ناهد صلاح

وجدة.. ما يبقى من المدن فينا

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 03:00 م


ثمة مسافة نفسية كبيرة بين أن تكتب عن مدينة، وأن تكتب من داخلها. في الحالة الأولى، تكون المدينة موضوعًا للكتابة، أما في الثانية، فإنها تتسلل إلى النص من أبواب أخرى؛ من نظرة عابرة، أو صوت يأتي من آخر الشارع، أو حكاية يرويها أحد أبنائها فتجد نفسك، من دون تخطيط مسبق، جزءًا منها. هنا لا تعود الكتابة وصفًا للمكان، بل محاولة لاكتشاف ما يفعله المكان بك، وما يتركه فيك قبل أن تغادره.

أنا الآن في وجدة. لا أكتب عنها من مسافة تسمح لي بأن أرتب تفاصيلها في صورة مكتملة، ولا أتعامل معها باعتبارها محطة عابرة في رحلة مهرجان سينمائي. أنا هنا، وسط مدينة أشعر أن وراء ملامحها الظاهرة حكايات لم تُروَ بعد، وأن ما تراه العين ليس سوى الطبقة الأولى من ذاكرة أعمق، تتشابك فيها الجغرافيا بالتاريخ، والأسوار بالحصارات، والفنون بحياة الناس، بينما يظل الإنسان، في النهاية، هو الحكاية التي تستحق أن نبحث عنها.


ثمة مدن تدخلها فتشعر أنك تعرفها، ومدن أخرى تمنحك، منذ اللحظة الأولى، إحساسًا بأنك لم تبدأ التعرف إليها بعد. وجدة، بالنسبة إليّ، من النوع الثاني. مدينة في الشرق المغربي، بالقرب من الحدود الجزائرية، وفي قلب فضاء مغاربي تشكل عبر قرون من التبادل والعبور والتجاور. صنعت جغرافيتها جانبًا من قدرها التاريخي؛ كانت معبرًا للتجارة وحركة البشر، ومجالًا للتواصل والتماس السياسي، كما عرفت تقلبات الصراع وتبدل موازين القوى. كل مرحلة تركت شيئًا منها على المكان، على ذاكرة أهله، على الطريقة التي ينظرون بها إلى ماضيهم وحاضرهم.


لكنني لا أظن أن المدن تُفهم بالتاريخ وحده، مهما بلغت دقته، ولا بالخرائط، مهما أحكمت رسم حدودها. هناك شيء آخر لا يظهر إلا حين نبطئ خطواتنا قليلًا، ونمنح المكان فرصة للكلام. قد يكون بابًا قديمًا، أو نغمة تتسرب من فضاء شعبي، أو حكاية يرويها صديق كأنه يستعيد جزءًا من حياته. عند هذه النقطة، يبدأ المكان في تجاوز جغرافيته، ويصبح ذاكرة حية، لا مجرد مساحة نسكنها أو نعبرها.


وجدة واحدة من هذه المدن التي لا يكفي أن نزورها؛ علينا أن نتعلم كيف نصغي إليها. حين وصلت إلى المدينة للمشاركة في مهرجان وجدة السينمائي الدولي للفيلم المغاربي، ضمن ندوة "السينما والذاكرة والمقاومة والأمل"، لم أستطع أن أتعامل مع عنوان الندوة باعتباره موضوعًا للنقاش داخل قاعة، ينتهي بانتهاء الجلسة. بدا لي، وأنا أكتشف وجدة، أن هذه الكلمات الأربع تصلح أيضًا مدخلًا لقراءة المدينة نفسها. فالذاكرة ليست فكرة معلقة في الهواء، والمقاومة ليست بالضرورة مواجهة مباشرة مع سلطة أو احتلال، والأمل ليس جملة جميلة نضعها في نهاية الكلام. أحيانًا تختبئ هذه المعاني في تفاصيل الحياة اليومية، في طريقة احتفاظ الناس بحكاياتهم، في الفنون التي يورثونها لأبنائهم، و.. في إصرارهم على ألا تنقطع الصلة بما كانوا عليه.


لأنني أنظر إلى المدن بعين سينمائية، تخيلت الكاميرا وهي تقترب من باب سيدي عبد الوهاب، أحد أبرز المعالم التاريخية في وجدة. تبدأ اللقطة من الحجر، من ملمسه وما حمله من أثر الزمن، ثم تتراجع الكاميرا قليلًا لتكشف حركة الحياة حوله. عابرون يمضون إلى أعمالهم، أصوات تتداخل في الفضاء، وجوه لا تعرف شيئًا عن اللقطة المتخيلة، لكنها تمنحها معناها الحقيقي. خلف الباب، وبجواره، تستمر الحياة، كأن الماضي والحاضر اتفقا على أن يتقاسما الكادر من دون أن يطغى أحدهما على الآخر.


في هذه اللحظة، لن أحتاج إلى تعليق صوتي يشرح تاريخ المعلم، ولا إلى موسيقى تستدرج المشاهد نحو إحساس محدد. سأترك الصورة تطرح سؤالها: ماذا نرى حين ننظر إلى أثر تاريخي؟ هل نرى بناءً قديمًا فحسب، أم نحاول تخيل الوجوه التي مرّت من هنا، الأقدام التي عبرت المكان، الأحداث التي تركت أثرها فيه، ثم مضت، بينما بقي الحجر شاهدًا على ما جرى؟..


هذا، في ظني، أحد الفروق بين أن نصور مدينة وأن نصنع فيلمًا عنها. التصوير قد يكتفي بجمال المكان، أما السينما فتبحث عما وراء هذا الجمال، عن العلاقة التي تربط الإنسان بمحيطه، عن المعنى الذي يمنحه للمكان، عن التحولات التي تجعل الشارع نفسه يبدو مختلفًا من جيل إلى آخر. الباب ليس مجرد عنصر معماري، والنافذة ليست تفصيلًا عابرًا، والشارع ليس خطًا يصل بين نقطتين؛ قد تحمل هذه العناصر، حين نقترب منها بوعي، مفاتيح لفهم مجتمع كامل.
لعل المدن العريقة لا تطلب منا أن نستعيد تاريخها فحسب، بل أن نكتشف كيف يعيش ذلك التاريخ في حاضرها. فالحفاظ على الذاكرة لا يعني أن نضع الماضي خلف زجاج، ونكتفي بالتفرج عليه من بعيد. الذاكرة التي لا تتصل بالحياة تتحول إلى مقتنيات صامتة، أما الذاكرة الحية فهي التي تسمح للماضي بأن يدخل في حوار مع الحاضر، وأن يظل قابلًا للفهم وإعادة الاكتشاف.


إذا كانت الحجارة تمنح الذاكرة جسدًا، فإن الموسيقى تمنحها صوتًا. وربما لهذا السبب لا أستطيع التفكير في وجدة من دون التوقف عند تراثها الموسيقي، الذي يكشف جانبًا آخر من شخصية المدينة، ويمنحها مساحة تتجاوز حدودها الجغرافية إلى رحابة المجال المغاربي والأندلسي.


يحتل الطرب الغرناطي مكانة بارزة في الذاكرة الفنية لوجدة. إنه لون كلاسيكي من الموسيقى الأندلسية، يحمل آثار رحلة ثقافية طويلة، امتدت عبر ضفتي المتوسط، وتداخلت فيها الهجرات والتقاليد الفنية وطرائق الأداء. غير أن ما يهمني في هذا التراث ليس أصله التاريخي وحده، بل قدرته على البقاء، وعلى الانتقال من زمن إلى آخر من دون أن يفقد صلته بجذوره. فالتراث لا يعيش لأنه قديم، بل لأنه يجد من يتبناه ويمنحه حياة جديدة. من هنا تأتي أهمية الأجواق والجمعيات الفنية التي تعمل على صون الموسيقى الغرناطية وتعليمها وتطوير أدائها، وإبقائها حاضرة في الحياة الثقافية، من خلال اللقاءات الفنية والمهرجانات الوطنية والدولية.


أتأمل هذا التراث، لا أرى أمامي مقطوعة موسيقية فحسب، بل أرى فيلمًا محتملًا. أرى معلمًا يجلس أمام تلميذه، يدًا تتدرب على آلة موسيقية، صوتًا يحاول أن يستعيد جملة لحنية كما سمعها قبل سنوات طويلة. أرى وجوهًا تحمل ذاكرة لا توجد كلها في النوتة الموسيقية، وأتساءل: كم من الحكايات تختبئ خلف لحن واحد؟ كم من التفاصيل يمكن أن تضيع إذا اكتفينا بتسجيل الحفل، لم نقترب من الأشخاص الذين جعلوا هذا الفن ممكنًا؟

 

هنا تستطيع السينما أن تتجاوز وظيفة التوثيق المباشر، لتبحث عن الإنسان داخل التراث. أن تقترب من العلاقة بين المعلم وتلميذه، وبين الموسيقي وآلته، بين ما وصل إلينا من الماضي وما يحاول الجيل الجديد أن يضيفه إليه. فالفيلم الذي يسجل مقطوعة غرناطية يوثق أداءً موسيقيًا، أما الفيلم الذي يتتبع رحلة هذه المقطوعة عبر الأجيال، فقد يفتح لنا بابًا إلى تاريخ اجتماعي وثقافي كامل.

