أما عن مميزات العمل كمساعد مخرج في فيلم ردئ أو مع مخرج ضعيف فهي كثيره ومتنوعة ومعقدة.
حدث أن عملت يوما مع مخرج جاء من خارج الوسط التقليدي لمهنة الإخراج، وفي الحقيقة كان محترما على المستوى الإنساني والمهني في حدود تخصصه، ولكنه كان يعتقد أن وظيفته تقتصر على عمل «الديكوباج»، أي التقطيع الفني للمشهد (وللإنصاف لم يكن الديكوباج سيئًا).
أما موضوع التنفيذ، أي تحويل هذا المكتوب على الورق إلى «واقع» قابل للتصوير، فكان يعتقد أنها مهمة مساعد المخرج حصرًا.
ولنا أن تتخيل أن مشهدًا في سوق شعبية مثلًا يستلزم وجود أنواع متعددة من الخضراوات والفواكه، والعربات مختلفة الأحجام، والباعة والزبائن، وأكوام القمامة، وجميع الكومبارس التي تظهر في الخلفية بألوان ملابسها وطريقة حركتها وإيقاع المشهد ككل.
ومن ثم مرحلة إجراء البروفة على عشرات من الأطفال المارة وما يحملونه من أكياس وبضاعة إلخ. والحركة الخلفية والمجاميع والكومبارس وحتى مرحله التدريب على (الميزانسين) المناسب لحركة الأبطال مع حركة الكاميرا إن وجدت.. الخ
كان المخرج يجلس ويشاهد بأقل قدر من التدخل ثم يأمر بالتصوير حين يرى أن البروفات قد نضجت بما يكفي للتصوير الفعلي.
طبعًا كان هذا متعبا الى أقصى درجة لي كمساعد مخرج وحيد (كان التقليدي في هذا الزمن أن المساعد الاول ليس معه سوى الإسكريبت والكلاكيت، وليس معه على الأقل مساعد موقع كما هو الآن).
ولكن هذه التجربة أضافت لي خبرة هائلة وإحساسًا ضروريًا (بمسؤوليتي) عن المشهد، رغم أن ذلك ليس من طبيعة المهنة.
كما أن ذلك - ومع التكرار - زاد من توطيد العلاقة بيني وبين كل عناصر الفيلم ابتداءً من الممثلين ومرورًا بالتصوير وعمال الإضاءة والديكور إلخ، لأنهم اكتشفوا أنه من السهل عليهم الحصول على إجابات لأسئلتهم من المساعد بدلًا من المخرج غير المنغمس في تنفيذ لقطته.
وقد يحدث أن يتمادى المخرج الضعيف أو غير المهتم أو المنهمك في خيالات أخرى في استغلال هذا النوع من المساعدين، وقد يدفعهم إلى تصوير مشاهد كاملة في أماكن صعبة أو بعيدة، يرى نفسه أكبر من «الشقاء» في سبيل تصويرها.
وأستطرد هنا أن لأذكر أن مشاهد «الخناقات» من أفلام زمان كان لها متخصص يصورها ويتولى إخراجها، وقد حدث أن قابلت أحد كبار المخرجين خارج استوديو الأهرام أثناء تصوير أحد أفلامه، وعندما سألته لماذا ترك الاستوديو قال لي ببساطة: «ده الطوخي جوه بيعمل خناقة».
وطبعًا كأنهما صادما لي تمامًا، إذ كنت أعتقد - وما زلت - أن وجود المخرج حتمي و ضروري في أي لحظة من اللقطات التي تظهر على الشاشة.
نعم، يمكن ترك التصميم المبدئي للحدث او الحماقة ..الخ للمتخصصين ولكن لا بد أن يتم ذلك بالرؤية التي توضع بواسطة المخرج، والإشراف الكامل على التنفيذ وتحديد أحجام اللقطات وطبيعة الإضاءة على وجوه الشخصيات ومستوى العنف ومعقوليته… إلخ.
أعود إلى مميزات العمل مع مخرج ضعيف أو مشغول أو غيرمهتم يترك الكثير لمساعديه توفير الطاقته او عجزا عن استخدامها.
كنت ألاحظ أن مخرجا اعمل معه يسألني- بشكل متزايد - أنه أنفذ مشهدا بعينه، بدأ بلقطة ثم انتهى إلى مشهد كامل، منشغلا بمكالمه تلفونيه (كان من الواضح أنها مع زوجته الغاضبة).
وضعت تصميمًا للمشهد وبدأت في تنفيذه مع مدير التصوير الذي لم يبد مرتاحا لهذا الوضع لكثرة تعليماتي وتعديلاتي على اختياراته، وعند إجراء البروفة النهائية للمشهد فوجئت بمدير التصوير يقول لي بغضب:
«مش هاينفع يا أستاذ».
قلت له: «إزاي مش هاينفع؟»
قال: «كده مش هاينفع».
وبعدين أنا عايز أسمع من المخرج، مع احترامي لحضرتك!!