قبل ظهور دور النشر.. كيف كان الناس يشترون الكتب فى مصر؟

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 04:30 م
قبل ظهور دور النشر.. كيف كان الناس يشترون الكتب فى مصر؟ مخطوط

أحمد إبراهيم الشريف

قبل ظهور دور النشر والمكتبات الحديثة، كان الحصول على كتاب في مصر حكاية مختلفة، فقد يذهب القارئ إلى أحد الورّاقين بحثًا عن كتاب يريد اقتناءه، أو يتفق مع ناسخ على إعداد نسخة خاصة له، وينتظر حتى ينتهي من كتابتها ومراجعتها وتجليدها، وكانت صناعة الكتب تمر بمراحل متعددة، تبدأ من توفير الورق والأحبار، وصولًا إلى النسخ والتصحيح والتجليد، قبل أن يصل الكتاب إلى يد القارئ.

ويكشف تاريخ صناعة الكتاب في مصر عن عالم واسع من الورّاقين والنُّسّاخ وتجار المخطوطات، الذين تولوا مهمة إنتاج الكتب وتداولها قرونًا طويلة، وتشير الدراسات التاريخية، ومنها كتاب «الوراقة» للدكتور عبد الستار الحلوجي، إلى أن حوانيت الوراقين كانت تؤدي عددًا من الوظائف التي تقوم بها دور النشر والمكتبات الحديثة، حيث تجمع بين نسخ الكتب وتصحيحها وتجليدها وبيعها، إلى جانب توفير الورق وأدوات الكتابة.

 

من هو الورّاق الذي كان يبيع الكتب؟

كان الورّاق من الشخصيات المهمة في الحياة الثقافية قديمًا، وقد ارتبطت مهنته بنسخ الكتب وإعدادها للبيع، وتنوعت مهام العاملين في هذه الصناعة بين النسخ والتصحيح والتجليد والتجارة.

ويذكر ابن خلدون في «المقدمة» أن الوراقة تشمل الانتساخ والتصحيح والتجليد، وغيرها من الأعمال المتصلة بصناعة الكتاب، وهو ما يوضح طبيعة هذه المهنة التي جمعت بين أكثر من نشاط.

وكان طالب العلم أو القارئ يستطيع الحصول على كتاب من خلال شراء نسخة موجودة لدى الورّاق، أو الاتفاق معه على نسخ كتاب بعينه، وفي هذه الحالة يتولى الناسخ نقل النص من نسخة أخرى، ثم تجهيزه وتسليمه إلى المشتري.

وقد ارتبطت قيمة الكتاب بعوامل متعددة، منها حجمه وجودة الورق والخط والتجليد، فضلًا عن الجهد المبذول في نسخه ومراجعته.

 

كيف كان الناس يشترون الكتب؟

كانت عملية شراء الكتب تختلف بحسب توافر النسخ وطبيعة المؤلف، فقد يجد القارئ نسخة جاهزة لدى أحد الوراقين، بينما يحتاج في أحيان أخرى إلى طلب إعداد نسخة جديدة، خاصة إذا كان الكتاب من المؤلفات التي يصعب العثور عليها.
وفي هذه الحالة يتفق المشتري مع الورّاق على نسخ الكتاب مقابل أجر، ويبدأ الناسخ في نقل النص بخط يده، وقد تتطلب العملية وقتًا طويلًا بحسب عدد صفحات الكتاب وصعوبة النص.

وكان بعض العلماء وطلاب العلم ينسخون الكتب بأنفسهم، سواء بغرض الدراسة أو تكوين مكتبات خاصة، كما ارتبطت صناعة النسخ بمراجعة النصوص ومقابلتها بالأصول، لتقليل الأخطاء التي يمكن أن تحدث أثناء الكتابة.

وهكذا أصبح الورّاق حلقة أساسية بين المؤلف والقارئ، وأسهم في انتقال المؤلفات بين العلماء والطلاب، وفي تداول كتب الأدب والتاريخ والعلوم المختلفة.

 

الوراقة في مصر.. مهنة ازدهرت في العصر الفاطمي

عرفت مصر صناعة الكتب المخطوطة منذ قرون طويلة، وشهدت الوراقة نشاطًا واسعًا مع انتشار استخدام الورق، وازدهار الحياة العلمية والثقافية، خاصة خلال العصر الفاطمي.

وقد ارتبط هذا النشاط بوجود المؤسسات التعليمية والعلماء وخزائن الكتب، التي احتاجت إلى نسخ المؤلفات المختلفة وحفظها وتداولها.

وتذكر المصادر التاريخية أن الوزير الفاطمي يعقوب بن كلس، المتوفى سنة 380 هجرية، استعان بأشخاص لنسخ المصاحف وكتب الحديث والفقه والأدب والطب، ومراجعتها وضبطها، وهو ما يعكس وجود عمل منظم لإنتاج الكتب المخطوطة.

كما عرفت القاهرة خزائن كتب ضخمة، ومن أشهرها خزانة القصر الفاطمي، التي ضمت أعدادًا كبيرة من المؤلفات في مجالات متعددة، وانتقلت بعض مقتنياتها بعد سقوط الدولة الفاطمية إلى أفراد ومؤسسات أخرى.

 

كيف كانت الكتب تنتقل من مكتبة إلى أخرى؟

كانت خزائن الكتب مصدرًا مهمًا لتداول المخطوطات، خاصة عندما تُباع مقتنيات بعض المكتبات أو تنتقل إلى العلماء والمؤسسات التعليمية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن صلاح الدين الأيوبي أمر ببيع كتب القصر الفاطمي بعد انتهاء حكم الفاطميين، واستمرت عملية البيع سنوات، وحصل بعض العلماء والوزراء على مجموعات من تلك الكتب.

ومن أبرزهم القاضي الفاضل، الذي جمع عددًا كبيرًا من المؤلفات، وجعلها في المدرسة التي أنشأها بالقاهرة، لتواصل الكتب رحلتها بين القراء والباحثين.

 

مطبعة بولاق.. عندما تغيرت صناعة الكتاب

شهد القرن التاسع عشر تحولًا مهمًا في تاريخ صناعة الكتب في مصر، مع إنشاء مطبعة بولاق في عهد محمد علي باشا، حيث بدأ إنشاؤها سنة 1820، وانطلق إنتاجها الفعلي سنة 1822.

وكان من أوائل مطبوعاتها قاموس إيطالي عربي، ثم اتسع نشاطها ليشمل الكتب العلمية والتعليمية والأدبية، وبدأت الطباعة تتيح إنتاج نسخ متعددة من الكتاب، وتوسيع نطاق تداوله.

ومع انتشار المطابع خلال العقود التالية، تطورت تجارة الكتب وظهرت المكتبات التجارية ودور النشر الحديثة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ القراءة في مصر.

وامتدت هذه الرحلة إلى أسواق الكتب القديمة والمستعملة، ومنها سور الأزبكية، الذي أصبح من أشهر الأماكن التي يقصدها القراء بحثًا عن الكتب والطبعات النادرة.

وهكذا انتقل الكتاب في مصر من يد الناسخ إلى آلات الطباعة، ومن حوانيت الوراقين إلى المكتبات ودور النشر، في رحلة طويلة تكشف جانبًا من تاريخ الثقافة المصرية، وكيف حافظ المصريون على تداول الكتب والمعرفة عبر العصور.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة