في عصر تتدفق فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، لم تعد الصراعات مرتبطة بما يحدث على الأرض فقط، بل امتدت إلى المجال المعلوماتي، حيث أصبحت قدرة المجتمعات على التمييز بين الحقيقة والمحتوى المضلل جزءًا أساسيًا من معركة الوعي وحماية الرأي العام.
ويكشف كتاب «On Disinformation: How to Fight for Truth and Protect Democracy» للباحث لي ماكنتاير، الصادر عن MIT Press، عددًا من الآليات المستخدمة في صناعة التضليل ونشره، موضحًا أن حملات التضليل تستهدف نشر الشك والانقسام وتقويض الثقة، وأن مواجهة المعلومات المضللة ترتبط بفهم صناعها ومضخميها والجمهور المتلقي لها. MIT Press
إغراق الجمهور بالروايات المتناقضة
وبحسب المادة محل التحليل، تظهر إحدى آليات التضليل في طرح روايات متعددة ومتناقضة حول القضية نفسها، بما قد يؤدي إلى إرباك الجمهور وإضعاف قدرته على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.
ولا تستهدف هذه الآلية بالضرورة إقناع المتلقي برواية محددة، وإنما قد تسعى إلى زيادة الشك في مختلف مصادر المعلومات، حتى يصل المتلقي إلى حالة يصعب معها تحديد ما يمكن الوثوق به.
استغلال الانقسامات وتضخيم الاستقطاب
وتتمثل آلية أخرى في استغلال الخلافات والانقسامات الموجودة بالفعل داخل المجتمع، والعمل على تضخيمها وتحويلها إلى حالة من الاستقطاب، عبر تكريس خطاب يقوم على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متواجهة.
كما يمكن استخدام الانتقائية واجتزاء المعلومات، عبر إبراز جزء من الصورة وإغفال أجزاء أخرى، بما يدفع الجمهور إلى استنتاجات قد تختلف عن السياق الكامل للمعلومات.
وتشير المادة إلى استخدام هذا الأسلوب في بعض المضامين المتعلقة بالاقتصاد المصري، من خلال التركيز على أخبار أو مؤشرات بعينها وتقديمها في سياقات تهدف، بحسب هذا الطرح، إلى زيادة الضغوط والمخاوف لدى الجمهور.
التكرار يحول الرواية إلى محتوى مألوف
وتبرز كذلك آلية صناعة الرواية ثم إعادة نشرها وتكرارها عبر حسابات ومنصات مختلفة، بما يزيد من انتشارها ويجعلها أكثر حضورًا في المجال العام، حتى مع وجود معلومات أو أدلة تناقضها.
وتشير المادة إلى أن بعض الحسابات والمنصات التابعة لجماعة الإخوان والمناهضة للدولة المصرية تستخدم التكرار والإلحاح في تناول ملفات سياسية واقتصادية وإقليمية، مع طرح روايات بشأن الأوضاع الداخلية ودور مصر وجيشها في الأزمات الإقليمية.
خوارزميات التواصل الاجتماعي تضاعف الانتشار
وتلعب منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها دورًا مهمًا في سرعة انتقال المحتوى، إذ يمتلك المحتوى المثير والمستقطب قابلية كبيرة لجذب التفاعل وإعادة النشر، ما يسمح لرواية بدأت من حساب محدود بالانتقال سريعًا إلى جمهور أوسع.
وتزداد أهمية هذه العملية عندما تنتقل الرواية من حسابات التواصل الاجتماعي إلى منصات إعلامية أوسع انتشارًا، وهو ما يجعل الرصد المبكر لمسار المعلومات وتحليل مصادرها وآليات انتشارها أحد أدوات مواجهة التضليل.
الوعي خط الدفاع الأول
ولا تقتصر مواجهة التضليل على إثبات أن معلومة بعينها صحيحة أو خاطئة، وإنما تشمل فهم كيفية صناعة الرواية، والجهات التي تضخمها، والجمهور المستهدف منها، والهدف من نشرها في توقيت محدد.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع الأجيال الشابة التي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أحد مصادرها الرئيسية للحصول على المعلومات، ما يفرض تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المحتوى والتمييز بين الخبر والرأي والمعلومة المجتزأة.
وفي ظل ما يوصف بـ«حرب العقول»، تصبح المعرفة والقدرة على التحقق من المعلومات من أهم أدوات حماية المجتمع، فيما يمثل بناء الوعي وتعزيز الثقافة الإعلامية خط دفاع أساسيًا أمام محاولات التضليل والتلاعب بالمعلومات.