تحل ذكرى اغتيال القائد الأندلسي محمد بن أمية في هذا الشهر أكتوبر عام 1569، وهو أحد أبرز قادة الثورة الموريسكية التي اندلعت في جنوب إسبانيا ضد سياسات الملك فيليب الثاني، وعرفت باسم «حرب البشرات»، في مواجهة محاولات محو الهوية الإسلامية للمسلمين الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط غرناطة.
ولد محمد بن أمية، واسمه قبل إعلان إسلامه فرناندو دي بالور، عام 1520، وتنسبه روايات تاريخية إلى بني أمية، وقد برز اسمه في مرحلة تصاعد الاضطهاد ضد المورسكيين، وهم أحفاد المسلمين الذين خضعوا للحكم المسيحي، وأُجبر كثير منهم على اعتناق المسيحية مع استمرار التضييق على لغتهم وعاداتهم ومظاهر هويتهم الإسلامية.
مرسوم فيليب الثاني يشعل الثورة
تصاعدت معاناة المورسكيين في عهد فيليب الثاني، خصوصًا بعد صدور تشريعات عام 1566 فرضت قيودا على استخدام اللغة العربية والأسماء والملابس التقليدية، واستهدفت عددًا من العادات المرتبطة بالثقافة الإسلامية، وأدت هذه الإجراءات إلى اتساع حالة الغضب بين المسلمين في مملكة غرناطة السابقة، بعدما أخفقت محاولات التفاهم مع السلطات في تخفيف القيود المفروضة عليهم.
وفي أواخر عام 1568، بدأت الثورة المسلحة في منطقة البشرات جنوب غرناطة، بمشاركة عدد من القيادات الموريسكية، من بينها فرج بن فرج، وفي ديسمبر من العام نفسه، اختار الثوار فرناندو دي بالور قائدًا لهم، فأعلن تمسكه بالإسلام واتخذ اسم محمد بن أمية، مستندًا إلى النسب الأموي الذي تنسبه إليه الروايات التاريخية.
واتخذت الثورة من جبال البشرات الوعرة قاعدة لعملياتها، واعتمد المتمردون على حرب العصابات والهجمات المباغتة ضد الحاميات الإسبانية، واتسعت المواجهات إلى عدد من القرى والمناطق المحيطة بغرناطة، ما دفع فيليب الثاني إلى تكثيف العمليات العسكرية لمحاصرة الثورة واستعادة السيطرة على المناطق التي انضمت إليها.
خلافات داخل معسكر الثوار
على الرغم من اتساع الثورة، واجه محمد بن أمية خلافات داخلية وشكوكًا بشأن إدارته للصراع، خاصة مع تصاعد الضغوط الإسبانية ووقوع أفراد من أسرته في الأسر، وتذكر روايات تاريخية أنه حاول التفاوض لإطلاق سراح والده وشقيقه، وهو ما استُخدم لاحقًا في إثارة الشكوك حول احتمال مهادنته الإسبان.
وتفاقمت الخلافات مع انتشار شائعات عن نية ابن أمية التوصل إلى اتفاق مع السلطات لإنقاذ أفراد أسرته، الأمر الذي أثار غضب بعض المتطوعين والقادة داخل معسكره، وتشير روايات عن مقتله إلى أن خصومه استغلوا هذه الشكوك لإقناع عدد من الثوار بأنه لم يعد جديرًا بالقيادة.
وفي 20 أكتوبر 1569، قتل محمد بن أمية داخل معسكره، في واقعة ارتبطت بصراعات داخلية ومؤامرة شارك فيها بعض رجاله، وفقا للروايات التاريخية المتداولة، ولا تتفق المصادر تماما على جميع تفاصيل الاغتيال ودوافع المشاركين فيه، لكنها تشير إلى أن الانقسامات داخل صفوف المتمردين أسهمت في إنهاء حياة قائد الثورة.
نهاية القائد واستمرار المقاومة
بعد اغتيال محمد بن أمية، تولى محمد بن عبو قيادة الثورة، واستمرت المواجهات مع القوات الإسبانية لفترة أخرى، قبل أن تتمكن السلطة من إضعاف المقاومة وإخضاع مناطق واسعة من جنوب غرناطة، ولم يؤد مقتل ابن أمية إلى انتهاء الثورة فورًا، لكنه مثل ضربة لقيادتها في وقت كانت تواجه فيه ضغطًا عسكريًا متزايدًا.
وامتدت آثار حرب البشرات إلى المجتمع الموريسكي كله؛ إذ اتخذت السلطات الإسبانية إجراءات لتهجير أعداد كبيرة من سكان غرناطة إلى مناطق أخرى داخل إسبانيا، بهدف تفكيك تجمعاتهم وتقليص فرص تجدد المقاومة. وبعد عقود، صدر قرار الطرد النهائي للمورسكيين عام 1609، لتبدأ مرحلة جديدة من التهجير والتشتت.