كشفت دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية، أن تأثير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية الجديدة على سوق العمل لا يتوقف على مدى تعرض الوظائف لهذه التكنولوجيا، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بنوعية المهارات الموجودة والمطلوبة داخل سوق العمل المحلي، مؤكدة أن المهارات التقنية المتقدمة وحدها لا تكفي لضمان استفادة العمال من التحول التكنولوجي.
وأوضحت الدراسة، التي نشرها مرصد منظمة العمل الدولية للذكاء الاصطناعي والعمل والاقتصاد الرقمي، أن واحدا من كل أربعة عمال على مستوى العالم يعمل في مهنة لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، إلا أن التعرض للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة، لأن معظم المهن لا تزال تتضمن مهاما تحتاج إلى تدخل بشري، وهو ما يجعل تحول الوظائف وتغير طبيعة المهام أكثر احتمالا من استبدال العمال بالكامل.
وأشارت منظمة العمل الدولية إلى أن السؤال لم يعد يقتصر على تحديد الوظائف الأكثر تعرضا للتكنولوجيا الجديدة، وإنما أصبح يتعلق أيضا بالعوامل التي تحدد ما إذا كان هذا التعرض سيتحول إلى زيادة في فرص العمل أم إلى تراجع فيها، واعتمدت الدراسة على بيانات لأكثر من ألف منطقة محلية في 69 دولة، لتحليل العلاقة بين مستوى التعرض المحتمل ل40 تكنولوجيا رقمية ناشئة والتغيرات في معدلات التوظيف.
وشملت هذه التكنولوجيات الأتمتة الصناعية والروبوتات، والتجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والحوسبة السحابية، والتعلم الآلي، والتكنولوجيات الرقمية المستخدمة في مجال الصحة، وأظهرت نتائج الدراسة أن ارتفاع مستوى التعرض للتكنولوجيات الرقمية الناشئة ارتبط، في المتوسط، بزيادة فرص العمل، إلا أن هذه الزيادة لم تكن متساوية بين جميع الفئات أو الدول.
وبحسب الدراسة، كانت الزيادة في نسبة المشتغلين أكبر بين العمال في سن العمل الأساسي مقارنة بالشباب وكبار السن، كما اختلف تأثير التكنولوجيا وفقا لمستويات دخل الدول، ففي الاقتصادات الأقل دخلا، تركزت الزيادة في فرص العمل بشكل أكبر بين العمال الأقل تعليما، بينما امتدت هذه الزيادة في الاقتصادات الأعلى دخلا بصورة متزايدة إلى العمال الأعلى تعليما.
وأكدت منظمة العمل الدولية أن هذه النتائج تشير إلى أن مستوى التعرض للتكنولوجيا وحده لا يفسر كيفية استجابة سوق العمل للتغير التكنولوجي، إذ تتأثر النتائج أيضا بالطريقة التي يتم بها إدخال التكنولوجيا، وبكيفية استجابة العمال وأصحاب الأعمال والمؤسسات لهذا التغيير.
وأظهرت الدراسة أن طبيعة المهارات المطلوبة داخل سوق العمل المحلي تمثل عاملا مهما في تحديد هذه الاستجابة، حيث جرى تحليل 15 فئة مختلفة من المهارات، تشمل المهارات المعرفية والاجتماعية والانفعالية واليدوية.
وكشفت النتائج أن المناطق التي يرتفع فيها الطلب على المهارات المعرفية المتقدمة، ومهارات استخدام الحاسب الأساسية، والمهارات المالية، والكتابة، وإدارة المشروعات والعمليات، شهدت زيادات أكبر في فرص العمل مع ارتفاع مستوى التعرض للتكنولوجيات الرقمية الناشئة، كما ارتبط ارتفاع الطلب على مهارات إدارة الأفراد بزيادة أكبر في فرص العمل.
ولفتت المنظمة إلى أن هذه العلاقات ظلت قائمة حتى بعد أخذ مستويات التعليم في الاعتبار، وهو ما يؤكد أن المؤهلات التعليمية وحدها لا تعكس جميع المهارات التي يستخدمها العمال بالفعل في وظائفهم.
وأوضحت أن منطقتين يمكن أن تمتلكا قوة عاملة متقاربة من حيث مستوى التعليم، لكنهما تختلفان في طبيعة المهارات المطلوبة داخل المهن والقطاعات الموجودة فيهما، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اختلاف كبير في قدرة العمال على الاستفادة من التغير التكنولوجي.
وأشارت الدراسة إلى أن التغير التكنولوجي يمكن أن يزيد من قيمة المهارات التي تكمل التكنولوجيا ولا تكرر المهام التي تستطيع الأنظمة الرقمية والآلات القيام بها، ومن بينها القدرة على حل المشكلات الجديدة، واستخدام الأدوات الرقمية، والتواصل ونقل المعلومات، والتنسيق مع الآخرين، وإدارة المشروعات، والتكيف مع تغير طبيعة العمل، كما أكدت أن المهارات الاجتماعية والانفعالية تزداد أهميتها مع اعتماد أماكن العمل بصورة أكبر على التعاون والتنسيق والتفاعل بين العاملين.
وفي المقابل، كشفت الدراسة أن المهارات الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية ليست بالضرورة الأكثر ارتباطا بزيادة فرص العمل، موضحة أن ارتفاع الطلب على مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي ارتبط، في المتوسط، باستجابات أضعف للتوظيف أمام التعرض للتكنولوجيا الرقمية، بينما أظهرت مهارات البرمجيات والمهارات التقنية نتائج متفاوتة وفقا للدول والفئات العمالية.
وشددت منظمة العمل الدولية على أن هذه النتيجة لا تعني أن المهارات التقنية غير مهمة، فالاقتصادات تحتاج إلى متخصصين قادرين على تطوير التكنولوجيا الجديدة وتشغيلها وصيانتها، إلا أن هناك فرقا بين المهارات اللازمة لإنشاء التكنولوجيا وتشغيلها، والمهارات التي يحتاجها العدد الأكبر من العمال للتكيف مع التغير الذي تحدثه هذه التكنولوجيا في وظائفهم.
وأكدت المنظمة أن الاستعداد لمستقبل العمل لا يمكن أن يقتصر على تدريب العمال على أحدث التقنيات، كما أن رفع مستويات التعليم، رغم أهميته، لا يكفي وحده، مشيرة إلى ضرورة بناء استراتيجيات للمهارات تجمع بين الخبرات التقنية والرقمية والمهارات المعرفية ومهارات التواصل والإدارة.
وشددت على أهمية توفير فرص مستمرة أمام العمال لاكتساب مهارات جديدة وتحديث مهاراتهم طوال حياتهم العملية، خاصة مع استمرار تغير طبيعة المهام وأساليب العمل بفعل التطور التكنولوجي.
وفي الوقت نفسه، أكدت منظمة العمل الدولية أن تنمية المهارات والتعلم مدى الحياة لا يمثلان الاستجابة الوحيدة للتحديات التي يفرضها التغير التكنولوجي، إذ يمكن أن يواجه بعض العمال انتقالات صعبة تشمل فقدان الوظائف، ما يجعل الحماية الاجتماعية ضرورية لتوفير الأمان في الدخل خلال فترات الانتقال، ومنح العمال الدعم والوقت اللازمين للانتقال إلى فرص عمل جديدة.
وخلصت الدراسة إلى أن قياس مدى تعرض الوظائف للتكنولوجيا يساعد في تحديد المجالات التي يمكن أن يحدث فيها التغيير، لكن مزيج المهارات المطلوبة في سوق العمل المحلي يمثل عاملا أساسيا في تحديد قدرة العمال على الاستجابة لهذا التغيير، مؤكدة أن التحدي أمام الحكومات وصناع السياسات يتمثل في تحويل هذه المعرفة إلى سياسات تجمع بين تطوير المهارات وتحديثها من ناحية، وتوفير الحماية الاجتماعية اللازمة للعمال من ناحية أخرى، بما يساعد على تحويل التغير التكنولوجي من مجرد تعرض إلى فرصة جديدة للعمل.