حازم حسين

غزة ما بين أخضرها وأزرق العدو

الخميس، 15 أكتوبر 2026 02:00 م


سنةٌ بالتمام، لا صارت الأحوال مثاليّة طبعًا، ولا ساءت عمّا كان، وتلك نعمة فى حدِّ ذاتها. بالنظر إلى حجم الكارثة التى أُسقِطَت على الرؤوس فى السنتين السابقتين، وإلى عِظَم التحدّى مع اليمين المُتطرّف من الجانبين، وصعوبة تحييده نسبيًّا؛ لدرجةٍ تجعل الجمود الراهن إنجازًا يستحق الاحتفاء.

توقَّف إطلاق النار فى التاسع من أكتوبر، وبعدها بأربعة أيام كان مؤتمر شرم الشيخ برعايةٍ رئاسية، وبمشاركة السيسى مع نظيره ترامب، وقادة ومُمثّلى نحو 20 دولة ومُنظمّة.

ثُبِّتَت الهُدنة، وأُطلِقَت «وثيقة شرم الشيخ» بضمانة رباعية، ضمَّت تركيا وقطر مع القاهرة وواشنطن، على أن تُدَار الآلية وفق خطة ترامب، بهيكليّةٍ تبدأ من مجلس السلام، وتتدرّج نزولاً لإدارة تنفيذية وقوّة استقرار دولية، وصولاً للجنة التكنوقراط من كوادر القطاع غير المُسيّسين.

وُضِعَت أخيرًا نقطةٌ فى آخر سطر المقتلة؛ وإن كانت باهتةً إلى حدٍّ ما فى وقتها، وازداد خفوتُها مع الوقت، ومحاولات نتنياهو وعصابته التحلُّل من أشراطها، ومُؤازرة الحماسيين له بقصدٍ أو غباء.

وقد سمحَ لهما التخادُمُ بتعليق باقة الاستحقاقات الكاملة، وإرخاء حبل الوقت، واستمرار شراكتهما الضمنية فى استنزاف المدنيين، واعتصار ما تبقّى فى نفوسهم من ثقةٍ بالحق والعدل، واستمساكٍ بالأرض والقضية.

وليس اللوم لجَلد فصيلٍ، ولا لإعفاء الجُناة الصهاينة من جُرمهم. لكنّه يبدأ من المُنطلَق الطبيعى؛ لكى لا يُضيّع الطريق، أو يتعامى عن الثغرات، ويقفز لاستنتاجات أيديولوجية مُلوّنة كما يحلو للبعض.

والحركةُ أخطأت منذ نشأتها، بالانتفاع من أوسلو بينما تتقصّد تعطيلها، ثم بالتشغيب على مُنظمة التحرير، والانقلاب واختطاف القطاع، وإلى الإصرار على اختراع الحروب على فترات؛ بينما لم تُحقّق منها جميعًا إلا خسائر متوالية ومتصاعدة.

والحقّ؛ أن السلطة ليست بريئة تماما، وأحدث أخطائها تأجيل الانتخابات، وقد حدّدها الرئيس أبو مازن بنيّة الإرجاء على ما يبدو، والدليل أنها وُضِعَت فى مدىً زمنىٍّ محدود، بدون حوار وطنى، ولا تنسيق مع الرُّعاة السياسيين، أو ضمانة لئلا يُعوّقها الاحتلال.

بدا فعلا أن القرار مُتَّخَذ سلفًا. وما الإعلان إلا لذرّ الرماد فى العيون، وإسكات الأصوات الخارجية والداخلية المُطالبة بالإصلاح وتجديد الدماء.

فكأن القيادة أرادت أن تُوفّى ما عليها، وتُعلّق ما تبتغيه فى أعناق الآخرين. والنفاذ لذلك تأتّى من بوّابة إجماع الفصائل، وكلّها كيانات ذات روابط مصلحيّة ضيّقة، لها حساباتها الخاصة، وليست مُفوّضة شعبيًّا، وهى جزء لا يصح أن ينوب عن الكُلّ.

وهكذا تلاقت القوى السياسية على تقديم إجابة خاطئة. إذ بدلاً من الاحتكام لاستحقاق يُعيد إنتاج الشرعية، استعاضت باستنساخ تركيبة مطعون فيها من أطرافها قبل سواهم، وتعاظم تفسُّخها بعد النكبة الدائرة منذ خريف 2023.

ثلاثُ سنوات كاملة على المأساة، ولا حصر للقصص السوداء. وباستثناء جنون السنوار ونازيّة نتنياهو؛ فالحقائق زهيدة: تعاون العَدُوّان المُباشران على حساب الضحايا، وبقى الناس فى أرضهم بفضل الموقف المصرى حصرًا.

أمَّا ما دون ذلك من نقدٍ وتضامن واعترافات ومُؤتمرات، على مستويات إقليمية أو أُمميّة، ومع الإقرار برمزيّته وما فيه من عاطفة وتحفيز معنوىّ؛ فكانت عمليًّا أقربَ لأشغال العلاقات العامة، بلا أُسُسٍ راسخة فى مراكز القرار، ولا ظلٍّ فى السياسة والحياة.

وأكبر المُشكلات؛ أن الجغرافيا تئنّ وليس بوسِعها أن تستمر على ما هى فيه، والديموغرافيا تتلقّى ضربات قاسية من اتجاهات شتّى، وأقساها الآتية من القريب، مَن يطّلع على عُمق الجُرح، ويعرفُ موضَعَ الضربة القاتلة.

