معظم الجماعات كهوف مغلقة، تعيش على ضوء ضئيل، لا تعرف من الحياة إلا جانبًا واحدًا من جوانبها التي تتعدد إلى ما لا حد له. تنظر إلى العالم من ثقب ضيق، فلا ترى الفضاء الرحب، ولا تدرك أن العقل الإنساني أوسع من أن يُحبس في مساحة محدودة، أو يدور إلى الأبد في دائرة واحدة.
في مجتمعاتنا، توجد جماعات تعيش على الوهم والخرافة، وتتبنى أفكارًا تناقض العقل، فتقيّد عقول أتباعها، وتحرمهم من حرية التفكير، ولا تترك لهم من معاني الحياة إلا معنى واحدًا: ما تؤمن به الجماعة وتدعو إليه. إنها، حين تفعل ذلك، لا تكتفي بتقييد الإنسان، بل تسلبه استقلال عقله، وتحوّله إلى نسخة مكررة من عقل الجماعة المغلق.
تقف هذه الجماعات جامدة أمام التيارات الفكرية المتنوعة، وتتصدى لكل جديد ومختلف، لا لأنها درسته وفحصته، بل لأنه يخالف ما استقر في عقولها من أفكار. وهكذا يتحطم فوق جمودها كل فكر لا تعرفه، وتُرفض كل فكرة لمجرد أنها لم تصدر عنها.
تستقطب بعض هذه الجماعات الصبية في مراحل مبكرة من أعمارهم، وتجعل منهم وقودًا لمعاركها الفكرية، فتنشئهم على التلقي دون سؤال، وعلى الطاعة دون مناقشة، وعلى اتباع الطريق المرسوم لهم دون أن يتحركوا خارجه بإرادتهم. تحسب عليهم خطواتهم، وتراقب اتجاهاتهم، ولا تسمح لهم بالابتعاد عما حددته لهم من مسارات.
تمسك بيد الناشئ، تقوده ذهابًا وإيابًا، وتلقنه أفكارها حتى يألفها، ثم يظن مع مرور الوقت أنها أفكاره التي توصل إليها بنفسه. وكل خطوة تتجاوز الحدود التي رسمتها له تصبح مرفوضة، وكل طريق لا تعرفه يُصوَّر له باعتباره انحرافًا عن الصواب، حتى لو لم تدرسه الجماعة، ولم تختبره، ولم تتعامل معه.
وماذا تمنح هذه الجماعات أتباعها في مقابل بقائهم أسرى أفكارها وطرائقها؟ إنها قد تمنحهم الأمل، والشعور بالتميز، وطموحًا يبدو كبيرًا، ووعدًا بمكانة أفضل في الحياة، لكنها قد تفعل ذلك في مقابل سلب إرادتهم واستقلالهم الفكري. تبني لهم عالمًا في أذهانهم، يبدو ظاهره مغلفًا بالخير والجمال، بينما يخفي باطنه أشكالًا من السيطرة لا يدركونها، لأنهم اعتادوا النظر إلى كل شيء من خلال الصورة التي رسمتها الجماعة لهم.
فما الذي يدفع الإنسان إلى الانضمام إلى جماعة ما؟ وهل يكون انتماؤه نتيجة قناعة عقلية بأفكارها، أم إعجابًا بصورتها الظاهرة وبما تعده به، قبل أن يدرك حقيقة ما تحمله من أفكار وأهداف؟
قد يبدأ الانتماء بإعجاب ظاهري، أو شعور بالاحتياج إلى الأمان، أو رغبة في اكتساب هوية تمنح الحياة معنى وهدفًا. وقد يندمج الفرد في الجماعة قبل أن يكون رأيًا مستقلًا فيما تدعو إليه، ثم يتبنى أفكارها تدريجيًّا، ويؤمن بما تؤمن به، وينخرط في الدعوة إليها، دون أن يعرف بالضرورة ما تحمله الجماعات الأخرى من أفكار ومعتقدات.
وهنا يكمن فارق جوهري بين من يطّلع على الأفكار المتنوعة، ويفحصها، ويقارن بينها، ثم يختار عن وعي وقناعة، وبين من يتلقى أفكاره جاهزة، ثم يتعصب لها قبل أن يعرف ما سواها.
وقد نجد النمط الأول في بعض الجماعات السياسية، كما نجد النمط الثاني في بعض الجماعات الدينية والسياسية على السواء؛ فالمسألة ليست حكرًا على مجال بعينه، وإنما تتعلق بطبيعة الجماعة، وطريقتها في التنشئة، وموقفها من السؤال والاختلاف، ومدى احترامها لاستقلال الفرد.
حين ينضم الإنسان إلى جماعة مغلقة، قد يجد فيها القوة والأمان، ويشعر أن لحياته معنى وهدفًا يسعى إلى تحقيقه في إطار متماسك. وقد يكون هذا الاحتياج الإنساني مشروعًا في ذاته، لكن الخطر يبدأ حين يصبح الانتماء مشروطًا بالتخلي عن حرية التفكير، وحين تتحول الطاعة من وسيلة لتنظيم العمل المشترك إلى معيار للحكم على الإنسان وولائه.
في ظل الجماعة، قد ينخرط الفرد في طاعة كل ما يُملى عليه، ويخشى مخالفة من يتولون توجيهه، حتى لا يفقد الهوية التي اكتسبها، أو المكانة التي أصبح يتمتع بها بين أعضائها. وقد يحمل نفسه على قبول أفكار لا يقتنع بها تمامًا، لا لقوة الأدلة التي تسندها، وإنما خوفًا من أن يصبح موضع شك أو اتهام، أو أن يجد نفسه خارج الدائرة التي اعتاد الانتماء إليها.
وتنشأ في بعض الجماعات صورة ذهنية تجعل أفرادها يعتقدون أنهم أكثر تميزًا وصوابًا من غيرهم، وأن الجماعات الأخرى أقل عقلانية أو وعيًا. وعندئذ لا يعود الاختلاف اختلافًا في الرأي، بل يتحول إلى انتقاص من الآخرين، وربما إلى احتقار أفكارهم والسخرية من عقول أصحابها.
فالجماعة، في نظر المنتمين إليها، تحمل أرقى المبادئ وأفضل الأفكار؛ ومن ثم فإن انتقادها قد يبدو لهم انتقاصًا من ذواتهم وعقولهم، لا مجرد مناقشة لما تعتنقه من آراء. وهكذا يصبح الفرد مدافعًا عن الجماعة دفاعًا مستميتًا، لأنه يشعر، في أعماقه، بأنه يدافع عن نفسه وهويته ومكانته.
ولذلك قد يبدأ بحثه عن الأدلة من النتيجة التي يريد إثباتها، لا من السؤال الذي يريد الإجابة عنه. فهو يحمل الفكرة أولًا، ثم يبحث عما يؤيدها ويعضدها، ويتجاهل ما قد يكشف ضعفها أو يناقضها. وبدلًا من أن تكون الأدلة وسيلة للوصول إلى الحقيقة، تتحول إلى أدوات للدفاع عن معتقدات سابقة.
إن الجماعة المغلقة لا تسيطر على أفكار الفرد وحدها، بل قد تمتد سيطرتها إلى ضميره، وتصوراته عن الآخرين، واختياراته في الحياة. إنها تصنع لديه انحيازًا لا يدركه، وتحدد له ما ينبغي أن يقبله وما يجب أن يرفضه، وتضيّق مساحة التفكير الحر حتى يصبح السؤال نفسه موضع ريبة.
وقد تصل الأمور إلى أن يدخل أفراد الجماعة في خصومات مع غيرهم، لا دفاعًا عن حق واضح، ولا ردًّا على اعتداء حقيقي، بل لإثبات الولاء، أو تأكيد التفوق على الجماعات الأخرى. وليس هذا سلوكًا خاصًّا بجماعة واحدة، ولا صفة لازمة لكل انتماء؛ فقد يظهر حيثما تحولت الهوية الجماعية إلى أداة للسيطرة، وأصبح الاختلاف تهديدًا ينبغي القضاء عليه بدلًا من فهمه ومناقشته.
فكيف نواجه هذه الظاهرة؟
إن الطريق يبدأ بالاهتمام بتثقيف الناشئة، وتنمية قدرتهم على التفكير المستقل، وتعويدهم طرح الأسئلة، وفحص ما يتلقونه من أفكار، ومقارنة الآراء المختلفة قبل إصدار الأحكام. فالطفل الذي يتعلم السؤال لا يصبح بالضرورة رافضًا لكل شيء، لكنه يصبح أقدر على التمييز بين ما يؤمن به عن اقتناع، وما يقبله لمجرد أنه ورثه أو تلقاه ممن يثق بهم.
ولا ينبغي أن يكون هدف التربية أن نملأ عقول الصغار بأفكارنا، ثم نطالبهم بالدفاع عنها طوال