 

بجوار الطرب الغرناطي، يحضر الراي في المشهد الموسيقي لوجدة، بحكم موقعها في المنطقة الشرقية من المغرب، وقربها من الحدود الجزائرية، ضمن فضاء مغاربي تداخلت فيه التجارب والإيقاعات والأذواق.  قد ارتبط الراي، تاريخيًا، بالحياة الشعبية والشبابية في المنطقة، ووجد في وجدة فضاءً للتلقي والتداول والتفاعل مع الجمهور.


ما يلفتني هنا أن الموسيقى لا تكتفي بأن تعكس المجتمع، بل تحمل أيضًا شيئًا من أسئلته وتغيراته. فالراي، بما يحمله من تعبير عن الحياة اليومية وأحلام الشباب وتطلعاتهم، يتيح لنا أن نصغي إلى تحولات اجتماعية لا تظهر دائمًا في الخطابات الرسمية. إنه صوت يتحرك مع الزمن، وتتغير دلالاته بتغير من يسمعونه، وباختلاف تجارب الأجيال التي تتلقاه.


أتخيل فيلمًا لا يكتفي باستعراض الأغاني أو تصوير حفلة، بل يقترب من مستمعين مختلفين، من شاب يرى في الراي تعبيرًا عن زمنه، ومن شخص أكبر سنًا يستعيد معه مرحلة من حياته، ومن موسيقي يروي كيف تغيرت الأغنية وتبدل جمهورها. عندها تصبح الموسيقى وسيلة لقراءة المجتمع، وتتحول الأغنية من مادة سمعية إلى شهادة على زمن كامل.
أما الموسيقى الشعبية في المنطقة الشرقية، بما تتضمنه من أنماط وإيقاعات مرتبطة بالركادة والعرفة، فتمنح المشهد الثقافي لوجدة بعدًا آخر، تتجلى فيه العلاقة بين الصوت والحركة والجماعة. إنها موسيقى ترتبط بالمناسبات والأعراس والاحتفالات المحلية، وتتجسد في إيقاعات حيوية وحركات جماعية، وفي استخدام آلات مثل البندير والناي، ضمن أشكال تعبير تتجاوز حدود العرض الفني إلى المشاركة الاجتماعية.


هنا أيضًا، لا أريد للكاميرا أن تقف في موقع المتفرج الذي يكتفي بتسجيل المشهد من بعيد. ما يهمني هو ما يحدث قبل أن تبدأ الموسيقى، وما يبقى بعدها. الاستعداد للاحتفال، الأيدي التي تهيئ الآلات، الوجوه التي تتغير ملامحها مع الإيقاع، والعلاقة بين المكان وأهله. هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون، في فيلم جيد، أكثر قدرة على كشف روح الثقافة الشعبية من عشرات اللقطات الاستعراضية.


السينما، حين تمنح هذه التفاصيل وقتها، تستطيع أن تجعل من مشهد احتفالي عابر حكاية إنسانية تستحق أن تُروى.
أعتقد أننا بحاجة إلى سينما ترى في التراث أكثر من مناسبة للاحتفال، وتدرك أنه مصدر غني للقصص والأسئلة والتجارب الجمالية. سينما لا تكتفي بإخبارنا أن هذا الفن قديم وأصيل، بل تسأل كيف عاش، من حمله، ما الذي تغير فيه، ما الذي يمكن أن يفقده إذا توقفنا عن الإصغاء؟


لكن ذاكرة المدن لا تسكن الحجر والموسيقى وحدهما. ثمة مساحة أخرى أكثر هشاشة، وربما أكثر قدرة على مفاجأتنا: الحكايات التي يتناقلها الناس، وتعيش في الذاكرة الشفوية، وتنتقل من جيل إلى آخر، حتى تصبح جزءًا من صورة المدينة عن نفسها.
خلال وجودي في وجدة، وجدت في سؤال بسيط مدخلًا محتملًا إلى حكاية أكبر: لو طُلب من أحد أبناء المدينة أن يحتفظ بحكاية واحدة منها للأجيال القادمة، فأي حكاية سيختار؟ لا أعرف إن كان هذا السؤال يصلح بداية لفيلم، أم أنه مجرد سؤال يفتح نافذة في حديث عابر، لكنني أعرف أن بعض الحكايات تبدأ هكذا؛ من فضول صغير، ثم تتسع كلما اقتربنا من الناس الذين يحملونها.
حكى لي أحد الأصدقاء من وجدة عن سيدي يحيى بن يونس، بوصفه رمزًا للتسامح والتعايش الديني والروحي عبر القرون. في الروايات المتداولة حوله، تتعدد التسميات والتأويلات؛ فهو معروف لدى بعض المسلمين باسم الولي الصالح سيدي يحيى بن يونس، أو سيدي يحيى بنموسى، فيما تتداوله روايات يهودية باسم ربي يحيى بن دوسة، وتربط بعض الحكايات اسمه بأحد الحواريين المقربين من السيد المسيح.


أتعامل مع هذه الحكاية باعتبارها مدخلًا إلى الذاكرة الشعبية، لا باعتبارها رواية تاريخية مكتملة ثبتت جميع تفاصيلها. فمثل هذه المرويات تحتاج إلى البحث والمقارنة بين المصادر التاريخية والروايات الشفوية، وإلى الإصغاء لأهل المكان من دون أن نفرض على ذاكرتهم إجابة جاهزة. قد تكون أهمية الحكاية، في نهاية الأمر، أوسع من القدرة على حسم كل تفاصيلها؛ فهي تفتح سؤالًا عن الطريقة التي يتخيل بها الناس تاريخهم المشترك، وعن المعاني التي يمنحونها للأماكن والأسماء والمعتقدات.


أجد نفسي أمام احتمال سينمائي يثير فضولي. ماذا لو بدأ الفيلم من الحكاية كما رواها لي صديقي، ثم انتقل إلى أصوات أخرى، وإلى أشخاص يحمل كل منهم ذاكرته الخاصة؟ ماذا لو تركنا الكاميرا تسجل اختلاف الروايات، بدلًا من أن تختار واحدة منها وتقصي ما عداها؟ قد نكتشف أن الاختلاف نفسه جزء من الحكاية، وأن الذاكرة الجماعية ليست دائمًا صوتًا واحدًا، بل مساحة تتجاور فيها روايات متعددة، تتفق أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى.


التاريخ الذي نقرأه في الوثائق ليس كل التاريخ. هناك تاريخ آخر تعيشه العائلات، تحمله النساء والرجال في ذاكرتهم، تختزنه الأغاني والأمثال والحكايات الشفوية. لا تكون هذه الروايات بديلًا عن البحث التاريخي، لكنها تمنحه بعدًا إنسانيًا، وتكشف كيف تصل الأحداث إلى الناس، وكيف يعيدون روايتها، وما الذي يختارون الاحتفاظ به منها.


لذلك، فإن تناول حكاية سيدي يحيى سينمائيًا يمكن أن يبدأ من الاستماع إلى أبناء وجدة أنفسهم، وتوثيق ما يتداولونه من روايات، ثم البحث في المصادر المتاحة لمقارنة ما تقوله الوثائق بما تحفظه الذاكرة الشعبية. لا يحتاج الفيلم إلى أن يدعي امتلاك الحقيقة النهائية؛ يكفيه أن يكون أمينًا في طرح أسئلته، واضحًا في التمييز بين المعلومة التاريخية والرواية المتوارثة، منفتحًا على تعدد الأصوات.


قد يكون فيلم قصير عن هذا المكان فرصة لاكتشاف العلاقة بين الذاكرة الشعبية والمدينة، بين الحكاية والمعتقد، وبين ما نعرفه عن الماضي وما نرغب في تصديقه عنه. الأهم أنه قد يمنح الناس فرصة لرؤية أنفسهم داخل عمل سينمائي لا يتعامل معهم بوصفهم مادة للفرجة، بل بوصفهم أصحاب الحكاية وشركاء في روايتها.
هذه، بالنسبة إليّ، واحدة من المهام التي تستطيع السينما القيام بها: أن تلتقط ما قد يضيع، وأن تمنح الحكايات اليومية مساحة تليق بها، وأن توسع مفهوم الأرشيف ليشمل وجوه الناس وأصواتهم وتجاربهم، لا الوثائق والصور الرسمية وحدها.


