حازم حسين

موتى يطاردون الأحياء

الأحد، 18 أكتوبر 2026 02:00 م


مرت ذكراه الثانية قبل يومين، وسبقتها بأقل من شهرٍ ذكرى رجل ما كانت شيعته تحسبُ أنَّ ظلّه سيزول عن الأرض.
قُتِلَ حسن نصر الله قصدًا فى معقله الحصين، ولحق به يحيى السنوار فى صيدٍ عشوائى، وما يزالان حاضرين فى موتيهما، حضورًا ثقيل الوطأة، بما لا يقلّ عمّا كان فى الحياة!


مأزقُ المنطقة أنها لا تدفن موتاها، جبرًا كان أم اختيارًا؛ وبالمعنى المجازى لهيمنة الماضى على الحاضر، والحَرفىّ بشيوع ثقافة الموت ورائحته، والافتتان به، والإفراط فى إنتاجه، مع منحه معانى احتفالية مُضلّلة.


غاب قادة كُثر وبقيت أصواتهم. خزين جبهة الصمود والتصدّى اتّخذ لافتة «المُمانَعة». تشكّل الإخوان فى تنظيماتٍ، وتحوّروا تحت عناوين عدّة، وتنوّعت الميليشيات، وتناسل الإرهاب من القاعدة لداعش وغيرهما، وصولاً إلى الحُكم أحيانًا.


يتسلّط قائدا حماس وحزب الله على بيئتيهما، وعلى لبنان وغزة وعموم قضايا الإقليم. غيمتان تنزّان دمًا، قليله من العدو وأكثره من القريب، وحملة الإرث يُفاخرون بما لا يستحق الفخر، وربما يستجلب العار.


قطع الموكب 7 دقائق بين ساحة النجمة وفندق سان جورج فى كورنيش عين المريسة؛ ثم ارتدّها الوراء فى أكثر من إحدى وعشرين سنة؛ ليُقتَل رفيق الحريرى مُجدَّدًا، أو ثانيةً؛ إنما تلك المرّة فى قلب البرلمان لا على بُعد عدّة كيلو مترات.


وقف النائب الشيعىّ حسن فضل الله تحت سقف السلطة التشريعية؛ ليُشهر بندقيّة سوداء مُتبجّحة فى وجه الدولة بكل مؤسساتها.
اعترف بملكية شاحنة المتفجرات المضبوطة مؤخرًا بكميّة ضخمة، طالبًا استعدتها بما فيها، ومُهدّدًا البلد بما لا يحتمل التأويل، مع تلميح غير خفىّ للحرب الأهلية.


وإذا تجاسر المُشرّع/ القانونىّ الدولَتىّ، على دور رجل العصابة؛ فما بالك بالمقاتلين ومَن يختبئون فى الأنفاق! وللحزب سابقة إجرامٍ لا تُنكَر؛ فأنّى لخصومه أن يطمئنوا معه إلى شرف الخصومة؟!


لا جدال فى أن ثأر الحريرى مُعلّق بأكبر رأس فى ضاحية بيروت الجنوبية. وتتّسع القائمة لتضم: سمير قصير وجورج حاوى ووليد عيدو وأنطوان غانم وفرانسوا الحاج فى تفجيرات، وإلى الشيعى لقمان سليم بخمس رصاصاتٍ غادرة.


كأنهم يُلوّحون بحمولة الـC4 والـTNT إلى المصير نفسه، والاستعداد لحسم الخلاف بأقذر الطرق وأقساها.
والحجّة الجاهزة أنه سلاح المقاومة؛ لردع إسرائيل وتحرير الأرض، بينما عاد الاحتلال أصلاً تحت رايتهم الحزبية الصفراء.
كما لو أن «نصر الله» لم يمُت فعلاً. استُبدِل به نعيم قاسم؛ فبدا ضئيلاً تحت العمامة.


حلّ حرس الثورة لإمساك الجبهة بالأصالة؛ فيما رجال المُمانَعة يتّهمون سواهم بالعمالة، وبمُهادنة الأمريكيين، ويتجاهلون أنهم طابور إيرانى على الجبهة اللبنانية.


والهمّ هُنا لا يختلف عن نظيره هُناك. فالحماسيّون ما زالوا يحتفلون بنكبة السابع من أكتوبر، ويستميتون فى محاولات تصويرها نصرًا، بينما يسيرون على خطّ العدو فى التنكيل بالمنكوبين.


تصفيات خارج القانون، ومُطاردات للترويض وتكميم الأفواه. رسوم بلدية مُخترَعة لتمويل الحركة وعناصرها، وضرائب على كل شىء تقريبًا.
يشكو أهل غزّة من الحرب مرّة، ومن مُمارسات الإدارة الحماسية بعدها مرّات. والعيش صعب فى كل الأحوال؛ لكنه يصير أصعب عندما يُفترَس الضحايا مِمّن يُفترَض أن يعتذروا لهم، أو يُعوّضوهم ويُعينوهم على التعافى.


الميليشيا اللبنانية تُزايد مؤخّرًا على السلطة فى بيروت، وترُدّ التزام الإيواء والإعمار إلى الدولة، بينما لا تعترف بها أصلاً، وترفض تمكينها، وتُماطل بشأن حصرية السلاح.


أمّا الفصيل الفلسطينى الطالع من ضلع الإخوان الأعوج؛ فيُمسِك بخناق القطاع منذ عشرين سنة، وهو القانون والخارج عليه فى الآن ذاته، وإن طلبَ أو تهرّب؛ فسيزيح الحِملَ عن كتفٍ لينقله إلى الآخر؛ فهو المسؤول الأوحد ولا بديل!


وبدلاً من الإقرار بالخطأ، وترضية الخواطر بالتنحّى وإنقاذ ما تبقّى. يُموّل المُقامر لعبته الخاسرة من شرايين بيئته المغصوبة قهرًا؛ كأنها مُحتلّةٌ من طرفين فى آنٍ واحد.


ومع تصاعد الأعباء المالية، توقّفت تدفقات السلع التجارية على غزة، بحسب ما قالت إسرائيل، وفى روايتها أن التجّار توقّفوا عن التنسيق؛ لأن حماس تفرض عليهم نحو 10 آلاف شيكل/ نحو 3200 دولار، عن كل شاحنة.


وليس شرطًا أن يكون الصهاينة صادقين؛ بل علينا أن نتلقّى كل ما يصدر عنهم بتوجّس وحذر. غير أن سابقة الخبرة أن أشباههم على ضفّتنا لا يقلّون عنهم كذبًا، وأحيانا يفوقونهم بسنوات ضوئية.


وإن كانت البلديات الحمساويّة تقتطع من قروش الفقراء لنَصب خيمة، أو بيع قطعة أثاث مُتهالكة؛ فالمنطق أدعى أن يُطوّقوا التُجّار الأغنياء برسومٍ وضرائب باهظة، ستنتقل حتمًا إلى الزبائن/ الفقراء مُجددًا.


دليلٌ يتبع هواه، ويُلوّن كل شىء بالأيديولوجيا.. أخذ الناس من الدار إلى النار؛ ثم يرفض أن يُعيدهم، أو يُخرجهم من الجحيم، فضلاً على أنه يُحمّلهم فواتير الزيت والبارود.


أستذكر قصة قديمة من السودان. عندما استقرّ العُرف بأن يُدفَن الموتى أسفل منازلهم؛ فكانت البيوت تُباع أرخص من سعرها، أو يُستَخرَج الموتى لترتفع القيمة.
وعندما حكم عبد الله التعايشى، أمر بانقضاء العادة، وإخراج الجثامين كلّها لتُدفَن فى مقابر شرعية؛ فقيلت عبارة «طلّعوا ميّتين أبونا»، وصارت مَثَلاً سَيّارًا.
على أن المقاومة طمرَت الناس تحت الرُكام بغباءٍ، وتُصفّى ما تبقّى من أنفاس الأحياء بلا حياء. فلا تُخرج للمكلومين موتاهم، ولا تعينهم على عناء الحياة، ويتبقّى أن تفرض عليهم ضريبة للدفن.


شىء شبيه جرى فى التاريخ القديم، عندما فرضها الأُمويّون على المصريين؛ فشاع بينهم القول المعروف: «موت وخراب ديار».
والرواية البديلة؛ تُعيدها لعادات البدو وبعض المناطق ذات الطبيعة القبلية، إذ تستقبل المُعزّين بالذبائح والولائم، وذلك من مال الفقيد وتركة أبنائه اليتامى؛ فكان السلوك عنوانًا على مرارة الفقد وقسوة الخراب معًا.


وكلاهما مُتحقّق تحت ظلّ حماس الأخضر، وليس له من الاسم واللون أىّ نصيب.
وفى أى تصوّر عاقل؛ ما كان لنزوة الطوفان أن تقع. كأن المُختلّ أعان المُحتل، وكابر فى المراجعة حتى تضاعفت الكُلفة.
وكان الرُّشد يقتضى التوقف؛ فالتدبر، فالافتداء؛ وإن على حساب التنظيم. أن يُبادر المطلوب بالظهور بدلاً من الاستتار وراء الظهور، وأن يبتر نفسه من الجسم المنكوب؛ ليزيد أو يتثبّت بالنقص، وبعض الانتقاص إنقاذ فى الحقيقة.


كبرت الحكاية بأكثر مِمّا تمنّى كاتبها أو تخيّل. ولا وريث فى إثره يستدرك على خطاياه، وخطوط الدراما تعقّدت والتفتّ على الرقاب، والمساكين لهم الله.
العدوّ خطير على غزة وجنوب لبنان وغيرهما، والمُمانَعة أخطر؛ ذلك أنها تُعبّد الطريق، وتوفّر الذرائع، وتستجلب الدمار. وإن حقّقت شيئًا؛ فلحساب طرفٍ آخر.
خليط من تطليع الميّتين وخراب الديار معًا، وتجسيد عملىّ لبشاعة الاختراق من العُمق، فكأن بعض فريقك يلعب لصالح غريمك، ويُسدّد فى مرماك من النقطة صفر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة