دينا شرف الدين

زمن الأشباه

الجمعة، 02 أكتوبر 2026 07:00 ص


لم أكن أتصور يومًا، عندما وصفت الحالة العبثية التي سادت المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، والتي تتمثل في تصدّر أنصاف الموهوبين وعديمي الكفاءة للمشهد، أن تتطور تلك الظاهرة لتضم أشباه الفنانين والمشاهير.

واجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، خلال الأشهر الأخيرة، موجة عارمة من انتشار مقاطع لأشباه النجوم والنجمات، بشكل فاق كل التوقعات، لتصبح تلك المنصات ساحات لعرض أخبار وتحركات وفعاليات وخناقات وحوارات هؤلاء.

ولم يقتصر الأمر على هذا الانتشار الواسع فحسب، بل تخطاه إلى ما هو أدهى وأمرّ، من قيام قنوات وفعاليات ومهرجانات، ممن تُعرف بمهرجانات «تحت بير السلم»، باستضافة وتكريم هؤلاء الأشباه، ودعوتهم إلى أماكن عامة هنا وهناك، بشكل لا يصدقه عقل.

فتلك الظاهرة الخطيرة التي تطفو بتبجح على سطح المجتمع المصري، حقًا لا أعلم من ورائها، ومن يكرّس لاستحكامها ويدعمها، لتقوى يومًا بعد يوم، فتتحول إلى أمر واقع مقبول ومستقر اجتماعيًا، وهي تصدّر أنصاف الموهوبين وغير المؤهلين وأشباه المشاهير للمشهد، في حين تتراجع جميع الكفاءات والمواهب وأصحاب الإمكانات إلى الصفوف الخلفية.

هل تعتبر تلك الظاهرة واحدة من أهم أسباب تراجعنا إلى الخلف، في حين يتقدم العالم إلى الأمام باستمرار دون توقف؟

إذ لم تعد الكفاءة معيارًا لأي شيء، فليس بالضرورة أن يكون الطبيب الأشهر والأعلى سعرًا هو الأكفأ، ولا المغني الأشهر هو الأكثر موهبة والأجمل صوتًا، ولا الكاتب الأشهر هو الأفضل والأبدع، ولا الفنان المتربع على عرش النجومية والأعلى أجرًا هو المستحق، عن جدارة، لأسباب هذه النجومية.

فقد فوجئت بنفسي، ومن باب الصدفة، بأشخاص أعرفهم جيدًا وأعرف مؤهلاتهم الدراسية والمهنية، تتم استضافتهم كإعلاميين ومحللين سياسيين ليتحدثوا عن الوضع الداخلي والخارجي للبلاد، ويصدروا أفكارهم لجماهير المشاهدين، دون أدنى شعور بخطورة هذا الموقف، الذي قد يتسبب في كوارث فكرية، وتصدير وجهات نظر غير مسؤولة تتداولها الناس، وخاصة بعد تلقيها من فلان أو فلانة، الإعلامي والمحلل المرموق، كما تم التنويه عنه.

كما صادفت من هذه النماذج الكثير ممن أعلم جيدًا أنهم حتى لم يكملوا مراحل الدراسة الثانوية، وليس فقط الجامعية.

ما حوّل المجتمع إلى ما يشبه المولد، وكل اللي عنده واسطة وشوية علاقات على حبة تسهيلات يتصدر المشهد، ويُصدّر أفكاره الهشة الفارغة المدعية إلى عدد لا بأس به من الجماهير، ثم نتعجب بعدها: ما الذي أصاب مجتمعاتنا بالجهل والتراجع وتدني الأداء وفساد الأذواق؟!

لا أعلم من ذا الذي يتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الجرم المجتمعي، الذي لم يلتفت أحد إلى مدى خطورته على الأجيال الجديدة، فقد أصاب جيلين أو ربما ثلاثة، وما زالت الكارثة مستمرة بشراسة.

ناهيك عن انتشار مقاطع لطابور الصباح المدرسي في عدة مدارس، استُبدل فيها النشيد الوطني المصري بأغنيات مثل «لولا البنات» و«شخبط شخابيط»، ولا عزاء لغرس قيم ومشاعر الوطنية والانتماء.

يا أولي الأمر في كل المجالات:

أفسحوا الطرق لذوي الكفاءات، وامنحوا الفرص لمستحقيها الذين تواروا تحت أتربة الزيف والكذب والبالونات الممتلئة بالهواء فحسب.

فإن حقًا تمت السيطرة على تصدّر أنصاف الموهوبين وعديمي الكفاءة والأشباه في مختلف المجالات، ليخرج إلى النور ويفيد المجتمع كل موهوب ومؤهل في مجاله، دون واسطة أو محسوبية أو خلافه، لربما تنصلح الأحوال وتستقيم الأوضاع المقلوبة، وحينها ربما نستطيع أن نلحق بما سبقنا إليه غيرنا، ونستقل آخر عربة في قطار التطور والانطلاق.

كفانا تدنيًا وزيادة في الانحدار، وإفسادًا للذوق، وإطاحةً بقيم كادت أن تختفي، كالحق والخير والجمال.

فلم يعد هناك حق، بعدما أطاح به الباطل واستقر مكانه.

ولم يعد هناك خير، في زمن اعتلى فيه الشر والمكائد أعلى وأرفع المناصب.

ولم يعد هناك جمال، بعدما اعتادت أعيننا وآذاننا على رؤية وسماع كل ما هو قبيح.

فقد بات الحق والخير والجمال مجرد كلمات من زمن فات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة