كلما يتحدث الرئيس السيسي عن مصر، أدرك جيدًا مدى إدراك هذا الرجل لطبيعة تلك الدولة وذلك الشعب؛ فهو يستذكر كافة الحقب الزمنية والسياسية التي مرت بها مصر، بالتزامن مع التغير المجتمعي الذي حدث بها. واستذكاره الجيد لتاريخ الدولة المصرية يجعل لديه رؤية ثاقبة وتشخيصًا واضحًا لكل أسقام تلك الأمة.
فعندما ذكر الفترة ما بين 1973 و1976، ألقى الضوء على مفارقة بين الانتصار السياسي والأزمة المجتمعية؛ فالرئيس السادات استطاع أن ينتصر في حرب أكتوبر على الخصم العنيد، وعلى العدو الصهيوني، بإمكانات أقل بكثير من إمكانات الجيش الإسرائيلي. ولكن بعد مرور سنوات بسيطة على ذلك الانتصار الأسطوري، تناسى الشعب حينها ذلك الانتصار، وقام بحراك مجتمعي عنيف ضد قرارات الإصلاح الاقتصادي، وكأن لسان حاله يقول: «آفة الشعوب النسيان!». فبمجرد مرور الانتصار، استطاع البعض تحطيم ذاكرة تلك الانتصارات، وكأن السادات لم يكن لديه رصيد لدى الشعب بعد ذلك الانتصار الذي لم ينسه العدو ولا العالم كله، ولكن تناساه الشعب ولم يدعمه في قرارات الإصلاح الاقتصادي. إذًا، فإن التناسي أو تحطيم الذاكرة، التي تُعد حصنًا للوطن، هما من أسقام الأوطان التي يجب تداركها دومًا ومعالجتها مجتمعيًا من خلال الإعلام، وتذكير الناس بما كان، وبما حدث، وبما تم إصلاحه، ومنع العبث بذاكرة الأمة، ومواجهة التشكيك وتزييف الحقائق.
كما استحضر الرئيس محطات فارقة في التاريخ المصري، رابطًا التحديات بعضها ببعض، قائلًا إن التحدي في عام 1973 كان استعادة الأرض، ولكن في العقود الأخيرة أصبح التحدي هو الحفاظ على الدولة والهوية. ورغم اختلاف طبيعة كل مرحلة، فإن الرابط بينهما يبقى تماسك الدولة وترابط الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
ما يؤكد أن الرئيس السيسي يعي الرواية المصرية بشكل جيد، ويدرك كيف تغيرت التحديات وما بقي من قواسم مشتركة، أنه بدأ الحديث عن التحديات الإقليمية، مؤكدًا التزام مصر بأمن الأشقاء في الخليج، وأن أمن الخليج من أمن مصر؛ لأنه في هذا التوقيت الحساس، لا بد من التأكيد على تلك الرسالة بشكل متكرر. كما وجّه رسالة مباشرة إلى الوزير الإسرائيلي الذي يحاول استفزاز مصر لتنجر إلى صراع عسكري ويزج بها في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، بكلمات بسيطة، قائلًا إن الحرب انتهت حينما استعادت مصر الأرض في عام 1973، ومن ثم، لا يتبقى مجال للحرب أو المواجهة العسكرية. وفي الرسالة نفسها، أكد أن حدود مصر أمن قومي لا يمكن العبث به.
يقولون في علوم الجراحة: ما دام الطبيب يرى بشكل جيد وهو يحمل المشرط، ولديه تصور بصري جيد، فسيستطيع الوصول إلى الورم بشكل جيد واستئصاله. هكذا الرئيس السيسي؛ ما دام لديه رؤية واضحة، فسيستطيع معالجة أسقام الأمة.
تحية للقوات المسلحة المصرية، وتحية للدولة المصرية.