أربعةُ أيام انقضت، ويوشك الحدث أن ينتهى. وسواء اتّفقنا فيه تمامًا، أو اختلفنا على بعض التفاصيل؛ فاللقاء مهم، والحوار أهم، ومظلة الوطن تتّسع للجميع؛ إلا الأعداء والفُجّار ومن حاربوا البلد وولغوا فى دماء الآمنين.
وما لا يحتاج لتأكيد بالضرورة؛ أن مصر أوسع من أيّة عيّنة تمثيلية تُنتدَب من بين صفوفها، وقضايا أكبر من العرض فى ستّة أيام، ومُنتداها الطبيعى/ الشارع وكل محفل اجتماعى، لا تحتويه طاولة أو محاور.
وعليه؛ فما يُطرَح عموميًّا ومُجملاً فى فعاليّة كالتى نحن بصددها، مُجرّد عرض مُقتضب، فى ضوء ضيق مهلة التحضير، وضغوط زمن التنظيم، وما قد يتّصل بالمواءمة وترتيب الأولويات، وغير ذلك من حسابات وأبعاد.
لسنا إزاء تشريحٍ وافٍ، ولا أحد بوسعه الجزم بذلك، كما لا يحتكرُ فرد أو مجموعة زُبدة القول فى شواغلنا جميعًا؛ إنما هى خُطوة أولى على طريقٍ طويلة، وبالتقييم والتكرار وتوسعة المُشاركة؛ ستقودنا من دون شكٍّ إلى آفاقٍ أبعد وأكثر اتساعا.
ولا مأخذ على النقد كيفما يتراءى لكل صاحب رأى؛ غير أنه لا وجه له مُعلّقًا فى فراغٍ، وعاريًا من رؤية مشتبكة مع الحدث، فى المكان والزمان، وبلا نزعٍ له من سياق المرحلة.
والقصدُ أن تتآخى المآخذ مع البدائل، وأن نمشى فى عروق اللحظة بتواضع مَن يحلُم بالغاية، ولا يعرف الوسيلة. فلا نزحم الحاضر بما تزدحم به رؤوسنا، ولا نُصادر على المستقبل بما ملأنا به تخيّلاتنا مُسبقًا.
قرأت آراء عديدة، فى الصحافة وعلى مواقع التواصل، تأخذ على المُنتدى جُملة أمور: خريطة المدعوّين، قلّة تمثيل بعض الفئات، مساحة التغطية الإعلامية، واتساع حضور الحكومة على حساب بقية المشاركين.
ولستُ مُكلّفًا بالردّ عن الحدث؛ غير أن بعض المُقاربات لا تخلو من حسابات شخصية، لعلمى بأصحابها ومراميهم، والبعض لا يخلو من منطقٍ طبعًا، وكلّها تجاهلت عمدًا أو بشهيّة الاختزال والتبسيط؛ أن المُناسبة كلّها رُتِّبَت على عَجَلٍ.
أمّا لماذا العَجلة؛ فلا أعرف على وجه التحديد، وإن كُنت أتصور أن الدعوة وُلِدَت فى ذهن الرئيس مُرافقة لفكرة مُستقبل الحكم، وما أعلنه خلال الأسبوع الأخير عن حصانة الدستور ومُقدمات الانتقال السياسى فى 2030.
وعلى ما فات؛ فلسنا بصدد فعاليّة بادرت بها الحكومة، واستعدّت لها كما ينبغى. ولا فى ورشة لرسم ملامح المستقبل بعيد المدى؛ إنما للوقوف على الحاضر، والمكاشفة بشأنه وما كان من مُقدّماته فى الماضى، والاتفاق على ملامح عامة لإدارة مرحلة مقبلة لا تتجاوز أربع سنوات.
وفى المقابل؛ فإن لدينا تجربة لا تختلف كثيرًا، جرت وقائعها قبل فاصل زمنى مُماثل، وأخذت حقّها فى التجهيز؛ حتى أن بعض أطرافها اشتكوا من طول فسحة الاستعداد، وتشكّى آخرون من اتساع حيز المشاركة، ما يقتطع من فرص إشباع نهمهم العظيم للكلام!
وأقصد الحوار الوطنى، وقد دعا له السيسى فى إفطار الأسرة المصرية/ أبريل 2022، وتشكّل مجلس أُمنائه بعد نحو عشرة أسابيع.
وكان فاصل الدعوة عن انطلاق أعماله نحو ثلاثة عشر شهرا، وجرت وقائعه على شهورٍ طويلة، وتوصّل لأوراقٍ وافية فى عدّة لجان وقضايا موزعة على ثلاثة محاور.
وبعيدًا من تقييم البعض له، وما يُثبَت بحقّه أو يُؤخَذ عليه؛ فقد كان مُنتدى غير المُنتدى الحالى، ولأهدافٍ مُختلفة نسبيًّا.
على أنهما حتى وإن اختلفا فى التكتيك؛ فيظلان مُتشابهين فى الاستراتيجية: دولة 30 يونيو، وترميم تحالفها وتحصينه من محاولات الشقّ أو الاختراق.
والفارق بعيدٌ للغاية بين حوار داخل رؤية، ولقاء على أطرافها. بين ورشة عمل للتثبيت، وأخرى للانتقال والتغيير.
والذين لا يفهمون حجم التبدّل، ويستوعبون مُتطلباته؛ سيظلون فى جدليّات فارغة، وخارج مُتطلبات الحالة التاريخية غير المسبوقة أصلاً.
