يوثق ظهورًا نادرًا لطائر السبد المصري داخل رحاب الحرم المكي. وتوقفت أمام الاسم قبل أن أتوقف أمام الطائر: هل يعرف السبد المصري أن اسمه مصري؟ بالطبع لا، نحن الذين أطلقنا عليه هذا الاسم. أما هو، فلا يعرف شيئًا عن الأسماء، ولا الحدود، ولا الخرائط، جاء إلى رحاب الحرم، فوجد موضعًا آمنًا، واستراح قليلًا، وكأن العالم بالنسبة إليه أبسط كثيرًا مما نراه نحن. لكنه بالنسبة إلينا لم يعد مجرد طائر. فما الذي يعنيه أن يحمل كائن صغير اسم بلد، ثم يظهر في بلد آخر؟ ربما كانت الرسالة الأجمل في الصورة أنها لا تتحدث عن طائر بقدر ما تتحدث عن علاقة. طائر يحمل اسم مصر، ويحط في رحاب الحرم، وكأن الصورة تذكرنا بأن الصلة بين المصريين وبلاد الحرمين ليست علاقة طارئة تصنعها مناسبة، ولا مسافة تفصلها خريطة، وإنما حكاية طويلة من السفر والزيارة والعمل والعلم والدعاء، ومن قلوب عرفت طريقها إلى بعضها قبل أن تعرفه الخرائط. المصري الذي يذهب إلى مكة أو المدينة لا يشعر، في وجدانه، أنه يذهب إلى مكان غريب تمامًا. هناك شيء من الألفة يسبقه، وشيء من الذاكرة يجعله يرى المكان قريبًا منه، حتى وإن كانت المسافات بعيدة.

ومن هنا، ربما نحتاج إلى أن نتأمل الطريقة التي نتعامل بها مع ما يحدث على شاشاتنا. شخص يسيء، فنغضب من شعب؛ وحساب مجهول يكتب كلمة، فنحملها على ملايين؛ ومقطع قصير يخرج من سياقه، فيصبح عند البعض حكاية كاملة عن أمة كاملة. وهكذا يمكن لكلمة عابرة أن تفعل ما لا تستطيع السنوات أن تفعله؛ أن تحاول أن تضع مسافة بين شعوب لم تصنع علاقتها شاشات التواصل، ولم تبدأ مع منشور، ولن تنتهي بتعليق. وفي «منتدى مصر 2026»، الذي شهده الرئيس عبد الفتاح السيسي وشارك في جلساته، جاءت رسائل واضحة حول خطورة الاستخدام غير المتوازن لمواقع التواصل ومحاولات عزل الناس وشحنهم ضد بعضهم بعضًا. وفي السياق نفسه، جاءت الرسالة الأوسع: أن العلاقات التاريخية والأخوية بين الشعوب أكبر من أن تختصرها شائعة، وأعمق من أن تهزها أصوات عابرة على الشاشات. فالعلاقات الكبيرة لا يصنعها منشور، ولا يهدمها تعليق، والتاريخ الذي بنى جسورًا بين الشعوب لا ينبغي أن تتركه مساحة إلكترونية ضيقة أسيرًا لأعلى الأصوات فيها.


والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا: لماذا نعطي أحيانًا لتعليق كتبه شخص مجهول قوة أكبر من تاريخ طويل عاشه الناس معًا؟ ولماذا نصدق أسوأ ما يقال عن الآخر، بينما نحتاج إلى سنوات حتى نصدق أفضل ما فيه؟ ربما لأن الغضب سريع، أما المعرفة فتحتاج وقتًا. والكراهية لا تحتاج إلى دليل، بينما المحبة تحتاج إلى ذاكرة. وربما نحن في حاجة إلى أن نتذكر أن الشعوب لا تُختزل في تعليق، ولا تُقاس بعابرٍ من أبنائها، وأن العلاقات التي صنعتها سنوات طويلة من الود والتقارب لا ينبغي أن نتركها رهينة لحظة غضب على شاشة. فما بين مصر وبلاد الحرمين أكبر من أن تختصره مساحة إلكترونية، وأعمق من أن تهزه كلمة عابرة.


ثم أعود إلى السبد المصري. الطائر لا يعرف الحدود، لكنه، من حيث لا يدري، ذكرنا بشيء يعرفه المصريون جيدًا: أن بعض الأماكن لا تقاس المسافة إليها بالكيلومترات، وأن بعض العلاقات لا تستطيع الكلمات العابرة على الشاشات أن تمحوها. السبد المصري لم يسأل من أين جاء، ولا إلى أين يذهب، ولا لأي مكان ينتمي. جاء إلى رحاب الحرم، واستراح قليلًا، ثم مضى. وربما لهذا ظلت صورته عالقة في ذهني: طائر يحمل في اسمه «مصر»، ويحط في «بلاد الحرمين»، ولا يرى بين المكانين مسافة. فهل المسافة بين الشعوب تصنعها الخرائط حقًا، أم نصنعها نحن حين نسمح لكلمة غاضبة أن تختصر إنسانًا، ولملايين الناس أن يدفعوا ثمن كلمة قالها شخص واحد؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة