خالد دومة يكتب: بواعث الأخلاق

السبت، 17 أكتوبر 2026 12:12 ص
خالد دومة يكتب: بواعث الأخلاق خالد دومة

من أين تستمد الأخلاق بواعثها؟ وكيف تؤثر في شخصية الإنسان؟ وهل هناك باعث أقوى من الآخر، أم أنها جميعًا متساوية في تأثيرها، ولها الأثر نفسه عند الجميع؟
الباعث الديني: هل هو بالفعل نابع من إيمان الفرد، أم أنه نابع من التقليد؟ هل هو قناعة نفسية قبل أن يصبح دينًا، أم أنه اكتسب قوته في النفس لأنه صار دينًا؟ وهل امتزج الإيمان بالقلب والعقل، أم أنه مجرد شكل توارثه المرء؟ فهو جميل، لا لأنني رأيته وعرفته وعملت به، وإنما لأن السلف رأوه جميلًا، فرأته عيني جميلًا.
إن الأخلاق في هذه الحالة لا تعدو أن تكون ممارسات شعائرية اعتادها الشخص نتيجة اكتسابه الدين أو وراثته له.
هنا تظهر بواعث أخرى ترتبط بالباعث الديني، منها الباعث الاجتماعي، الذي يكون في أساسه انعكاسًا لسلوك المرء وتأثره بالآخرين ورغبته في تقليدهم، أو رغبته في احترام الآخرين له، أو خوفه من تهمة الخروج عن الدين أمام الناس، أو سعيه إلى اكتساب سمعة طيبة من خلال الظهور بمظهر المتدين.
هنا يكون تأثير المجتمع في المرء أقوى من تأثير الدين نفسه؛ إذ يصبح الدين سلمًا يصعد عليه لينال المكانة الاجتماعية ونظرات الاحترام والتبجيل.
وهناك باعث قد يتوارى خلف كواليس الباعث الديني أو الاجتماعي، وهو الباعث النفسي: ضمير الإنسان، وشعوره بالمسؤولية، وتعاطفه الإنساني الذي لا تقيده مصلحة أو منفعة. إنه توق الإنسان إلى أن يكون، بينه وبين نفسه، شخصًا محترمًا، فلا يرتضي الكذب أو السرقة، لا لأن هناك ما يدفعه إلى الامتناع عنهما سوى أنهما قبيحان، تستقبحهما نفسه، فيأنف أن تكون مثل هذه الأفعال من أعماله.
هنا نبحث عن الإنسان، ونعرف قدره من خلال تلك البواعث ومصادرها.
فالباعث الذي تكون له قوة في تشكيل الصورة الظاهرية لأعمال الإنسان قد يكون تأثيره الداخلي في نفسه ضعيفًا، أو قد لا يكون نابعًا من قناعة حقيقية، وإنما من التقليد. فالتأثيرات متبادلة، والبواعث دائمًا ما ترتبط بعضها ببعض، ولا تنفصل الواحدة عن الأخرى؛ بل تقوي إحداها الأخرى وتعضدها إذا اجتمعت، وإن تفاوتت في تأثيرها من شخص إلى آخر.
فهل يكون الباعث الديني اجتماعيًا قبل أن يكون دينيًا، بحيث يكتسب قوته من نظرة المجتمع والتقاليد المحيطة بالإنسان، ثم يتحول إلى شكل اجتماعي يرتدي ثوب الدين، فيمنحه سلطة أقوى على النفس ومكانة أكبر بين الناس؟
وفي الوقت ذاته، قد يترسخ هذا الباعث في النفوس، فيمنح الضمير راحة؛ لأن قبول الناس للدافع الديني أعم وأشمل. وهكذا قد يختلط الإيمان بالتقاليد، ويصعب التمييز بين ما يعتنقه الإنسان عن اقتناع وما يتمسك به استجابةً لما ورثه عن بيئته.
وقد لا يكون هناك يقين حقيقي بمصادر هذه البواعث، وإنما مظاهر نكتفي بها، فتستريح إليها ضمائرنا.
فالسرقة محرمة دينيًا وقانونيًا، وهي عمل مشين في نظر الضمير الإنساني. وعندما يمتنع الإنسان عن السرقة، يكون وراء امتناعه باعث أو مجموعة من البواعث؛ فالباعث الديني يحرمها، والباعث الاجتماعي يجرّمها ويستنكرها، والضمير الإنساني رقيب على أفعال صاحبه، يجيز ويحرم وفقًا لما استقر فيه من قيم ومبادئ.
وهكذا لا تنفصل البواعث في تأثيرها بعضها عن بعض.
ينشأ الإنسان في أسرة متدينة، تعلمه أن السرقة محرمة، وأن الله يعاقب مرتكبيها. فيكتسب هذا الحكم من أسرته، ثم يتعزز لديه من خلال المجتمع الذي يجرّم السرقة ويستنكرها. وينمو في داخله باعث آخر، يستند إلى ما استقر في نفسه من قيم، وما يراه عقله قبيحًا، وما يمليه عليه ضميره.
لكن بعض الناس قد لا يلتزمون بهذا المسار؛ فهم يعرفون أن السرقة حرام، ومع ذلك لا يمتنعون عنها. وقد يتمسكون بالدين في سلوكهم الظاهري، بينما يخالف سلوكهم الحقيقي ما يظهرونه من التزام.
وهنا يظهر تناقض آخر: قد يصدر عن الإنسان فعل خير ظاهر، بينما يخفي في باطنه شرًا، أو يتخذ من السلوك الأخلاقي وسيلة لتحقيق غايات تناقضه.
فما الذي يجعل البواعث تؤدي إلى هذا التنافر والتناقض؟ لعلنا نعود في الإجابة إلى طبيعة العلاقة بين المرء والدين، وإلى الدافع الذي يجعله يلتزم بتعاليمه، بينما يضمر في نفسه سلوكًا آخر يناقضها.
ما الذي يمنح الباعث الديني قوته؟ هل هو الخوف من الله أو من العقاب الإلهي؟ أم أنه يستمد قوته من الخوف من لوم المجتمع والبيئة المحيطة؟ أم أن هناك عاملًا داخليًا، يتمثل في الضمير، يمنع الإنسان من ارتكاب ما يتعارض مع الدين الذي اعتنقه؟
إن للبيئة أثرًا في تشكيل معاني التعاليم الدينية والقيم الأخلاقية، وقد تمنحها معاني وسلوكيات مختلفة؛ فيمارس الإنسان سلوكًا يوافقها من ناحية، ويخالفها من ناحية أخرى.
فما الذي يجعل بعض الناس يتأثرون بهذه التعاليم ويطبقونها في سلوكهم، بينما يتأثر آخرون بها من زاوية، ويفقد تأثيرها عليهم من زاوية أخرى؟
لعل وراء ذلك باعثًا آخر، أو مجموعة من الدوافع الخفية، قد تكون هي السبب الرئيس في اختلاف تأثير القيم والتعاليم من إنسان إلى آخر.
الدين، والتدين، والسلوك الناتج عن الإيمان به...
تلك ثلاثة أمور قد تجتمع في الإنسان، لكنها ليست بالضرورة شيئًا واحدًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة