أحمد المالكى

مصر أولًا.. دعوا الدولة تعمل

السبت، 17 أكتوبر 2026 04:59 م


ليست الأوطان ميدانًا لتجارب الجماعات، ولا مستقبل الشعوب جائزة يتنافس عليها أصحاب المشاريع السياسية، فمصر أكبر من أي جماعة أو تيار أو حزب، ومصلحتها ينبغي أن تظل فوق كل اعتبار، وقد علمتنا التجارب أن إدارة الدولة ليست كإدارة التنظيمات، وأن الشعارات وحدها لا تصنع نهضة ولا تحل أزمات الشعوب، ولعل تجربة الإخوان المسلمين في الحكم عام 2012م، وما انتهت إليه البلاد في عام 2013م، وما أعقب ذلك من انقسامات داخل الجماعة نفسها، تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت الجماعة قد عجزت عن تجاوز خلافاتها والحفاظ على وحدتها، فكيف كانت ستدير دولة بحجم مصر وتعقيداتها؟

إن المشكلة ليست في أن يختلف الناس، فالاختلاف طبيعة الحياة، وإنما في أن يتحول الانتماء التنظيمي إلى ولاء يتقدم على الوطن، وأن تصبح مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة المجتمع، وأن ينظر كل فريق إلى الدولة باعتبارها ملكًا له، فإذا وصل إلى الحكم تصرف فيها وفق رؤيته، وإذا ابتعد عنه سعى إلى إدانة كل شيء ورفض كل ما يأتي من الطرف الآخر، وهذه عقلية لا تبني وطنًا ولا تصنع مستقبلًا، فمصر ليست حكرًا على أحد، ولا يجوز أن يظل مستقبلها رهينًا لصراعات سياسية لا تنتهي، أو أن ندور في الحلقة نفسها كلما تغيرت الأسماء والشعارات، وكأننا لم نتعلم شيئًا مما مررنا به من تجارب وأحداث.


ولست أدعو إلى الصمت عن الأخطاء، ولا إلى تجاهل ما يعانيه الناس من أعباء معيشية وتحديات اقتصادية، فهذه أمور حقيقية تستحق أن نتحدث عنها بوضوح، وأن نطالب بمعالجتها، لكن الفرق كبير بين من ينتقد لأنه يريد الإصلاح، ومن يجعل الخصومة غايته، وبين من يشير إلى الخلل ويقترح حلًّا، ومن لا يرى في المشهد كله إلا ما يؤكد موقفه المسبق، فمساندة الدولة لا تعني أن كل ما يجري صحيح، كما أن نقدها لا يعني أن نتجاهل كل جهد أو نتمنى تعثر كل مشروع، وإنما تعني المسؤولية الوطنية أن نطلب الأفضل، ونشجع ما ينفع الناس، ونواجه الخطأ، ونمنح العمل الجاد فرصته، ونحافظ في الوقت نفسه على تماسك مؤسسات الدولة والجيش المصري؛ فاستقرار الوطن ومؤسساته مصلحة عامة لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمزايدة أو الخصومة، كما أن قوة الدولة الحقيقية لا تكتمل إلا بكفاءة الأداء وتحسين حياة المواطنين، ومصر تحتاج إلى أبنائها جميعًا، لا إلى فريق يحتكر الوطنية وفريق يتهم الآخرين بها، وتحتاج إلى عمل جاد ونقد مسؤول وحوار يفتح أبواب الحلول، لا إلى معارك تستنزف الوقت وتعمق الانقسام، ولذلك فإنني أقول وبكل وضوح :
دعوا مصر تعمل، وساعدوها على أن تنجح، وطالبوا بالإصلاح والمحاسبة، لكن لا تجعلوا الخلاف السياسي سببًا في إهدار مصالح الوطن، فالحكومات تتغير وكلنا راحلون، أما مصر فباقية، وستظل أكبر من الجميع، ولن يربح أحد إذا خسر الوطن، حفظ الله مصر وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ قادتها وجيشها ومؤسساتها، ووفق أبناءها لما فيه الخير، وجعل اختلافهم بابًا للتكامل والبناء لا طريقًا إلى الفرقة والهدم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة