عادل السنهورى

في ذكرى معركة المنصورة.. السلاح صاحى

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 07:00 م


عيد أو يوم القوات الجوية ذكرى مجيدة لبطولات مصرية في معركة جوية لا مثيل لها في تاريخ الحروب العالمية منذ إنشاء سلاح الطيران في العالم.

دارت المعركة فوق الأجواء المصرية بالقرب من مطار شاوة القريب من مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، واستمرت فوق الأجواء المصرية لمدة 53 دقيقة، وهي أطول المعارك الجوية في التاريخ، وشهدت أول، وربما آخر مواجهات مباشرة بين سلاحَي طيران في قتال مباشر بين طائرة وأخرى.

في هذا اليوم منذ 53 عامًا (يوم 14 أكتوبر 1973) توقف تاريخ الحروب العالمية أمام هذا اليوم غير المسبوق في تاريخ المعارك الجوية، وهو يوم لن ينساه العالم وسيقف أمامه طويلًا لأنه لم يتكرر في تاريخ الحروب وربما لن يتكرر بعد ذلك؛ فما حدث هو خروج عن المألوف والتقليدي في المعارك الجوية التي لا تستغرق (حسب العلوم والمقاييس العسكرية) أكثر من 10 دقائق على الأكثر.

معركة المنصورة التي أصبحت عيدًا ويوماً لقواتنا الجوية الباسلة والشجاعة تستحق التذكير بها للأجيال التي لم تعش تلك اللحظات المجيدة لواحدة من أشرس معارك حرب أكتوبر المجيدة عام 73، وليست مجرد مناسبة سنوية يتم الاحتفال بها ثم تمضي.

هذه المعركة تستحق العديد من الدراسات والأفلام الوثائقية والسينمائية والمسلسلات الدرامية لتخليدها في ذاكرة ووجدان الأجيال المتعاقبة؛ فهي واحدة من البطولات الأسطورية للمقاتل المصري وقدرته على إذلال العدو وسحقه حتى لو كان في السماء وإسقاط أسطورته الجوية التي تفاخر وتباهى بها واعتبرها الذراع الطولى في المنطقة، فجاء الرد والردع القوي والساحق الماحق من الطيران المصري والدفاع الجوي الذي جعل إسرائيل مشلولة عاجزة بلا أذرع.

يوم 14 أكتوبر توهم العدو الإسرائيلي أنه ما زال قادرًا على الوصول إلى العمق المصري في الدلتا، وطالبت رئيسة وزراء الهزيمة "جولدا مائير" وزير الحرب "موشيه ديان" بأن يفعل شيئًا حفاظًا على ما تبقى من سمعة إسرائيل التي انهارت تحت أقدام جنود مصر ظهيرة يوم السادس من أكتوبر، في محاولة انتحارية بائسة في الأجواء المصرية.

حاول ديان المهزوم القيام بأكبر هجوم جوي لتدمير مطارات وسط الدلتا في المنصورة وطنطا والبحيرة، وراهن على اختراق الأجواء المصرية فوق دلتا مصر في معركة انتحارية كان الغرض منها تدمير المطارات المصرية وأنظمة الدفاع الجوي، مثلما حدث في 5 يونيو 67. وهاجم العدو بـ 120 طائرة مقاتلة في وقت واحد، ودارت أشرس معركة جوية، ولقن سلاح الجو المصري العدو درسًا لن ينساه. ورغم التفوق العددي للطائرات الصهيونية والتفوق النوعي والتكنولوجي، فإن نسور الجو -خاصة قاعدة مطارات المنصورة- واجهوا العدو بحوالي 62 طائرة مقاتلة مصرية فقط، واستطاعوا ببسالة وشجاعة فائقة ومنقطعة النظير هزيمة العدو، وإسقاط ما بين 17 و19 طائرة له ومقتل طياريها وملاحيها، مما اضطر باقي طائراته للفرار. وخسرت مصر في هذه المعركة ثلاث طائرات فقط، اثنتين منها بسبب نفاد الوقود.

خاضت إسرائيل هذه المعركة بطائرات حديثة من طرازات مختلفة، مثل الفانتوم، والميراج، والسكاي هوك، وكان سلاح الجو المصري يقاتل بطائرات الميج، لكن الفارق كان في عبقرية الطيار المصري وإبداعه وبسالته وصموده وإيمانه بعدالة قضيته وإصراره على التضحية والفداء للأخذ بالثأر ومحو عار الهزيمة في يونيو 67 واسترداد الأرض بأي ثمن ومهما كانت التضحيات.

تفاصيل هذه المعركة البطولية -حسب التوثيق العسكري- بدأت في الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة عصرًا، عندما أنذرت مواقع الرادارات المصرية على ساحل الدلتا باقتراب 20 طائرة من طراز "فانتوم" من ناحية البحر المتوسط لتجنب حائط الصواريخ المصري على الضفة الغربية لقناة السويس، فقررت قيادة القوات الجوية المصرية عدم اعتراض الموجة الأولى، مما أفشل مهمتها في جذب المقاتلات المصرية، فعادت أدراجها عبر البحر المتوسط إلى القواعد الجوية الإسرائيلية. وفي الساعة الثالثة والنصف أظهرت شاشات الرادارات المصرية وجود 60 طائرة قادمة من ثلاثة اتجاهات: من ناحية البحر، وبورسعيد، وبلطيم، ودمياط؛ فأقلعت 16 طائرة "ميج 21" من مطار المنصورة الجوي، ثم 8 طائرات من قاعدة طنطا الجوية للتصدي لها.

بعد 8 دقائق صدر إنذار جديد للقوات الجوية باقتراب 16 طائرة إسرائيلية قادمة من اتجاه البحر المتوسط على ارتفاع منخفض، وبدأ القتال الجوي فوق سماء دلتا نهر النيل ليدأ معه تدفق باقي الطائرات الإسرائيلية، واشتعلت السماء المصرية بأكبر معركة جوية في التاريخ، استخدم فيها الجانبان أحدث ما يملكانه في ترسانتيهما الجوية، سواء المقاتلات أو أجهزة التشويش اللاسلكي والراداري. وحاولت إسرائيل تكرار المحاولة في اليوم التالي ففقدت 7 طائرات "فانتوم".

هذه المعركة الأسطورية جعلت خبراء عسكريين في مراكز الدراسات العسكرية المعروفة -وبعد دراسات وأبحاث وبيانات ومعلومات عن معركة المنصورة، تم فيها حساب توقيتات إقلاع الطائرات من المطارات الإسرائيلية ووصولها للأهداف فوق دلتا نهر النيل، والإجراءات المضادة من القوات الجوية المصرية- يعترفون بأنه وبالرغم من التفوق العددي والنوعي للطائرات الإسرائيلية، فإن خبرة المصريين وكفاءتهم في التغلب على الطائرات والأسلحة الإلكترونية الإسرائيلية المضادة حسمت المعركة لصالحهم. وهكذا استحق يوم 14 أكتوبر أن يخلد كعيد للقوات الجوية المصرية، التي تفتخر بأبنائها أمام العالم كله.

ورغم مرور 53 عامًا، فالسلاح ما زال صاحيًا يقظًا وقويًا وقادرًا لكل من يفكر في الاقتراب من سماء مصر ويهدد أمنها واستقرارها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة