ليس الشيطان فى التفاصيل كما يُشاع، إنما تكمن فيها المعرفة، والإحاطة الوافية بالمسائل، وإعطاء كل ذى حقٍّ ما يوّفيه بلا انتقاصٍ أو حيف.. وبعض الوقائع الكُبرى تُظلَم إذ تُجمَل للأسف.
وإذ نتفيّأ فى ظلال أكتوبر البهىّ المُطهَّر، ونتّخذ من يومه السادس عنوانًا للبطولة والفخر، فما أكثر أيامه الغالية المُشرقة على الحقيقة.
أكان من باب أنَّ النتائج فيه تولّدت عن مُقدّماتٍ، وكانت الملائكة تُحفّ البلد وقادته من أوّله إلى آخره، أو بالحوادث المُزلزلة التى وُثِّقَت فيه، وعلى رأسها معركة المنصورة.
تحتفل القوات الجوية بعيدها الثالث والخمسين، كفرعٍ على أصلٍ يُظلّ القوات المسلحة كلّها فى ذكرى الانتصار والعبور.
وتلك مُناسبة جزئية لا تقلّ جلالاً عن العنوان الأكبر، غير أن ضيّها يمرّ على العيون فى زحام الصورة الكُليّة وأنوارها الباهرة.
للمصادفة الناتجة عن التزامات رئاسية مُجدوَلة سلفًا، أو ربما بقصدٍ، جُمِع الإحياء الرسمى لذكرى الحرب المجيدة كلها اليوم مع إحدى معاركها اللامعة.
أكتب صباح الثلاثاء عن مناسبةٍ تحلُّ غدا، ويتزامن معها حدث كبير يحضره الرئيس فى العاصمة الجديدة.
الحرب كُلّها مُعجزة كاملة الأوصاف، وفى ثناياها مُعجزات تتضافر لتصنع حكاية ما عهدناها من قبل، ولا تخيّلنا أننا قادرون عليها من الأساس.
مُنِيَت مصر بهزيمة ثقيلة قبلها بستِّ سنوات فحسب، خسرنا كثيرا من الرجال والمُعدّات، وتضرّرت أفرع كاملة من القوّة العسكرية.
ولعلّ الخسارة فى السماء أفدح من الأرض، إذ كانت مكشوفةً أصلاً، ودُمِّرَت أغلب الطائرات فى مرابضها، فما عُدنا مُتأهَبين للدفاع ولا مُستعدّين للهجوم.
أُعيد بناء الجيش بجهدٍ وعرق، ورُمِّمَت الروح المعنوية بالتدريب والتأهيل وحرب الاستنزاف، ليكون قرار العبور إيذانًا بتمام الشفاء، وامتحانا فى الوقت نفسه للعَزم والأهليّة.
كانت الكفّة مائلةً، والعدوّ فى غلافٍ من الرعاية لا يتوافر لنا، وكل الحسابات العقلية تردع عن القتال، ولا تُبشّر بخيرٍ من قرار الإقدام عليه.
ولا يُؤخَذ التاريخ بالهوى، كما تُفسده الأيديولوجيا والانحيازات المُسبقة. وقد ربح السادات معركته مع خصوم الداخل منذ الخطوة الأولى، وتفرّغ للخارج ما وسعته الطاقة والحِيَل.
ولولا أنه كان ذا رأى وحسم، لرُبّما تعثّر فى بادئة الطريق، أو حرفته عنه المناكفة والمزايدات. وقد تعرّض لهما مُبكّرًا للغاية، وبلا انقطاعٍ لاحقًا.
اضطُرّ لتطوير الهجوم وفاءً بالعهد مع سوريا، وارتضى وقف النار بعدما مالت واشنطن بثقلها العسكرى الكاسح لإسرائيل.
وكان يتقصّد منذ البداية تسخين الجبهة وتحريك توازناتها الجامدة، ليستكمل نصره بالسياسة والدهاء.. وهذا أقصى ما تسمح به الإمكانات وفوارقها الشاسعة!
نعود إلى المنصورة، وقد كانت مسرحًا لأطول معركة جوية مسجلة. الأولى عالميا من حيث الزمن، والسادسة من جهة عدد الطائرات وحجم المواجهة، بعد خمسٍ شهدتها الحربان العالميتان.
وتتجلّى القيمةُ، بالنظر إلى أن المقارنة مع جحيمٍ قِيامىِّ الطابع تشاركت فيها أكبر امبراطوريات الأرض على الناحيتين.
لا جديدَ لأسرده، وإن ظل التذكير مُهمًّا لأسبابٍ شتّى: حفاوة بالنسور الذين يستحقون كل تقدير وتوقير، وحكى ينعش الخيال والعقول.
وقبل ذلك وبعده، الفخر واستعادة لحظة وطنية مضيئة، تُؤكّد أننا أهلٌ دوما لِمَا هو أكبر وأعظم ممَّا نظنّه بأنفسنا، ويراه منّا القريب والغريب فى أيّامنا العادية.
بدأ الاشتباك فى الثالثة والربع عصرًا. فى اليوم ذاته بدأ تطوير الهجوم البرّى فى سيناء إلى منطقة المضايق، لتخفيف الضغط عن جبهة الجولان.
وقدَّم سلاح الطيران غطاءً للقوات، مدعومًا بتشكيلاتٍ مُتنوّعة من القواعد والمطارات فى منطقة الدلتا، ولذا جاءت الهجمة الإسرائيلية سريعًا.
أرادت الصالحية وشاوة وأبو حماد وقواعد أخرى، إنما كان هدفها الأساسى مطار طنطا، وتوزَّعت على ثلاث موجات: استدراج أسراب الاعتراض بعيدًا، تحييد الرادارات والدفاع، وأخيرا إخراج المطارات من الخدمة.
استُبِقَ ذلك بثلاث محاولات بين السابع والثانى عشر من أكتوبر، أخفقت فى تحقيق أهدافها بالكامل.
وأقصى ما أصابته، أن أحدثت حفرتين فى مُدرّج بالمنصورة، بحسب شهادة مُصوّرة للواء طيار وقتها حسنى مبارك، جرى إصلاحهما ليلاً، وباشر الطيَّارون عملهم المعتاد فى الصباح.
خشيةُ الصهاينة الكُبرى كانت من سرب «ميج-5» فى طنطا، وقدرته على الوصول للعُمق. غير أنهم ما نجحوا فى تدميره، ولا تجرَّأوا بعدها على المحاولة، وإنْ ادّعوا أنهم فعلوها فى اليوم التالى، فلا دليل على دعاياتهم، ونتائج 14 أكتوبر الجليّة تنسف كلَّ زعمٍ.
نحو 120 طائرة مُعادية من طرازات فانتوم وسكاى هوك ونيشر، مقابل اثنتين وستين مقاتلة مصرية تصدَّت لها.
خسروا خمس عشرة أسقطتها المقاتلات، مع عددٍ أسقطته الدفاعات الجوية، بحسب البلاغ رقم 39 مساء اليوم نفسه، وخسرنا نحو 5 طائرات تقريبًا، منها اثنتان لنفاد الوقود.
وبعيدًا من الأرقام، وما قد يتردَّد منها فى المصادر، بحسب مرجعيّة كل جهة وحدود عِلمها، فالمقطوع به أن المعركة حُسِمَت لصالح مصر تكتيكيًّا واستراتيجيًّا.
بالمبادأة وأخفقوا، وعن غير استعدادٍ وصمدنا. مع آثار مباشرة، وقتية وبعيدة المدى: خسائرنا أقل، مطاراتنا بخير، وضيّع العدو أهدافه وما تجاسر على التكرار. أى ثُبِّتَت مُعادلة الردع، أو تأكَّد ما كان ثابتا منها بالفعل.
تلك المعادلة لها جناحٌ آخر عند الدفاع الجوى. نجح منذ أوَّل أيّامه فى كسر أجنحة الدولة العبرية، وتعطيل اندفاعاتها السابقة فى سماء الدلتا.
معركة المنصورة جرت من طريقٍ بعيدة، إذ التَفَّت الأسرابُ العَدوّة عبر البحر المتوسط، لأنها ما كانت تستطيع أن تعبُر باستقامةٍ من جهة الشرق.
يحتفلُ الدفاع الجوى بعيده فى الثلاثين من يونيو، والتقويم لا يخصُّ معركةً بعينها ولا اختبارًا مُحدّدًا.
إنه تاريخ البدء فى بناء حائط الصواريخ، بعد أسابيع من اقتراح مبادرة روجرز، وقبل موافقة مصر عليها فى يوليو ودخولها حيز التنفيذ بدءا من أغسطس.
فيما تأسست القوات نفسها بعد نحو ثمانية شهور من النكسة، وتحديدا فبراير 1968.
ما اختارت ميلادها كفرعٍ مستقل، لأنَّ عملها سابق على التجميع تحت مظلَّة واحدة.
ولا اختزلت الاحتفال فى مواجهةٍ أو نجاحٍ دون سواه، إنما اعتبرت حائط الصواريخ معركتها الكبرى، وبداية تحييد الانفلات الصهيونى، ورسم خطوط حمراء بالنار لا يجرؤ على أن يتعدَّاها.
وهكذا العِبرةُ بالأثر، لا بالدعايات كما يفعل الآخرون.
وفى تلك النقطة، فسيناءُ شاهدة على نتائج الحرب: بشِقّيها العسكرى والسياسى.
ربحنا، فاستعدنا الكرامة قبل الأرض.. وخسر المُحتلُّ، فتمرّغت أنفه فى التراب، وأُجبر على جمع فلوله والرحيل مُهانًا، فى أوَّل وآخر انكماشٍ لدولته المُلفّقة، منذ اختُرِعَت من عدمٍ.
أدار المعركة من الأرض قادة اللواءات الجوية 102 و104 و203: نبيل شكرى وأحمد نصر وتحسين صايمة على الترتيب.
وقادها «مبارك»، أحد أبطال الحرب الأجلّاء، وتلك فرصةٌ لنسبة الفضل لأهله، بمعزلٍ عمّا جرى لاحقًا فى نهر السياسة وألاعيبها السوداء.
معركة المنصورة نصر داخل النصر، وقطعة من فسفساء أكتوبر الكُليّة البديعة.
تحتلّ موقعًا بارزًا، وإلى جوارها معارك عيون موسى والفردان وكبريت وأبو عطوة وتبّة الشجرة وغيرها، والمزرعة الصينية لطنطاوى ورجاله، وآلاف البطولات الفردية التى سمعنا بها أو لن نسمع.
كلّ ذلك فى ثنايا ملحمة العبور، يُظلّلها القرار بما سبقه من حُسن إعداد وتخطيط، ويُكمّلها الرُّشد فى الكرّ والفرّ، وفى إتقان متى يُرفَع السلاح أو يُوضَع، وأين تكون السياسة أمضى، وأقلّ تكلفة من المُغامرات غير المحسوبة.
لنا فى كل يومٍ من أكتوبر عيد، وفى كل شروق للشمس من جهة الشرق فرحة لا تخفُت ولا تنطفئ، إذ يمرّ علينا الضوء آتيًا من سيناء، وحاملاً معه بريق المجد والعِزّة، وروائح رجال صدقوا ما عاهدوا عليه الله والوطن.