حققنا الكثير فى سنواتنا الماضية، وما زال المأمول والمُمكن أكثر، ولن نصل لِمَا هو أبعد، إلَّا بعدما نقف بوعىٍ كافٍ على ما نحن فيه، ونتطلَّع ببصيرةٍ شوّافة إلى ما نرجوه، ونقدر عليه، وتُيسِّره لنا إمكاناتُنا والظروف.
وإذا كان الخطُّ المُستقيم أقصرَ مسافةٍ بين نقطتين، فضمانةُ الانطلاق السليم والوصول الأَسْلم، تبدأ من تقييم ما أنجزناه بلا تهوينٍ أو تهويل، والاعتراف بما عجزنا عنه بلا خجلٍ أو مُكابرة، وملء الحيّز بينهما بكلامٍ يُحقّق وظيفة الاتصال، وغاية الفهم، وفاعليّة التفكير.
يلتئم آلافُ المُشاركون اليومَ، وحتى آخر الأسبوع، تحت مظلّة «منتدى مصر 2026».
والترقيم إنما يُشير إلى أنه فاتحة، ستعقبها حلقاتٌ تالية.. والسياق الذى أتى فيه، أو تشكّل من حوله بعد الدعوة إليه، يُبشّر بديناميكية ستمتد آثارها إلى كل ناحية فى حياتنا الاجتماعية والسياسية.
نُظِّمَ الحدثُ على عَجَلٍ نسبيًّا، مُنذ دعا إليه رئيس الجمهورية قبل نحو شهرين، أو بالتحديد ما يزيد قليلاً على سبعة أسابيع، فى كلمته خلال الاحتفال بالمولد النبوى الشريف أواخر أغسطس.
واستُهلِك وقتٌ طويلٌ من تلك الفُسحة القصيرة، فى النقاش بشأن الماهيّة والغرض، وما إذا كانت حلقةً مُستنسَخة من أُخرَياتٍ سابقة لعرض الإنجازات، أم طاولة مُستحدَثة لا تُشبه غيرها، ولأغراضٍ غير ما سلف.
ولن أُنَجِّم بشأن النتائج، غير أنَّ الجَلِىّ من المُقدّمات أنها مزيجٌ من أطيافٍ عِدّة: المؤتمرات والمُنتديات ولقاءات الحكومة العمومية والإعلامية، والحوار الوطنى، وورش العمل من ذوى الخبرة لإنجاز أوراقٍ ورؤى قطاعيّة نوعية.
ونحن أحوج إلى أن يكون هكذا بالفعل، وأن يستكمل حالةَ الحراك المُتنامية فى المجال العام، ويعكسها على مستوى الوَصْل الرسمىّ/ الشعبى، وخَلْق مساحة حوارٍ حقيقيّة بأُسُسٍ راسخةٍ بين الدولة والمواطن.
وعليه، فالعبرة لن تكون بما يُقال، سواء أعجبنا أم لا، إنما بما تُمهِّد له الخطوةُ على طريق طويلة وَعِرة، أكان بالاستدراك على ما فاتنا، أو تعزيز ما أصبناه بالفعل، والسير بين هذا وذاك فى مناخٍ سريع التقلُّب لدينا وفى الجوار القريب.
والحق، أنَّ مصر أشبه بمَن يسير فى حقل ألغام. لا زاوية فى الإقليم بلا قلقٍ أو خطر، تُحوّطنا المُثيرات من كلِّ ناحية، وننام مُضطرّين بنصفِ عَينٍ على كل واحدٍ من محاورنا الاستراتيجية.
وفضلاً على الجهد لإبقاء البلد آمنًا مُستقرًّا، فإننا مَعنيّون بالدفاع عن أشقاء كُثر، والتصدّى لمُؤامراتٍ تتناسَلُ من بعضها، والمُناورة بحِرفيّة بين الصديق والعدوّ، لإنقاذ الأوّل دون الاصطدام الكاسح بالثانى!
والمُنتدى من تلك الزاوية لا يُعرَفُ بما يطيب للإدارة التنفيذية أن تعدّه بين ثمار عملها فحسب، إنما يُصارح الناس بما تعذّر عليها، وما تتوخّاه من احتياطاتٍ لكى لا تتعقّد الأوضاع، ونصيب كلّ طرفٍ من العبء بلا تجميلٍ أو مُداراة.
وبشكل عام، فإننا فى حاجةٍ إلى تفعيل آليّة السيناريوهات المُستقبلية، أكان بالذهاب إليها أم العودة منها.
أى بوضع مُستهدفاتٍ نرجع منها لواقعنا، فتتحدّد الإجراءات المطلوبة.. أو نضع أسلَمَ الوصفات، مع المُراقبة بالتقييم والتقويم الدَوريَّين، ثمّ ننظر إلى أين تقودنا الخُطَى.
أوشكنا على الوصول إلى المحطّة المُحددة فى استراتيجية التنمية المستدامة «رؤية مصر 2030»، ونحتاج إلى استمزاج أوراقها مع ملفات الحاضر، لرصد ما تحقق، وتنقيح ما تبقّى بالحذف والإضافة، بجانب الاستعداد لوَضع ما بعدها من خطَطٍ قصيرة المدى أو طويلة.
وعلى ذِكر العام المَرجعىِّ، فقد منحته القيادةُ السياسية أبعادًا أكثر ثِقَلاً وأهمية بما طُرِح على المجال العام فى الأيام الأخيرة، وحدّد ملامح عريضة للانتقال الديمقراطى، وآليّات تحقيقه.
كما تناول المعايير والمُحدّدات التى ننطلق منها، ونعود إليها. وخطَّ عناوين كُبرى للثوابت الأساسية التى يجب ألّا نحيد عنها إطلاقًا.
كلُّ ما قِيْلَ مُهمّ، ومن أهم ما فيه أن مصر لن يحكمها مُستقبلاً مُغرض أو خائن أو مُجرم. وتلك ضمانة تُطمئن الشعب، وتقطع الطريق على المتربّصين، وتُثبّت الخطوط العريضة لتحالف 30 يونيو وأُسسه الوطنية الراسخة.
كنتُ أقول وأكتب كثيرًا، ما معناه أنَّ القيادة السياسية تُمثّل أكبر الضمانات لحماية مُكتسبات الثورة التصحيحية فى 2013، من دون التقليل من أدوار المُؤسَّسات كلها، أو التشكيك فى موقف الشارع من جماعات العنف الأُصولىّ.
ولطالما اعترفتُ بأننى أحتفظ بتقديرٍ شخصىّ خاصٍّ جدا للرئيس، أو بالأحرى يُطوَّق عُنقى بدَين مباشر له، إذ العداوة مع الإخوان بالنسبة لى مسألة مبدئية، وقد عاينتُ الموتَ غير مرّة على أيديهم القذرة.
وإذ نحتاج إلى إدارة حوار بشأن «مصر 2030»، فلا سبيل إليه إلا من العودة ثلاث عشرة سنة للوراء، وتحت مظلّة الرجل الذى لعب دورًا إنقاذيًّا فى لحظة حاسمة، أدخلته التاريخ من دون شَكٍّ.
وها هو يحجز اليوم صفحةً أخرى فيه، أعرض وأغزر فى الرسائل والدلالات، باستكمال تحصين الحاضر، وتعبيد الطريق للمستقبل بتعقُّلٍ وكياسة، مع تحديد الغايات ومأسسة الوسائل، وتأطير خصومة الدولة مع أعدائها، بحيث لا تُترَك عُرضةً للأخذ والردِّ والمُجادَلة لاحقًا.
انحاز للإرادة الشعبية أمام تجبُّر الإخوان، ودُعِىَ بتفويض كاسحٍ لمواجهة إرهابهم. توسَّع فى الزمان والمكان والمكانة، فمن قائد مُؤسَّسة إلى قيادة وطنٍ، ومن السياسة إلى الزعامة الكاملة.
قليلون يصنعون الفارق فى عُمر الدول، ونادرون مَن يكسرون القاعدة ويُحقّقون الاستثناء مرّتين، لا تقل إحداهما أهميّة عن الثانية.
عبرت مصرُ إلى برِّ الأمان معه، ورتّبت بيتها الداخلى، وبقيت آمنة مُطمئنّة والدنيا هائجة من حولها ومُتأجِّجة.
لَعِبَتْ أدوارًا فاعلة فى محيطها، ورسمت خطوطا حمراء، وأبقت على فلسطين لأهلها دون تصفيةٍ أو تهجير، وظلُّها أخضر فى ليبيا والسودان وغيرهما.
وما تزال ثابتة على مبدأها، تجمع القوّة بالحكمة، والسياسة بالبأس.. تُقاوم على كلِّ صعيدٍ، وتبنى، وتُعين مَن يحتاج العَون من الأشقاء.
وإلى ذلك، فإنها تكدّ وتكدح، وتُناقش كل شؤونها بلا حرجٍ. والمُنتدى فرصة للوقوف أمام المرآة، على أن تتبعه وقفات قطاعية، رأسيًّا وأفقيًّا، بحسب ما يتطلّب الظرف وتقضى الضرورات.
فالمهمُّ أن يبقى الحوار فضيلة، والقبول المُتبادَل تحت المظلّة المصرية الجامعة فريضة، ودورية التلاقى جدارًا يصدّ مُحاولات الاستهداف والفتنة وشقّ الصفوف.
نجتمع على طاولة المُنتدى، كما تجمّعنا فى الحوار الوطنى، وفى 30 يونيو وما بعدها من امتحانات وطنية، عبرناها رغم صعوبتها، وسنعبر الأصعب دومًا بالروح ذاتها.
نعتزّ برجالنا، ولا نخجل من عثراتنا، ونواصل استكشاف أسئلتنا الكُبرى، والبحث عن أجوبةٍ تليق بها.
ونحن فى مأمنٍ طالما بقيت مظلّتنا عريضة، وبوصلتنا واحدة، وأننا مهما اختلفنا فى الأفكار والرؤى، نتّفق على قضايانا العُليا، ولا نختلف أبدًا على مصر.