وبلا مُوارَبةٍ، أقصدُ الممارسات على الأرض فى غزة. إذ قادت القطاع للانكشاف الكامل، وأورثته الضياع على كل المستويات؛ لكنها سلطة الأمر الواقع وجّهت بقايا قوّتها المُتداعية للداخل، وبدلاً من الاعتذار والترضية؛ كأنها تستأنف الوحشية الإسرائيلية من حيث توقّفت.

حُكمٌ بالحديد والنار، وتصفية خارج القانون بدواعى الخيانة والتخابر. السلاح قبل السياسة، وفوق أولويات الناس. دفاع عن مواطئ أقدامهم؛ ولو بتثبيت الحاضر البائس، وتعميم خياراته على احتمالات المستقبل.

رسوم تفرضها البلدية على كل شىء؛ حتى نَصب خيمة فوق رصيف. ضرائب على كل إجراء، وجبايات بلا أسباب، وكأنها تُموّل بقاءها بإفناء الآخرين.

اتَّخذتهم دروعًا لتنجو من مُقامرتها الغبيّة، وتضع أياديها فى جيوبهم لتبقى فوق أطلالهم وهياكلهم الذابلة؛ فتقبض من فقرهم، وتشبع من مجاعتهم، وتشترى ولاء عناصرها والمُتعاونين معها بسرقة قروش الغزّيين القليلة.

غايتها تأكيد الولاية وتثبيتها؛ غير أنها تنزح الموارد لتعبئة خزّانات التنظيم، وتأمين رواتب العاملين؛ كى لا تتفكّك هياكلها، بعدما انطفأت الهالة ولم تبقَ إلا المنفعة المُجرّدة. بينما القادة مُنعّمون بالخارج، والتمويلات تتوقّف فى قنواتهم، بدلاً من التسرّب فى شقوق البلد المنكوب.

أعلن حزب الله مؤخّرًا عن آلية لتعويض العائلات فى جنوب لبنان، وسداد بدلات إيواء. وبعيدًا من المصدر والقيمة؛ فالمعنى أنه يعترف بالمسؤولية، ويعتنى بالناس ومواقفهم؛ وإن لسبب مذهبىّ!

إنكار الحماسيّين لا يدلّ إلا على أنهم يتجاهلون بيئتهم أصلاً، ولا يعتدّون أنفسهم جزءًا منها. فلا يعتذرون لها، ولا يُطيّبون خاطرها، ولا يُوفّرونها من أعمال السَّلب والنهب كما يفعل المُحتلّون.

للفلسطينيين طريقة لطيفة فى التجريد والإشارة إلى الأطراف بأبسط الصور؛ فإسرائيل تُسمّى الأزرق، وفتح الأصفر، وحماس الأخضر، وهكذا.

وباللغة نفسها؛ فما يُفعَل فى غزّة حاليًا سطو أخضر فى إطار أزرق. الصهاينة الزُرق يُطوّقون القطاع، يقتطعون ثلاثة أرباعه، ويخنقون الربع الباقى من خارجه. وإخوانهم الخُضر يخنقونه ويمصّون دمه من الداخل، فى تنويعة ملوّنة على جُرمٍ واحد.

ما تعطّل شهورًا لن ينحلّ فى أيام، ويفرض موسم الانتخابات شروطه. زعيم الليكود يُفتّش عن جولة قتالٍ تُعزّز موقفه، أو تُيسّر له التأجيل. والجبهات كلها على اللائحة، لا فرق بين إيران أو غزة.

طيّرت الأخبار قبل يومين، أن الرئيس اللبنانى جوزيف عون تحصّل على وعدٍ من الولايات المُتّحدة؛ بألا تتوسّع الحرب وراء نهر الليطانى، بشرطِ ألا تُمنَح الذرائع لائتلاف الحُكم فى تل أبيب.

قدّمت المقاومة لنتنياهو وحكومته ما لم يُقدّمه الموصومون بالخيانة زورًا. عاونته على إسقاط أوسلو، وتطويق السلطة وتقويضها.

برّرت له خطاب التطرّف، وقرّبته من التوراتيين، ووفّرت ذرائع التصعيد كلما احتاجها، وعلى الطاولة منحته كل ما أراد بمواقيت، وأمسك مفاتيحها بإتقان، يُدنيها أو يُقصيها، ويستدرجها بالإغراءات أو يستفزها بالتصريحات، ودائما يصل إلى ما أراد فى المكان والزمان المقصودَين.

ولن يختلف الأمر عمّا كان. إن بقِى فى منصبه، أو خلّاه لبديلٍ لن يقلّ تشدُّدًا فى المحاور الأساسية. فقد تغيّر حمض إسرائيل النووى، وتبدّلت عقيدتها، وكل القادم يمينيّةٌ واحدة، بأقنعة مُتدرّجة الألوان.

والخلاصة؛ أنها الدراما سيّارةٌ إلى مصيرٍ محتوم. وفى اللحظةُ التى تُسدِّد فيها حماس كلَّ الأثمان المطلوبة؛ ستتضاعفُ عليها الكُلفة السياسية والتاريخية، باعتبار أنّها دفعت بأثرٍ رجعىًّ، وفوائد مَضاعَفة.

وأنَّ المُماطلة لم تُفضِ إلَّا لمزيدٍ من الأسى والمعاناة، وإنْ ربَّحَتْ الحركةَ هامشًا وهميًّا، استلفته من رصيد الأمل القليل، وسحقت به بقايا الكرامة والكبرياء لدى منكوبين حُوّلوا قهرًا إلى أشباحٍ، أو موتى أحياء.

لا قلب للاحتلال أو إنسانية، ولا يُنتظَر منه أن يكون أخلاقيًّا. نشأ على سرقةٍ ودم، وسيظل. غير أن الصدمة عندما تتبدّل الألوان، ويحل الأخضر فى راية العدوّ بديلاً عن الأزرق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة