المشهد الأول: آخر ضوء في الدكان (السر القديم)
المكان: دكان عم محمود، في أحد شوارع القرية القديمة. ليلة شتوية شديدة البرودة.
(المطر بينزل على صاج الدكان، وصوت الرعد جاي من بعيد. أثواب القماش متكومة فوق بعضها، وريحة الخشب القديم والتوابل مالية المكان.)
(عم محمود قاعد على كرسيه الخشبي، ملفوف في شال صوف، وقدامه كشكول جلد قديم ومجموعة ظروف ورقية. بيقلب الصفحات ببطء، وكل شوية يسعل ويحط إيده على صدره.)
(يدخل محروس وهو شايل كوباية شاي سخنة وكيس صغير فيه علاج.)
محروس (بابتسامة):
"يا حاج محمود... هو مفيش فايدة فيك؟ الناس كلها قفلت وراحت بيوتها، وإنت لسه قاعد تحاسب في خلق الله! خد اشرب الشاي ده قبل ما يبرد."
عم محمود (بنبرته الخشنة المعتادة):
"وإنت مالك يا عبيط؟! الدكان دكاني والفلوس فلوسي، أقعد فيه لحد الصبح لو عايز! حط الشاي وروّح شوفلك مصيبة تعملها."
محروس (يضحك وهو بيحط الكوباية):
"حاضر يا حاج... بس الأول هتاخد دواك، وبعدين هاقفلك الدكان وأوصلك البيت. الدنيا ساقعة وإنت تعبان."
عم محمود (ينظر له طويلًا):
"يا محروس... أنا ساعات بستغربك. البلد كلها بتقول عليك عبيط، وأنا الوحيد اللي شايف إنك بتفهم أكتر من ناس كتير لابسة بدل وبتتكلم في المجالس."
محروس (يتصنع الاستغراب):
"يا ساتر يا رب! هو أنا عملت إيه بس؟ ده أنا حتى الحساب ما بعرفش أجمعه!"
عم محمود (يبتسم ابتسامة خفيفة):
"أيوه... خليك كده. ساعات الناس لما بتستهون بواحد، بتسيبه يشوف ويسمع حاجات عمرها ما كانت هتتقال قدامه لو عرفوا حقيقته."
(يسكت لحظة، وبعدين يشاور على الكشكول.)
عم محمود:
"فاكر يا محروس يوم ما بعتك تسيب ظرف الفلوس تحت باب الست اللي جوزها مات، وقلتلك محدش يعرف؟"
محروس:
"فاكر يا حاج... وفاكر يوم ما بعتني للصيدلية أدفع حساب دوا الراجل الغلبان، ويوم ما دفعت تمن الدقيق للفران عشان يكمّل شغله."
عم محمود (بصوت هادي):
"أنا قربت أخلص يا بني... والعمر مش مضمون."
محروس (بقلق):
"بعد الشر عليك يا حاج! إنت بس محتاج ترتاح وتسمع كلام الدكتور بدل العند بتاعك."
عم محمود (يمد له الكشكول):
"اسمعني يا محروس. الكشكول ده فيه حسابات سنين... وفيه ناس ليها عندي، وناس أنا مسامحها في اللي ليا عندها، وفيه ظروف لناس محتاجة فلوس ودواء. كل حاجة مكتوبة ومعاها ورقها."
(محروس يمسك الكشكول ويتأمله.)
عم محمود:
"لو جرالي حاجة، عايزك توصل الحقوق لأصحابها، وتسلم باقي الأوراق للي من حقه يستلمها. بس أوعى تفضح اسم واحد ساعدته... أو تخلي حد يحس إنه كان مكسور قدام الناس."
محروس:
"طب وليه يا عم محمود؟ ليه عمرك ما خليت حد يعرف إنك بتعمل الخير ده كله؟ الناس بتقول عليك بخيل وقاسي، وبيقولوا إنك ما بتحبش غير الفلوس."
عم محمود (ينظر إلى الأرض):
"عارف يا محروس... أنا طول عمري بخاف من حاجة واحدة، إن فقير ييجي ياخد مني مساعدة وهو حاسس إن عينه مكسورة."
محروس:
"بس يا حاج... هو لازم عشان تستر الناس تخليهم يكرهوك؟!"
(عم محمود يسكت طويلًا. لأول مرة يبدو عاجزًا عن الرد.)
عم محمود:
"يمكن لا يا بني... ويمكن أنا غلطت في حق ناس بلساني. كنت فاكر إن القسوة هتخبي اللي بعمله، وإن اللي بياخد مني حقه مش هيحس بالمنّة لو كان شايفني راجل ناشف."
(يتنهد.)
"بس الواحد لما بيكبر... بيكتشف إن مش كل حاجة عملها وهو فاكرها صح، كانت صح فعلًا."
محروس (بتأثر):
"ربنا وحده اللي يعلم بالقلوب يا حاج."
عم محمود:
"عارف يا محروس إيه اللي مريحني؟ إني عمري ما استنيت كلمة شكر من حد. واللي ربنا ستره بإيدي، مش عايزه ينكشف بلساني."
(يحاول عم محمود الوقوف، لكن التعب يظهر عليه. محروس يسنده بسرعة.)
محروس:
"كفاية كلام بقى. أنا هاقفلك الدكان ونروح البيت. وبكرة الصبح لازم الدكتور يشوفك."
عم محمود (بابتسامة ساخرة):
"والنبي إنت لو كنت ابني ما كنتش هتتحكم فيّ التحكم ده!"
محروس (وهو يساعده في ارتداء معطفه):
"وأنا لو كنت ابنك، كنت خدت منك مفتاح الدكان من زمان!"
(يضحكان ضحكة قصيرة.)
(محروس يضع الكشكول والظروف في حقيبة صغيرة، بناءً على طلب عم محمود، ثم يطفئ أنوار الدكان ويغلق الباب. يسيران ببطء تحت المطر في اتجاه بيت عم محمود القريب
المشهد الثاني: الليلة الأخيرة
المكان: بيت عم محمود، منزل قديم في آخر الحارة.
(يدخل محروس مع عم محمود إلى البيت، ويساعده حتى يجلس على سريره. البيت بسيط ونظيف، وصورة قديمة لزوجته المتوفاة معلقة فوق دولاب خشبي.)
(منذ وفاة زوجته قبل سنوات، يعيش عم محمود وحده. محروس اعتاد المرور عليه ومساعدته في شراء احتياجاته وأدويته.)
محروس:
"هاروح أجيب الدكتور يطمن عليك، ومش هسيبك غير لما أشوفك كويس."
عم محمود:
"يا ابني ده برد وهيروح لحاله!"
محروس:
"برد إيه بس؟! إنت بقالك يومين بتكح وتنهج. خليني أنا اللي أتصرف المرة دي."
(يخرج محروس ويعود بعد قليل بصحبة طبيب القرية.)
(يفحص الطبيب عم محمود ويسأله عن حالته، ثم ينصح بمتابعة حالته وإجراء فحوص صباحًا، ويؤكد على محروس ضرورة طلب الإسعاف إذا اشتد عليه ضيق النفس أو ظهر أي تدهور.)
(بعد مغادرة الطبيب، يجلس محروس بجانب عم محمود لبعض الوقت.)
عم محمود:
"كفاية يا محروس... إنت من العصر وإنت واقف على رجلك. روّح ارتاح."
محروس:
"أنا ممكن أبيت معاك الليلة يا حاج."
عم محمود (بشيء من المزاح):
"لا يا سيدي! هو أنا ناقص حد يشخر جنبي؟ روح نام، وتعالى خدني الصبح نعمل الفحوص اللي قال عليها الدكتور."
(يطمئن محروس إلى أنه مستريح، ويضع الدواء والماء بجوار سريره. وقبل أن يغادر، يترك الهاتف قريبًا منه.)
محروس:
"هعدي عليك بدري قبل ما تفتح الدكان. وأي حاجة تحس بيها تكلمني على طول."
عم محمود (بصوت متعب):
"ربنا يرضى عليك يا بني... إنت ما تعرفش عملت معايا إيه."
محروس:
"عملت إيه بس يا حاج؟ ده إنت اللي ليك فضل عليّ."
عم محمود:
"الفضل لله يا محروس... دايمًا الفضل لله."
(محروس يغلق باب الغرفة بهدوء ويخرج.)
(تبقى الكاميرا على عم محمود مستلقيًا على سريره. ينظر إلى صورة زوجته، ويبتسم ابتسامة صغيرة.)
عم محمود (بصوت خافت):
"يارب... تكون راضي عني."
(ينطفئ نور الغرفة، ويسكن البيت.)
المشهد الثالث: صباح الغياب
المكان: أمام دكان عم محمود، التاسعة صباحًا.
(الشمس الشتوية طالعة على استحياء. بعض الأهالي واقفين أمام الدكان المغلق.)
عم أحمد (وهو ينظر إلى ساعته):
"غريبة والله! محمود ده عمره ما اتأخر عن فتح الدكان، حتى يوم ما كان عنده عزاء مراته فتح الصبح وقفله بعد الضهر!"
أحد الجيران:
"يمكن تعب من البرد اللي كان فيه امبارح."
(يصل محروس مسرعًا، حاملًا كيسًا فيه بعض الطعام.)
محروس:
"صباح الخير يا جماعة... هو الحاج محمود لسه ما فتحش؟"
عم أحمد:
"لأ يا محروس، وإحنا مستغربين. إنت مش كنت معاه امبارح؟"
محروس (يظهر القلق على وجهه):
"أيوه... وصلته البيت، والدكتور كشف عليه. وكان المفروض أعدي آخده الصبح نروح نعمل شوية فحوص."
(يخرج محروس هاتفه ويحاول الاتصال بعم محمود. يرن الهاتف مرات من دون إجابة.)
محروس:
"مش بيرد... تعالى معايا يا عم أحمد."
(يتجه الاثنان مسرعين نحو منزل عم محمود، ويطرقان الباب أكثر من مرة.)
عم أحمد:
"يا محمود! افتح يا راجل... الناس مستنياك!"
(لا أحد يرد.)
(محروس يخرج المفتاح الاحتياطي الذي كان عم محمود قد أعطاه له منذ فترة ليساعده في إحضار احتياجات البيت، ويفتح الباب.)
(يدخلان المنزل ويناديان عليه. يصلان إلى غرفة النوم.)
(عم محمود مستلقٍ في سريره، وجهه هادئ، وعيناه مغمضتان.)
محروس (بصوت مرتعش):
"عم محمود... يا حاج محمود!"
(يقترب منه ويحاول إيقاظه. لا يستجيب.)
(عم أحمد يضع يده على كتف محروس.)
عم أحمد:
"اتصل بالإسعاف بسرعة يا محروس!"
(تمر لحظات ثقيلة. يصل المسعفون ويفحصون عم محمود، ثم يؤكدون وفاته.)
(ينزل محروس على الكرسي المجاور للسرير، وعيناه ممتلئتان بالدموع.)
محروس (بصوت مكسور):
"يا ريتني كنت فضلت معاك يا حاج... يا ريتني ما مشيت."
(عم أحمد يجلس بجواره.)
عم أحمد:
"الأعمار بإيد ربنا يا بني... وإنت ما قصرتش معاه."
(ينظر محروس إلى صورة زوجة عم محمود المعلقة فوق الدولاب، ثم يخفض رأسه ويبكي بصمت.)
المشهد الرابع: سرادق العزاء (الوجوه التي لا تحزن)
المكان: الحارة، ليلة شتوية باردة.
(سرادق العزاء منصوب أمام الدكان المغلق. الناس جالسة في مجموعات، وأكواب الشاي تتحرك بين المقاعد.)
(لكن الغريب أن الحزن الحقيقي قليل. بعض الحاضرين يتحدثون عن عم محمود كأنهم تخلصوا من رجل ثقيل على قلوبهم.)
جار أول:
"ربنا يرحمه... بس الراجل كان لسانه صعب أوي. ما كانش حد بيعرف ياخد معاه حق ولا باطل."
عم أحمد:
"ده أنا كنت بخاف أقف قدام دكانه أسأله عن سعر حاجة! كان يزعق من قبل ما أفتح بُقي."
جار ثانٍ:
"والفلوس؟! ده كان يحاسبك على المليم، وما تعرفش يملك قد إيه!"
(يتدخل أحد أقارب عم محمود، ويدعى منصور.)
منصور:
"أنا بكرة هاروح أراجع حسابات الدكان وأشوف الدفاتر. أكيد ليه فلوس كتير عند الناس، ولازم الحقوق تتعرف."
(يجلس محروس بعيدًا عنهم، يسمع كل كلمة، وفي حضنه الحقيبة الصغيرة التي أخذها من عم محمود قبل وفاته.)
(يتذكر كلامه: «أوعى تفضح اسم واحد ساعدته»).
(ينظر إلى وجوه الجالسين، ثم إلى الدكان المغلق.)
(ينهض بهدوء ويتقدم نحوهم.)
محروس:
"معلش يا جماعة... ممكن أقول كلمتين؟"
عم أحمد (مستغربًا):
"خير يا محروس؟"
محروس:
"هو أنتم كنتوا تعرفوا الحاج محمود بقالكم كام سنة؟"
جار:
"أنا أعرفه من خمسين سنة يا ابني!"
محروس:
"طب في الخمسين سنة دول... عمركم سألتوا نفسكم هو كان بيعمل إيه بعد ما يقفل الدكان؟"
عم أحمد (ساخرًا):
"هيكون بيعمل إيه يعني؟ بيعد فلوسه!"
(يضحك بعض الحاضرين.)
(محروس لا يضحك. يفتح الحقيبة ويخرج الكشكول القديم.)
محروس:
"كان بيعد حاجة تانية خالص يا عم أحمد."
المشهد الخامس: الكشكول (الحقيقة التي تأخرت)
(يسود الصمت في سرادق العزاء.)
(يضع محروس الكشكول على الطاولة أمام الجميع، لكنه يبقي الأوراق التي تحتوي على أسماء الناس داخل الحقيبة.)
منصور:
"إيه الكشكول ده؟ وإزاي بقى معاك؟"
محروس:
"الحاج محمود سلّمهولي قبل ما يموت، وطلب مني أوصل كل حق لصاحبه."
عم أحمد:
"ما تخلصنا يا محروس... إيه الحكاية؟"
(يتنفس محروس بعمق.)
محروس:
"الحكاية إن الراجل اللي إنتوا فاكرينه بخيل... كان بيصرف من جيبه على بيوت كتير في البلد. والراجل اللي بتقولوا إنه ما بيحبش غير الفلوس، كان بيشيل هم ناس عمرهم ما عرفوا إن ليهم حد بيسأل عليهم."
(يتبادل الناس النظرات.)
جار:
"إنت بتقول إيه يا محروس؟!"
محروس:
"أنا اللي كنت بروح أوقات أوصل الظروف بالليل. وأنا اللي كنت بدفع حساب الأدوية للصيدلية من فلوسه، وأرجع له بالإيصالات. وكل مرة كان يحلفني ما أقولش اسمه لحد."
(يفتح صفحة بها بعض إيصالات الصرف، ويخرج منها إيصالًا لا يتضمن اسم أي مستفيد.)
محروس:
"وده وصل من الصيدلية باسم الحاج محمود، مدفوع فيه حساب أدوية ناس محتاجة. وفيه غيره ورق كتير... بس أنا مش هقول أسماء. لأن اللي عم محمود ستره وهو عايش، مش هفضحه أنا بعد موته."
(يتقدم عم حسن الصيدلي، الذي كان يجلس في آخر السرادق، وقد ظهرت عليه علامات التأثر.)
عم حسن:
"محروس كلامه صح."
(تلتفت الوجوه إليه.)
عم حسن:
"الحاج محمود كان بيعدي عليّ كل شهر تقريبًا، ويسدد حساب أدوية ناس محتاجة. وكان يوصيني ما أقولش اسمه لحد. وكنت فاكره بيعمل كده مرة ولا اتنين... لكن الموضوع فضل سنين."
(يسود الصمت.)
عم أحمد (غير مصدق):
"محمود؟! محمود اللي كان بيزعق لنا على القرش؟!"
محروس:
"أيوه يا عم أحمد... هو نفسه."
(يتردد أحد الجالسين، ثم ينهض من مكانه. إنه رجل تجاوز الستين.)
الرجل (بصوت مرتعش):
"من تلات سنين... لما الدنيا ضاقت بيا، لقيت ظرف تحت باب البيت فيه فلوس، ومكتوب عليه: «ربنا يفرّج همك»."
(تدمع عيناه.)
"عمري ما عرفت مين اللي حطه... هو كان...؟"
(ينظر إلى محروس منتظرًا إجابة.)
(يسكت محروس لحظة.)
محروس:
"اللي عمل الخير ده، كان عايزه يفضل بينه وبين ربنا يا عمّي."
(يفهم الرجل الرسالة، ويجلس والدموع تنزل من عينيه.)
منصور (بنبرة أقل حدة):
"طب والديون اللي في الدفتر؟"
(محروس يفتح الصفحة الأخيرة، ويخرج ورقة مكتوبة بخط عم محمود وموقعة منه.)
محروس:
"الحاج محمود سايب بيان بالحسابات اللي اتسدّدت، والديون اللي سامح فيها أصحابها، والحقوق اللي لسه لازم تترد. والورق كله هيتسلم لأصحابه واللي من حقهم يراجعوه. بس مفيش اسم واحد هيتقال هنا قدام الناس."
(يرفع عينيه وينظر إلى الحاضرين.)
محروس:
"هو كان بيقول لي: الناس ممكن تستحمل الفقر يا محروس... بس صعب تستحمل إن كرامتها تتكسر قدام اللي يعرفوها."
(يصمت لحظة ثم يكمل.)
"وكان فاكر إنه لما يقسى على الناس، محدش هيحس إنه مدين له بحاجة. يمكن كان غلطان في الطريقة... ويمكن ظلم ناس كتير بكلامه... بس عمره ما كان بخيل زي ما إنتوا فاكرين."
(عم أحمد يطأطئ رأسه.)
عم أحمد:
"سبحان الله... طول عمرنا بنشوف اللي على وشه، وعمرنا ما فكرنا نشوف اللي في قلبه."
محروس (بهدوء):
"مش كل اللي وشه بشوش قلبه رحيم يا عم أحمد... ومش كل اللي لسانه قاسي قلبه حجر."
المشهد السادس: آخر ضوء (النهاية)
المكان: أمام دكان عم محمود، بعد انتهاء العزاء.
(الناس بدأت تنصرف. الشارع شبه فاضي، والمطر الخفيف رجع ينزل من جديد.)
(يقف عم أحمد أمام الدكان المغلق، ويتأمل اللافتة الخشبية القديمة التي تحمل اسم محمود.)
(محروس يقترب منه، حاملًا الحقيبة.)
عم أحمد (بحزن):
"تعرف يا محروس... أنا ومحمود كبرنا مع بعض. خمسين سنة جيران... خمسين سنة بشوفه كل يوم."
(يصمت قليلًا.)
"ومع ذلك، طلع فيه راجل تاني عمري ما عرفته."
محروس:
"كل واحد فينا يا عم أحمد فيه حكاية الناس مش شايفاها."
عم أحمد:
"بس إحنا ظلمناه يا بني... ظلمناه وهو عايش، ولما مات ما سابناش حتى نعتذر له."
محروس:
"هو ما كانش مستني اعتذار من حد."
(ينظر عم أحمد إلى محروس طويلًا.)
عم أحمد:
"طب وإنت يا محروس... كنت عارف كل ده وساكت ليه؟"
(محروس ينظر إلى الدكان، ثم يبتسم ابتسامة حزينة.)
محروس:
"عشان الراجل ائتمنّي يا عم أحمد... والسر لما يبقى أمانة، ما ينفعش الواحد يبيعه حتى بكلمة شكر."
عم أحمد:
"بس إنت النهارده قلت للناس."
محروس:
"قلت لهم اللي يصلّح ظلمهم ليه... إنما أسرار الغلابة لسه مكانها، ومحدش هيعرفها مني."
(يسكت عم أحمد، ثم يضع يده على كتف محروس.)
عم أحمد:
"ربنا يرحمه... كان راجل غريب."
محروس (وهو ينظر إلى الدكان):
"كان راجل طيب يا عم أحمد... بس ما عرفش يبيّن طيبته."
(يتحرك محروس ببطء في الشارع المظلم.)
(ينادي عليه عم أحمد للمرة الأخيرة.)
عم أحمد:
"يا محروس!"
(يلتفت محروس.)
عم أحمد:
"هو عم محمود كان يعرف إنك مش عبيط زي ما الناس فاكرة؟"
(محروس ينظر إليه للحظات، ثم يبتسم ابتسامته المعتادة.)
محروس:
"يا عم أحمد... هو أنا ناقصك إنت كمان؟! ده أنا بالعافية بعرف أعد لحد عشرة!"
(يضحك ضحكة خفيفة، ويكمل طريقه.)
(يبقى عم أحمد واقفًا مكانه، يتأمل محروس وهو يبتعد، وكأنه بدأ يشك لأول مرة في حقيقة ذلك الرجل الذي طالما سخرت منه القرية.)
(تبتعد الصورة ببطء عن الشارع، وتستقر على دكان عم محمود المغلق.)
وفي الخارج، كان آخر ضوء في الدكان قد انطفأ... لكن الخير الذي خرج منه طوال السنين، ظل مضيئًا في بيوت لم يعرف أصحابها يومًا مصدره.