تعرض الحكومة ما لديها، ما أنجزته أو تأخّرت فيه، وتسمع صوتًا غير صوتها؛ لتُعيد التقييم والتقويم وتكييف خططها مع الغلاف المُحيط، لخلق مساحة انسجام وتوافق تُقرّب الرؤى، بما لا يتسبب فى خضّة بعد التسليم والتسلُّم.
وما تزال المهلة طويلة، ولدينا مُتّسع للاستدراك، وتلافى الملاحظات؛ والمهم ألا تتوقف حالة الحوار، وأن تستمر فى حال انعقادٍ شبه دائم؛ لتكون بمثابة ورشة عمل مفتوحة على كل الملفات، وبإيقاع حياتنا وحركتنا فى الزمن الحقيقى.
فى مرّة تالية؛ ستكون فسحة الاستعداد أطول، وقائمة المُتحدثين أثرى وأكثر تنوّعًا. ستأخذ الموضوعات حيّزها المُناسب، ويُضاف ما كان غائبا.
وتتفرّع عن المُنتدى الكبير فعاليات أصغر؛ فكأنها شجرة بغصون كثيرة كثيفة، تُغطى المجال العام أفقيًّا ورأسيًّا كيفما ينبغى، وتتطلّب مهمّة التلاقى وخلق أوسع حراكٍ مُحصّنٍ بأمتن قاعدة وفاقٍ.
ومن هُنا؛ فالمطلوب أن يمتدّ المنتدى، ولكن بكيفية أكثر حيوية وأقل زحامًا وإرهاقا، وبما يُعشّق نسيجه/ الفاعلية والأثر، فى ثنايا الحياة اليومية، وديناميكية المؤسسات وتشابكاتها مع جمهورها العريض.
ويُمكن الوصول لذلك عبر مأسسة الحدث، والتخطيط لأن يكون بنية هَرميّة مُتدرّجة فى الجغرافيا والزمن، وفى الكمّ والنوعية.
بحيث ينطلق قاعديًّا من أرضية عريضة مفتوحة بالكامل، ويتقلّص صعودًا وفق معايير مُحدّدة، وعلى أن تصفو مُداولاته وحصيلتها فى أوراق ومُخرجات مُنتقاة، مصحوبة بانتقاء لأفضل العناصر والعقول لبلوغ المرحلة الأعلى.
وهكذا؛ من أدنى نواة اجتماعية فى أبعد نجع أو قرية، مرورا بالمدينة والمحافظة، على أن تتوزّع الجداول الفرعية فى رحلتها على الهياكل الإدارية المُناسبة، ويصبّ النقاشات والأفكار والأطروحات الكُبرى اللامعة فى المُنتدى الأم.
والخطوة الأولى بإقرار دوريّة المُنتدى، ثم تشكيل إدارة تنفيذية تتولّى الإشراف على تحضيراته من الآن، وتترابط مع الجهات ذات الصِلّة لبدء إنبات الشجرة من سطح الأرض، وضبط الأُطر التنظيمية والإجرائية تواليًا حتى موعد الدورة المُقبلة.
والبنية اللوجستية لن تخرج عن المدارس ومراكز الشباب والوحدات المحلية، ودور العبادة فى المناطق النائية التى قد لا تتوافر فيها مرافق مدنية بديلة.
أى أن وزارات التعليم والتعليم العالى والثقافة والرياضة والأوقاف والإدارة المحلية شريك أصيل فى تلك الرؤية، والمُنطلق الأول لتمكين حالة الحوار فى كل المستويات الاجتماعية، وجعلها وسيلة عضوية، يومية ومُستدامة، للاتصال السياسى المُتبادَل، وكل ما وراء ذلك من عوائد نتباحث فيها كثيرًا، ونتحصل منها على القليل.
سيتعلم الطفل أن يسمع، ويتكلّم بلا خوف أو حرج. وسيتعرّض للمعلومات المُتاحة فى بيئته من مصادرها، وبالمشاركة سينجذب لمتابعة المستويات الأعلى فالأعلى.
تعليم وتربية وتثقيف وتوعية، وقد نُعوّض قصور الإعلام التقليدى، ونضبط كثيرًا من خطاب المنصات الرقمية، فضلاً على أن التصدّى للشائعات سيكون أيسر كثيرًا.
والأهم أنها فرصة مهمة للمشاركة، التفاعل، والترقّى الاجتماعى والسياسى أيضًا. وكلها أبواب إمّا نحتاج لفتحها، أو لتوسيع القائم منعها بالفعل.
سيقول قائل إنه غرام بالكلام، والحقّ أننا نتكلم دائمًا، وسنظّل، وطالما لا نُحسن فضيلة الصمت، حتى مع الجهل بالأمر أو عدم امتلاك معرفة كافية بشأنه؛ فالأفضل أن يكون كلامًا مثمرًا، مبنيًّا على حقائق ومعلومات، وأن يُحقّق غايته فى الوصل، لا أن يكون حوار طُرشان.
لا أكتفى بالدعوة إلى الدورية وانتظام المُنتدى؛ إنما أتطلع إلى أن يصبح مؤسسة، قلبها اللقاء وعقلها النقاش، وبأطرافها من الساحل لأسوان ومن سيناء لمطروح، يكتسب الجسم الوطنى كامل بهائه.
وينعكس تماسك الجغرافيا وصلابتها، فى كفاءة الاتصال بين الديموغرافيا وتشبيك عناصر قوّتها.
يتحاور الصغار؛ ليتعلموا الشراكة واحترام الآخر، ويلتقى الكبار لبحث الأفكار وخلق الوفاق، ويعرف الجميع بالتفاعل الحىّ أن الآراء مُتباينة، والوسائل مُتعدّدة، وغايتنا الوحيدة مصر.