حازم حسين

منتدى مصر 2026/ 2030

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 02:00 م


لا تتحرك مصر بإيقاع وحيد؛ حتى داخل الدائرة الواحدة. تتفاوت السرعة بين المستويات النظامية والأهلية، وفى كل منها على حدة.
وزارة تتفوق على أخرى، وحكومة تتقدم على معارضتها حينا، ويتقدم عليها الشارع حينا، ويسبقُها الرئيسُ فى أغلب الأحيان.
وعموما؛ فالمسألة نسبية من دون شك، والتمايز بين البشر والمؤسسات من طبائع الأمور. وما يعز على فرد قد تستدركه الجماعة، وما نفوّته اليوم ربما نحصله غدا.

المهم أن نعرف، ونعترف، ونتحرك على هدىٍ من الإمكانات والآمال، بلا إفراط أو تفريط.
وأحسب أن منتدى مصر 2026 استُحدث لتلك المهمة على وجه التحديد، وليس كما فُهِم فى البداية من أنه فعّالية للتسويق الحكومى.
أى أنه ليس حديثا فى الإنجازات بمعزلٍ عن السياق، ولا تجريدا من الدراما الوطنية المُركّبة، وطبوغرافيا الواقع بين ما انطلقنا منه، ونقف عليه، ونطمح فى بلوغه لاحقًا.

فى مناسبةٍ قريبة، قال الرئيس إنه استحثّ فى المجتمع بمكوّناته دافعيّة الجهد والدأب، أمام ثِقَل المسؤولية وعِظَم التطلُّعات.
وعلى لُطف العبارة؛ فقد كانت كاشفةً قاسية، عندما قال إنه دعا للهمّة وتشمير السواعد؛ فاستيقظ وحده فى الموعد، أو بحسب تعبيره: «صحيت، وما حدّش صِحِى».

وأسوقُ الموقف لا للإشادة بمسلكه، أو استهجان ما كان من سواه؛ إنما لتبيان الفارق الذى ألمحتُ إليه سلفًا.
وهو لا يحمل معنى سلبيًّا أو إيجابيًّا فى ذاته، بقدر ما يُجلى القصد بأن الزمن لا يسير على الناحيتين بالوتيرة ذاتها، وكما تتّسع خُطاه على الأرض؛ فلعلَّها سبَّاقة فى التدبُّر واستشراف الغد.

والمراد؛ أنه لا شىء يحدثُ فى مصر عرضًا، أو بالمصادفة؛ أقلّه من جهة القيادة السياسية.
فقد أكّدت الوقائع المُتوالية، ومن قبل الوصول للرئاسة حتى اليوم، أنه لا يضعُ قدمَه فى المجهول، ولا يُعلن إلَّا ما أخضعه لتفكيرٍ طويل، ودرسه من كلِّ جوانبه بشكلٍ وافٍ.

وأوّل ما تذهب إليه الإشارة هُنا، موقفه التاريخى المُصَرّح به مُؤخَّرًا، عن أنه لا مساس بالدستور الذى ارتضاه الشعب ووافق عليه، وأن 2030 ستكون محطَّة سياسيّة فارقة فى عُمر مصر، من جهة تثبيت ذاك التعاقُد الوطنى، وإنجاز أوّل انتقال ديمقراطى سَلِس فى تاريخ البلاد.
على أنَّ ما أرمى إليه لا ينحصر فى تلك النقطة وحدها، وإن كان يبدأ منها وينتهى إليها.
والتوطئة التى أنطلق منها تخصُّ الحدث الذى انطلق أمس، ويستمر عدَّة أيَّام حتى ختام الأسبوع أو فاتحة الذى يليه. إذ لا يبتعد «منتدى مصر 2026» فى تصوُّرى عن تلك الحالة التاريخية سالفة العرض.

جاءت الدعوةُ الأُولى على هامش احتفال المولد النبوى، أواخر أغسطس الماضى.
وكان الباعث، بحسب ما عرض السيسى، أنَّ حالة التواصل مع الشارع ليست مثالية، وأقل من المطلوب، ويصيبها عطب يستدعى الإصلاح، بضَبط الرسالة وتحسين أدوات الاتصال.
وانطلاقًا من حقيقة أنه عقلٌ مُنظّم، وشخصية شديدة الانضباط؛ فالمُؤكَّد أنَّ ما طرحه خلال الأسبوع الأخير بشأن الدستور ومُستقبل الحُكم، تخمّر فى ذهنه لشهور أو أسابيع.

وفى الحدِّ الأدنى كان سابقا على توجيهه بتنظيم المنتدى؛ ما يعنى أنَّ الحدث إنما جاء فى سياق الفكرة نفسها؛ ولغايةٍ أكبر مِمَّا تصورّته عنه الحكومة والمواطنون معًا.
وأعتقد أنه خطوة أُولى على طريق تمتدُّ لأربع سنوات؛ فكأنه يطرح الإنجازات لا ليتفاخر أو يحتفل، ولكن ليستضىء بها فى معرفة ما تعثَّر أو تعطل.
وذلك؛ مع ضَمّ الشواغل والأولويات إلى الخطط وبرامج العمل القائمة، واستمزاجهما فى تصوُّرٍ واحد، يُنظَر فيه تحت مظلَّة عامّة، وبتمثيلٍ عريض.
على أن يُعاد ضبطه وتكييفه بحسب الأحوال، وأن يكون وثيقتنا الوطنية وقاعدة حوارنا المؤهلة لوفاقٍ سياسى مطلوب فى الحال والاستقبال.
ولا أُريدُ أن أختزله فى صفة «كشف الحساب»؛ غير أنه يمكن اعتباره مُسوَّدة أُولى. ترصد ما أنجزته الدولة بعد مخاضها العَسِر فى 2011 و2013، وما كانت تُخطِّط لإنجازه.

وبحيث تتجمَّع خلال السنوات الأربع ذخيرةٌ من الأفكار والرُّؤى وحصائل النقاش المفتوح، بأقصى قدرٍ من الصراحة والمكاشفة، وبما يُوفِّر رفعًا دقيقًا لواقع البلد، وبنيةً معرفية مُتكاملة لإغناء القيادة والمؤسسات.

والأهمَّ؛ أنها قد تكون مُختبرًا مفتوحًا حتى 2030، يتشكَّل المستقبل فى حاضنته، وعلى طاولته الواسعة، وما يتفرّع عنها من فعاليّات، ويتولَّد من آثارٍ ومُداولات.
وبهذا؛ فإلى جانب كونه مساحة للعرض والنقاش، فالمنتدى منصّة لعرض الآراء المختلفة، والنقد واقتراح البدائل، وفى ثناياها إعلاء قيمة الحوار، والتدريب على الاختلاف والجوار المُثمر بين المختلفين.

تقول الحكومة ما لديها، وتنقل خبراتها العملية، وترى انعكاس أدائها فى عيون الخبراء والمعارضين. وتسمع منهم، وتُعيد تقييم موقفها؛ لتلتقى معهم فى الفرصة التالية عند تقاطُعٍ أقرب.
والمنتدى من تلك الزاوية؛ بمثابة آليّةٍ للتثبيت والتمكين والتحضّر للمستقبل. ورشة عمل وطنية مفتوحة؛ لا تنحصر فى الأيام الستة، ولا تتوقف طوال السنوات الأربع.
فكأنه مساحةٌ حرّة، مفتوحة وديناميكية، تبدأ اليوم؛ ولن تُختَتَم عمليًّا قبل 2030.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة