إن التربية الحقة، التي تدعم الخلق القويم لدى الإنسان، تقتضي أن يترفع المرء عن عبودية الماديات، لا أن يخضع لها فتستعبده، حتى تغدو المعيار الأوحد في تقدير الناس والحكم عليهم. فإذا طُمست البصيرة، أصبحت الأحكام وضيعة وتافهة، لا تعكس إلا دناءة النفس وضآلة صاحبها. إن مقياس الجاهل في تقدير الإنسان هو المال؛ فهو ينظر إلى الناس على أساس ما يملكونه من أموال وعقارات، ويرى أن من لا يعتدّون بهذا المقياس ناقصون أو أقل شأنًا. وذلك دأب الجهال الذين لا يقدّرون القيم الإنسانية، ولا يحسبون لها حسابًا إذا تجاوزت حدود حسّهم المادي، وضحالة عقولهم، ورداءة تفكيرهم.
وليس أوقح من بعض مُحدِثي النعمة حين يتعاملون مع الفقراء باستعلاء وازدراء، وكأن المال قد منحهم قيمة لم تكن فيهم. فما أقبح قوة المال حين تجتمع مع الجشع والطمع، فتصنع من رجل ضحل الخلق، قليل الذوق، إنسانًا متغطرسًا، يمد قدميه في وجوه الناس، ويتباهى بما جمع من أموال وعقارات وأطيان!
إن الكفاح في الحياة والعمل الشريف من أقوى الدعائم التي تبني مكانة الإنسان وتصنع مستقبله. وثمرة الجهد أن يحيا المرء حياة كريمة، يجد فيها شيئًا من السكينة والطمأنينة، وينطلق منها لتحقيق طموحاته وأمانيه. فإذا نال شيئًا من الثروة، كانت نعمة تستحق الشكر، وتستوجب أن يترجمها إلى عطاء وكرم، لا أن يتخذها ذريعة للتعالي على الناس، أو أن يغيّر بها طباعه في معاملة الذين عرفوه قبل أن تتبدل أحواله.
غير أن هذا ليس ما يحدث عند بعض الذين عاشوا على الكفاف، ثم أصبح الثراء من نصيبهم؛ فإذا بأيديهم تمتد بالتعالي، ونفوسهم تعبق برائحة الكبر، وتظهر عليهم أمارات الغطرسة والاستعلاء. لقد أزاح المال عن وجوههم الأقنعة، وكشف ما كان مستورًا في نفوسهم، فإذا بالنعمة التي كان يُنتظر أن تزيدهم تواضعًا ورحمة تتحول إلى وسيلة لإظهار ما فيهم من ضآلة ودناءة.
إنهم يقيمون من أموالهم أصنامًا يطوفون حولها، مكبّرين مهلّلين، ويقيمون لها الشعائر، ويقدمون في محرابها النذور، حتى غدت القيمة الإنسانية عندهم أقل شأنًا من رصيد في حساب، أو قطعة أرض، أو مظهر زائل لا يبقى. لقد أصبح المال معبودهم الذي يطلبون رضاه، ويقيسون به قيمة أنفسهم والآخرين، فلا يرون في الإنسان إلا ما يملك، ولا يلتفتون إلى ما يحمل من فضائل أو ما ينطوي عليه من نبل.
وما أشد بؤس الإنسان حين يظن أن المال قد رفع قدره، بينما لم يزده إلا فقرًا في الأخلاق، وفراغًا في الروح، وعجزًا عن إدراك أن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يحمله من خلق، وما يقدمه من خير، وما يتركه في قلوب الناس من أثر كريم!
وليس الفقر في ذاته عيبًا، ولا وصمة تُلحق بالإنسان، بل قد تكون المعاناة مدرسة يتعلم فيها المرء كيف يواجه الظروف والمخاطر، ويكتسب من التجارب ما يعينه على حماية نفسه ومساندة غيره. وقد يمنحه الفقر إحساسًا بآلام المحتاجين، فيمد إليهم يده، ويعينهم على اجتياز الصعاب، لأنه يعرف من تجربته ما لا يعرفه من لم يذق مرارة العوز.
ولكن المعاناة لا تصنع النبل في كل النفوس، كما أن الفقر لا يضمن الرحمة لصاحبه. فقد يخرج الإنسان من محنته أكثر إنسانية، وقد يخرج منها حاقدًا على العالم، لا يريد إلا أن ينتقم من الأيام التي أذلته، ولو كان انتقامه على حساب الأبرياء. وحين تتاح له القوة، قد يتحول إلى صورة أخرى ممن كان يكرههم، فيمارس على الضعفاء ما كان يشكو منه حين كان واحدًا منهم.
هنا تنكشف حقيقة النفس؛ فالمال لا يخلق دائمًا ما يظهره من صفات، وإنما قد يزيح الحواجز التي كانت تحول دون ظهورها. إنه يضع الإنسان أمام امتحان جديد، ويمنحه من القدرة ما قد يستخدمه في الخير أو الشر. فإذا كان ضميره حيًّا، رأى في ثروته وسيلة لصون كرامته وكرامة الآخرين، وإذا كان أسير عقده وشعوره بالنقص، اتخذ منها أداة للتعالي والتعويض عن مهانة قديمة لم يستطع تجاوزها.
إنه لا يرى في المال وسيلة للكرامة والحرية، بل يجعله قيدًا يحيط بعنقه، ويلتف حول يديه، ويقتاده إلى طلب المزيد، فلا يرى منه إلا الطمع والجشع. ينسى أيامًا كان العوز يطارده فيها، وينكر ما كان عليه من فقر وحاجة، كأن اعترافه بماضيه ينتقص من قدره، وكأن التخلص من الفقر لا يتحقق إلا بالتنكر للفقراء.
إن الوصمة ليست أن ينتهي الفقر وتتغير الأحوال، وإنما أن ينتهي الفقر وتتراجع الإنسانية. وليست المهانة أن يعيش المرء محتاجًا، وإنما أن يستمد قيمته من المال، ويقيس قيمة الناس بمقدار ما يملكون، حتى يصبح ازدياد ثروته سببًا في انتقاص إنسانيته. عندئذ ترى رجلًا حسن الهندام، متأنق المظهر، قبيح الروح، خاليًا من الرحمة، لا يملك من الوقار إلا ما توحي به ملابسه، ولا من المكانة إلا ما تفرضه ثروته على أصحاب المصالح والمنافع.
إن القوة المستمدة من كثرة المال قد تكون قوة موهومة؛ إذ يحاول صاحب النفس المهزوزة أن يتكئ على ثروته ليصنع لنفسه مكانة عجز عن اكتسابها بغيرها. إن شعوره بالدونية يطارده، فيتطاول على كل قيمة نبيلة لم يستطع بلوغها، ويحاول أن يعوض بالمال ما ينقصه من علم أو خلق أو حكمة، جاهلًا أن المال قد يشتري المظاهر، لكنه لا يشتري الفضائل، وقد يفتح الأبواب المغلقة، لكنه لا يفتح القلوب المغلقة أمام النفوس التي لا تستحق احترامها.
إنه يتوهم أن ثروته تمنحه تفوقًا عقليًّا وأخلاقيًّا، فيصنع لنفسه أوهامًا يخدع بها ذاته، أو يحاول إقناع أمثاله من عبيد المال بها. وقد يجد في أصحاب النفوس الضعيفة من يحيطونه بالتملق، ويمنحونه من الألقاب ما يرضي غروره، فيحسب أن ما يسمعه من إطراء هو احترام حقيقي، وأن من يتقربون إليه لمكانته المالية إنما يتقربون إلى شخصه.
ولكن المال، مهما تضخم، لا يمنح صاحبه وقارًا لا يستحقه، ولا يفرض الاحترام على من يرون حقيقته خلف المظهر البراق. فقد يخشاه بعض الناس لمصلحتهم، ويجاملونه طمعًا في عطائه، ويبالغون في تقديره اتقاءً لشره، لكن الخوف ليس احترامًا، والتملق ليس محبة، والالتفاف حول الثري ليس دليلًا على علو قدره.
وهكذا قد يصبح الإنسان أكثر ثراءً، لكنه أقل شأنًا في أعين من يعرفون حقيقة النفس البشرية. يزداد رصيده في البنوك، بينما يتناقص رصيده في قلوب الناس، وتتسع أملاكه، بينما تضيق نفسه، ويرتفع بناؤه، بينما ينخفض قدره.
إن النعمة الحقيقية ليست فيما يضاف إلى ممتلكات الإنسان، وإنما فيما تضيفه إلى إنسانيته. وما قيمة أن يخرج المرء من فقر المال إذا انتهى به الأمر إلى فقر الروح؟ وما جدوى أن يمتلك الأرض إذا عجز عن امتلاك نفسه، وأن يفرض هيبته على الناس إذا فقد احترامهم؟
ليس عيبًا أن يغتني الإنسان، ولا عارًا أن يطمح إلى حياة أفضل، وإنما العيب أن يجعل من ثرائه سُلّمًا يصعد عليه فوق رقاب الناس، وأن يظن أن ما يملكه يرفعه فوقهم قدرًا ومقامًا.
فبعض النعم ترفع أصحابها، وبعضها تكشفهم؛ وليس كل من ارتفع شأنه قد ارتفع قدره، ولا كل من اتسعت دنياه اتسعت نفسه.
وما أقبح أن يخرج الإنسان من فقر المال، ثم ينتهي إلى فقر الإنسانية؛ فيملك من الدنيا ما يتباهى به، ولا يملك من نفسه ما يستحق به الاحترام.