ربما يكون أهم فيلم عن مدينة ما ليس الفيلم الذي يستعرض معالمها واحدًا بعد آخر، بل الفيلم الذي يجعلنا نرى أهلها بطريقة مختلفة، ويمنحنا القدرة على الاقتراب من عالمهم من دون أن نزعم أننا امتلكناه.

المقاومة التي تبدأ من رفض النسيان

كلما تأملت علاقة السينما بالذاكرة، ازداد اقتناعي بأن المقاومة لا تبدأ دائمًا من المواجهة المباشرة. أحيانًا تبدأ من قرار بسيط، لكنه بالغ الأهمية: ألا نسمح لحكاية بأن تختفي، أو لصوت بأن يُمحى، أو لتجربة إنسانية بأن تختزل في صورة واحدة.
ما يعنيني هنا أن السينما لا تصبح مقاومة لمجرد أنها تتناول موضوعًا سياسيًا أو تاريخيًا، ولا تتحول إلى أداة للأمل لمجرد أنها تنتهي بنبرة متفائلة. قوة الفيلم تنبع، في المقام الأول، من صدق رؤيته، وعمق شخصياته، وقدرته على كشف ما لا نراه عادة. قد يكون فيلم عن ذاكرة عائلة فعل مقاومة للنسيان، وقد يصبح توثيق أغنية مهددة بالاختفاء فعلًا ثقافيًا، وقد يمنح فيلم قصير لشاب من مدينة بعيدة عن المركز فرصة لإعادة اكتشاف مجتمعه وصوته الخاص.
المقاومة الثقافية، بهذا المعنى، لا تقتصر على الدفاع عن الماضي، بل تشمل مقاومة اختزال الإنسان في صورة واحدة، ومقاومة تهميش التجارب التي لا تجد طريقها إلى الأرشيف أو الشاشة، ومقاومة الاعتقاد بأن الحكايات التي لا تتصدر المشهد العام أقل أهمية من غيرها.
وهنا تتضح لي العلاقة بين الذاكرة والأمل. فالأمل لا يعني أن ننظر إلى الماضي بعين الحنين وحدها، ولا أن نتعامل معه باعتباره زمنًا مثاليًا فقدناه إلى الأبد. الأمل الحقيقي يبدأ حين نمتلك شجاعة النظر إلى ما ورثناه، وفهم تناقضاته، ومساءلة رواياته، واختيار ما نريد أن نحمله معنا إلى المستقبل.
السينما، حين تنجز هذه المهمة بوعي فني ونقدي، لا تقدم الماضي باعتباره عالمًا مكتملًا لا يجوز الاقتراب منه، بل تجعله مساحة للأسئلة. إنها تسمح لنا برؤية الشخصيات التاريخية والإنسانية خارج الصور الجامدة، وتكشف التناقضات التي تجعل التجربة البشرية أكثر تعقيدًا وثراءً. كما تتيح لنا أن نفهم أن الذاكرة ليست مخزنًا محايدًا لكل ما حدث، بل فعل مستمر من الاختيار والتأويل وإعادة النظر.
ولهذا، فإنني لا أريد من السينما أن تحفظ الذاكرة فحسب، بل أن تجعلنا نفكر فيها. أن تسأل من يروي الحكاية، ومن غاب عنها، ولماذا بقيت بعض الأصوات حاضرة بينما اختفت أصوات أخرى. وأن تفتح المجال أمام تجارب لا تتشابه بالضرورة، لكنها تتجاور وتمنح الصورة الكاملة قدرًا أكبر من الصدق.
وجدة.. ما يبقى بعد الرحيل
أفكر في وجدة الآن، وأدرك أنني لم آتِ إليها لأجمع صورًا لمعالمها، ولا لأعود بمجموعة من المعلومات عن تاريخها وفنونها. جئت للمشاركة في مهرجان سينمائي، لكن المدينة أخذت توسع معنى الرحلة في داخلي. جعلتني أرى كيف يمكن لموضوع نناقشه داخل ندوة أن يتحول إلى تجربة نعيشها خارج القاعة، وكيف يمكن لحجر قديم أو لحن متوارث أو حكاية شعبية أن يفتح أمامنا أسئلة تتجاوز المكان الذي انطلقت منه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة