أكدت الدكتورة نجلاء عبد الرازق أستاذ الاشعة التشخيصية والتداخلية بطب قصر العينى، والمتخصصة فى تشخيص سرطان الثدى، أن برامج الكشف عن سرطان الثدي تعتمد في العديد من الدول على الفحص القائم على العمر، وخاصة استخدام أشعة الماموجرام، رغم وجود العديد من عوامل الخطورة المعروفة التي يمكن من خلالها تحديد احتمالات إصابة كل سيدة بالمرض.
وقالت، إن عوامل الخطورة للإصابة بـ سرطان الثدى لا تعتمد على العمر فقط، وإنما يمكن أن تتضمن مجموعة من المتغيرات، من بينها التاريخ العائلي، والعوامل الإنجابية، وعمر السيدة عند إنجاب طفلها الأول، وغيرها من العوامل المرتبطة باحتمالات الإصابة، بالإضافة إلى التدخين، وتناول الأدوية الهرمونية.
وأوضحت أن تحديد مستوى الخطورة وتأثيره على توصيات الفحص أصبح من الموضوعات المهمة مع التوسع في استخدام برامج الكشف بالماموجرام، موضحة أن الفحص واسع النطاق لا يخلو من بعض التحديات والسلبيات.
وأضافت أن التطور نحو الطب الشخصي أو الطب الدقيق يجعل من المنطقي أن يتم تحديد استراتيجية الكشف عن سرطان الثدي وفق عوامل الخطورة الفردية لكل سيدة، بدلًا من الاعتماد على نموذج واحد لجميع النساء.
وأوضحت، أن هناك عوامل خطورة للإصابة بسرطان الثدي، فضلًا عن التجارب الجارية في مجال الكشف الشخصي عن سرطان الثدي.
وأشارت إلى أن فرقة الخدمات الوقائية الأمريكية (USPSTF) توصي بإجراء فحص الماموجرام للنساء متوسطات الخطورة في الفئة العمرية من 40 إلى 74 عامًا وفق التوصيات الحالية، مع اختلاف وتيرة الفحص بحسب العمر والتوصيات المعتمدة.
وأوضحت، أن بعض المؤسسات الطبية الأخرى لديها توصيات مختلفة بشأن سن بدء الفحص وتكراره، كما تستخدم بعض المراكز وسائل تصوير إضافية إلى جانب الماموجرام بالنسبة للسيدات اللاتي لديهن عوامل خطورة أو كثافة عالية في أنسجة الثدي.
وأضافت، أن بعض وسائل التصوير، ومنها تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد والموجات فوق الصوتية، لا تزال تختلف التوصيات بشأن استخدامها على نطاق واسع لدى السيدات متوسطات الخطورة، بسبب اختلاف الأدلة المتاحة حول حجم الفائدة التي تحققها في برامج الفحص السكاني.
التجربة المصرية تتجه إلى نموذج أكثر تخصيصًا
وأشارت إلى أن التجربة المصرية في إطار المبادرة الرئاسية للكشف عن سرطان الثدي تختلف عن بعض برامج الفحص السكاني التقليدية، إذ تبدأ المتابعة في سن أصغر، مع الاعتماد على الفحص السريري، واستخدام وسائل التصوير المناسبة، بما فيها الموجات فوق الصوتية وفق تقييم الحالة.
وأكدت أن هذه المنظومة تعكس مفهومًا أقرب إلى الكشف المخصص وفق احتياجات السيدة، موضحة أن قاعدة "مقاس واحد يناسب الجميع" لا تصلح بالضرورة لجميع النساء في مجال الكشف عن سرطان الثدي.
كثافة الثدي من عوامل تحدي الكشف بالماموجرام
وأوضحت أن من أبرز التحديات التي تواجه برامج الكشف بالماموجرام كثافة أنسجة الثدي، والتي يمكن أن تقلل من قدرة الماموجرام على إظهار بعض الأورام الصغيرة.
وقالت إن السرطانات التي تظهر بين جولتين من الفحص، والمعروفة باسم سرطانات الفاصل (Interval cancers)، تشمل الحالات التي تظهر بأعراض سريرية بعد نتيجة فحص سابقة سلبية، وقد تكون مرتبطة بأورام سريعة النمو أو أورام لم يتم اكتشافها في الجولة السابقة.
وأضافت أن هذه الحالات توجد بصورة أكبر لدى النساء ذوات الثدي الكثيف، وقد يتم تشخيصها في مراحل أكثر تقدمًا، كما قد ترتبط بخصائص بيولوجية أكثر عدوانية مقارنة بالأورام التي يتم اكتشافها خلال الفحص الروتيني.
الماموجرام ليس الوسيلة الوحيدة للكشف
وأكدت، أن أهمية الكشف الشخصي تتمثل في إمكانية إضافة وسائل تصوير أخرى إلى الماموجرام وفق مستوى الخطورة وخصائص كل سيدة، خاصة لدى النساء اللاتي يعانين من كثافة عالية في أنسجة الثدي أو لديهن عوامل خطورة إضافية.
وعرضت خلال حديثها حالة لسيدة تبلغ من العمر 56 عامًا، كانت تعاني من كثافة في الثدي، وأظهر التصوير وجود تغيرات في بنية الثدي ومنطقة صغيرة لم تكن واضحة بصورة كافية في صورة الماموجرام التقليدية، بينما ساعد التصوير الإضافي على إظهار تشوه ا لأنسجة بصورة أكثر وضوحًا، وانتهى التشخيص إلى سرطان في الجزء السفلي الداخلي من الثدي.
وأوضحت أن مثل هذه الحالات توضح قيمة الجمع بين وسائل التصوير المختلفة عندما تكون هناك عوامل تستدعي ذلك، بدلًا من الاعتماد على وسيلة واحدة لجميع السيدات.
الكشف السكاني قد يؤدي إلى تدخلات غير ضرورية
وأشارت إلى أن أحد التحديات الأخرى للفحص السكاني هو اكتشاف بعض التغيرات التي قد تكون منخفضة الخطورة أو بطيئة النمو، وهو ما قد يؤدي إلى المزيد من الفحوص والخزعات والتدخلات الجراحية والعلاجية، وعرضت مثالًا لحالة تم فيها اكتشاف سرطان قنوي موضعي (DCIS)، انتهى تقييمها إلى إجراء جراحة، إضافة إلى حالة أخرى ظهر فيها تجمع من التكلسات منخفضة الاشتباه، وتم إجراء خزعة موجهة بسلك، قبل أن تظهر النتيجة كإصابة منخفضة الدرجة.
وأوضحت أن هذه الحالات تبرز أهمية تحقيق التوازن بين فوائد الكشف المبكر وبين تجنب الفحوص والتدخلات غير الضرورية.
نماذج لتحديد خطر الإصابة بسرطان الثدي
وأكدت أن التطورات الطبية خلال السنوات الأخيرة عززت مفهوم الكشف الشخصي، الذي يأخذ في الاعتبار عوامل الخطورة الفردية للإصابة بسرطان الثدي، ثم يحدد استراتيجية الفحص وفق مستوى الخطورة.
تجارب دولية لتطبيق الكشف الشخصي
وأشارت إلى وجود عدة تجارب بحثية لدراسة الكشف الشخصي عن سرطان الثدي، ومن أبرزها تجربة WISDOM في الولايات المتحدة، وتجربة MyPeBS الأوروبية، إلى جانب تجارب أخرى تدرس إمكانية إضافة وسائل تصوير مختلفة وفق مستوى الخطورة المحسوب لكل سيدة.
وتهدف هذه الدراسات إلى اختبار ما إذا كان من الممكن الانتقال من نموذج الفحص الموحد إلى نموذج أكثر تخصيصًا، بحيث تحصل كل سيدة على استراتيجية كشف تتناسب مع مستوى خطر إصابتها.
الكشف الشخصي أكثر تعقيدًا لكنه قد يكون أكثر تخصيصًا
وأوضحت، أن من مزايا الكشف الشخصي إمكانية تخصيص توصيات الفحص وفق عوامل الخطورة، بما يسمح بتوجيه موارد التصوير والفحوص الإضافية إلى الفئات الأكثر احتياجًا إليها.
لكنها أكدت في الوقت نفسه أن هذا النموذج أكثر تعقيدًا من برامج الفحص السكاني الموحدة، إذ يتطلب تدريب الفرق الطبية على تقييم عوامل الخطورة واستخدام نماذج تقديرها، ثم اختيار وسائل التصوير المناسبة لكل حالة.
كما أن مستوى خطورة السيدة قد يتغير بمرور الوقت نتيجة ظهور عوامل جديدة، مثل إجراء خزعة جديدة أو اكتشاف حالات إصابة بسرطان الثدي في أفراد من الأسرة، ما يستدعي تحديث تقييم الخطورة بصورة دورية.
وأكدت، أن أنظمة قواعد البيانات والسجلات الطبية الإلكترونية يمكن أن تساعد في التغلب على هذه التحديات من خلال تحديث بيانات المرضى وتسهيل متابعة عوامل الخطورة.
نحو نموذج أكثر مرونة للكشف عن سرطان الثدي
واختتمت، على أن النساء لا يمثلن مجموعة متجانسة من حيث خطر الإصابة بسرطان الثدي، إذ تختلف مستويات الخطورة بحسب العمر والعوامل الوراثية والتاريخ العائلي والعوامل الصحية والإنجابية وغيرها.
ومن ثم، فإن الاتجاه الحديث في الكشف عن سرطان الثدي يتجه بصورة متزايدة نحو تقييم مستوى الخطورة لكل سيدة، وربط هذا التقييم بموعد بدء الفحص ونوع وسيلة التصوير وفترات تكراره، مع الحفاظ على التوازن بين اكتشاف المرض مبكرًا وتقليل النتائج الإيجابية الكاذبة والفحوص والتدخلات غير الضرورية.