علا رضوان

فأس الوطن وجنة صحراه

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 09:24 م


فما يشهده العالم اليوم يشبه تماماً سيناريو الأفلام السينمائية التي تتحدث عن "العودة إلى البداية"، بعد أن أثبتت التكنولوجيا الحديثة والعولمة المفرطة عجزهما عن حماية الإنسان من أتون الحروب والضغوط السياسية، وجعلتا منه كائناً قلقاً يركض بلا توقف خلف سراب الاستهلاك. نحن اليوم أمام دورة تاريخية كلاسيكية: البناء، ثم الهدم، للعودة إلى البناء على أسس حقيقية ونقية. فعندما يضج العالم بالصراعات، وتتغير الخرائط، وتُغلق المضايق، وتتبدل طرق التجارة بفعل الأطماع؛ فإننا نشهد نهاية مرحلة وبداية مرحلة قاسية لكنها ضرورية.

إن التاريخ علمنا بحقائق دامغة أن أي دولة، مهما بلغت من ثروات أو امتلكت من مقومات، لو لم يكن لها جيش قوي وباتّر يحمي حماها ويدفع عنها الأخطار، لتتعرض حتماً للقهر والاستغلال وسلب الإرادة؛ فقوة الجيوش هي الدرع والحصن المنيع، وتضامن الشعوب ووعيها هما القوة المضافة التي لا تُقهر. ومن هنا فإن العالم القديم ينهار، ومن لا يحفر بئره، ويزرع حقلة، ويبني طوده بيده، سيجد نفسه خارج التاريخ والجغرافيا معاً، فمعركتنا اليوم هي معركة بقاء وسيادة، ومفتاحها الأبدي هو فأس تراب الوطن.

هذا هو وقت العمل الجاد وصناعة الأمل، لا سيما بعد أن تحولت وسائل النقل والمضايق البحرية إلى أدوات ضغط وابتزاز سياسي على الشعوب، بدلاً من أن تكون شرايين للنمو والتبادل العادل. ولأن الجبهات الخارجية يحميها جيشنا الباسل بدرعه وسيفه، فإن الجبهة الداخلية لها محاربون سواعدهم هي سندها المتين. إننا شعب عريق يعشق التحديات ولا تهزمه الصعاب، وبدلًا من الاستكانة، فلنعمل بجد في استصلاح الأراضي، وتربية الحيوانات، وتوفير القوت الأساسي، صوناً لأطفالنا الذين هم نواة المستقبل وركيزته الحقيقية. ولست وحدنا في الميدان؛ فلدينا -بفضل الله- كوكبة من خيرة العلماء والخبراء القادرين على هندسة خطط التنفيذ بدقة علمية، وتحويل الصحراء البور إلى جنان منتجة بأحدث أساليب الزراعة والري وإدارة الثروة الحيوانية. وفوق ذلك، نمتلك موقعاً جغرافياً فريداً، ومناخاً مشمساً، وتربة خصبة، واتجاهات رياح مثالية تتيح لنا استثمار الطاقة المتجددة، لنتحرر نهائياً من أي ضغوط مرتبطة بمصادر الطاقة التقليدية.


إن التاريخ يعج بنماذج لشعوب مجيدة أنقذت نفسها في أقسى أوقات الحصار بالعمل والاعتماد على الذات؛ كوريا الجنوبية التي نهضت من رماد الحرب، وألمانيا التي أعادت بناء خرابها بسواعد أبنائها، وفيتنام التي زرعت حقولها تحت القصف لتحقق الاكتفاء، وكوبا التي واجهت الحصار بالإنتاج المحلي. ومن قلب هذه التجارب، نستطيع نحن أيضاً أن نصنع معجزتنا المصرية، عبر سياسة عملية وحازمة تقضي على الفقر من جذوره؛ كأن يُسن قانون وطني ينظم طاقات شبابنا ويُلهمهم الانخراط في مشروعات الإنتاج الزراعي والحيواني والطاقة المتجددة، على أن تتكفل الدولة بتوفير الأراضي والمعدات والإشراف العلمي، ليكون لكل شاب دخل ثابت وخاص يصون كرامته.

إلى جانب إطلاق مبادرات تمويلية للمشروعات متناهية الصغر، وتدريب الأسر على التصنيع الغذائي المنزلي، وتخصيص حصص أرباح تعاونية تضمن عدالة توزيع الثروة وتبدد ظلال الفقر للأبد.


إن هذا التحول الواقعي يعيد صياغة العلاقة المقدسة بين المواطن ووطنه؛ فالدولة توفر مقومات الإنتاج، وعلماؤنا يوجهون الركب بحكمتهم، والشعب الأبي يعانق ثقافة العمل ويتخلى عن قشور الرفاهية، لنتحول معاً إلى درع اقتصادي حصين. إن تضافر استصلاح الأراضي، وتربية الحيوانات، واستثمار الطاقة المتجددة يمثل طوق نجاة متكاملاً يؤمن غذاءنا وطاقتنا، ويحرر قرارنا الوطني من كل قيود الابتزاز العالمي.
هذا أوان البناء، وبجيش يحمي، وشعب يعي، وأيدي أبنائنا الأوفياء، وعزيمة لا تعرف المستحيل، نصنع مستقبلنا ونرسم بأتحادنا عزتنا ونبني سيادتنا بشكل جديد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة