لم يكن نهر النيل مجرد مصدر للحياة في مصر، بل كان شريانًا للحركة التجارية والتنقل بين المدن والقرى، وهو ما رصده الرحالة المغربي ابن بطوطة خلال رحلته إلى مصر في القرن الرابع عشر، حين سجل مشاهداته عن المراكب التي كانت تجوب النهر، والأسواق الممتدة على ضفافه، والمدن التي ارتبطت حياتها بحركة الملاحة.
وفي كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، قدم ابن بطوطة وصفًا للقاهرة والنيل، كاشفًا عن جانب من مظاهر الحياة الاقتصادية والحضارية في مصر خلال العصر المملوكي، وكيف أسهم النهر في ربط أقاليم البلاد بعضها ببعض.
ابن بطوطة يتحدث عن القاهرة ونهر النيل
عن القاهرة ومظاهرها الحضارية الشهيرة قال ابن بطوطه فى كتبه: "وصلت إلى مدينة مصر، هى أم البلاد، وقرارة فرعون ذى الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية فى كثرة العمارة المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجال، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها، شبابها يجد على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزلها السعد، قهرت قاهرتها الأمم، وتمكنت ملوكها نواصى العرب والعجم، ولها خصوصية النيل الذى أجل خطرها وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة مؤنسة لذوى الغربة".
ويضيف أبن بطوطة: ونيل مصر يفضل أنهار الأرض عذوبة ومذاق، واتساع قطر، وعظم منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس فى المعمور مثلها، ولا يعلم نهر يزرع عليه ما يزرع على النيل وليس فى الأرض نهر يسمى بحرا غيره.