10 سنوات على رحيل فاروق شوشة.. شاعر جعل العربية قريبة من الناس

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 03:04 م
10 سنوات على رحيل فاروق شوشة.. شاعر جعل العربية قريبة من الناس فاروق شوشة

كتب محمد فؤاد

تحل، اليوم الأربعاء، الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر والإذاعى الكبير فاروق شوشة، الذى توفى فى مثل هذا اليوم عام 2016، عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد رحلة طويلة فى الشعر والإذاعة والعمل الثقافى، ترك خلالها عشرات الدواوين والمؤلفات، وقدم واحدًا من أشهر البرامج فى تاريخ الإذاعة المصرية، وهو «لغتنا الجميلة»، الذى ارتبط بصوته لعقود، وأسهم فى تعريف أجيال من المستمعين بجماليات العربية، وكنوز الشعر القديم والحديث، حتى أصبح اسمه حاضرًا فى ذاكرة المصريين من خلال القصيدة والكلمة المسموعة.

وتكشف السيرة التى نشرها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث كان شوشة عضوًا وأمينًا عامًا للمجمع، عن مسيرة ثقافية جمعت بين الإبداع الشعرى والعمل الإعلامى والدفاع عن اللغة العربية، فقد بدأ حياته مدرسًا بعد تخرجه فى كلية دار العلوم، ثم التحق بالإذاعة المصرية وتدرج فى مناصبها حتى تولى رئاستها، إلى جانب تدريسه الأدب العربى، ومشاركته فى المؤسسات الثقافية، وإصداره عددًا كبيرًا من الدواوين والكتب النقدية، قبل أن يحصل على جائزة النيل فى الآداب عام 2016، وهى السنة نفسها التى شهدت رحيله.

 

من قرية الشعراء بدأت الحكاية

ولد فاروق محمد شوشة عام 1936 فى قرية الشعراء بمحافظة دمياط، وهى القرية التى ارتبط بها طوال حياته، وظلت حاضرة فى وجدانه وذكرياته، وقد بدأ تعليمه فى كتاتيب القرية، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعرف إلى جماليات اللغة العربية وإيقاعاتها، قبل أن يكمل تعليمه الابتدائى والثانوى فى دمياط.

وكان لحفظ القرآن فى طفولته أثر فى تكوين ذائقته اللغوية، ثم اتسعت قراءاته لتشمل الشعر العربى القديم والحديث، ووجد فى الأدب عالمًا يفتح أمامه أبواب التعبير والخيال والمعرفة، لتبدأ علاقته بالشعر مبكرًا، وتستمر معه حتى سنواته الأخيرة.

وفى عام 1952، التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ضمن أول دفعة التحقت بالكلية من حملة شهادة التوجيهية، وتخرج فيها عام 1956، ثم حصل على الدبلوم العامة فى التربية وعلم النفس من كلية التربية بجامعة عين شمس عام 1957.

وبدأ شوشة حياته المهنية مدرسًا للغة العربية بمدرسة النقراشى النموذجية الإعدادية بالقاهرة، قبل أن تتجه مسيرته إلى الإذاعة، التى أصبحت المجال الأوسع لحضوره الثقافى، ووسيلته للوصول إلى ملايين المستمعين.

 

فاروق شوشة والإذاعة المصرية.. رحلة بدأت فى الخمسينيات

التحق فاروق شوشة بالإذاعة المصرية فى أواخر الخمسينيات، بعد نجاحه فى اختبارات اختيار المذيعين، وبدأ عمله مذيعًا ومقدمًا للبرامج الأدبية والثقافية، مستفيدًا من دراسته الأكاديمية، وقدرته على الإلقاء، وصوته الذى تميز بالهدوء ووضوح مخارج الحروف.

وتدرج فى المناصب الإذاعية، فعمل فى إعداد وتقديم البرامج، وتولى مسئوليات تتعلق بالبرامج الثقافية، قبل أن يصبح رئيسًا للإذاعة المصرية عام 1994، ويستمر فى المنصب حتى عام 1997.

وخلال هذه السنوات قدم مجموعة من البرامج التى اهتمت بالشعر والأدب والموسيقى، من بينها «روائع النغم» و«صوت الشاعر» و«شعر وموسيقى» و«فن الشعر» و«مع الأدباء»، إلى جانب برنامجه الأشهر «لغتنا الجميلة»، الذى بدأ تقديمه فى الأول من سبتمبر عام 1967.

وقد منحته الإذاعة فرصة الجمع بين موهبته الشعرية وخبرته باللغة، فكان يقدم القصائد بأداء يراعى الموسيقى الداخلية للنص، ومعانى الكلمات، واختلاف الأحاسيس التى تحملها، وأصبح صوته وسيلة للتعريف بالشعراء وإنتاجهم عبر العصور.

 

لغتنا الجميلة.. البرنامج الذى عاش قرابة نصف قرن

يمثل برنامج «لغتنا الجميلة» المحطة الأبرز فى مسيرة فاروق شوشة الإعلامية، فقد انطلق عام 1967، فى فترة شهدت فيها مصر ظروفًا سياسية واجتماعية صعبة عقب هزيمة يونيو، وكان الهدف من البرنامج إعادة تقديم التراث الأدبى واللغوى بصورة قريبة من المستمع، وإظهار ما تمتلكه العربية من جمال وقدرة على التعبير.

وارتبط البرنامج بمقدمة شهيرة من قصيدة «اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها» لشاعر النيل حافظ إبراهيم، تقول:
أنا البحر فى أحشائه الدر كامن   فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى

وقد اشتهرت المقدمة بصوت الإذاعية الكبيرة صفية المهندس، قبل أن يبدأ شوشة رحلته مع الشعر واللغة، مقدمًا نماذج من أعمال كبار الشعراء، ومتناولًا قضايا التعبير والبلاغة وتطور اللغة.

وكان البرنامج مساحة يومية للتذوق الأدبى، يتعرف من خلالها المستمع إلى النصوص الشعرية القديمة والحديثة، ويستمع إلى شرح معانيها، ويتابع قراءة الشاعر للنص بطريقة تبرز قيمته الفنية والموسيقية.

وامتد تأثير البرنامج إلى خارج مصر، حيث أصبح صوت شوشة مألوفًا لدى مستمعى الإذاعة العربية، وتحول «لغتنا الجميلة» إلى واحد من العناوين التى ارتبطت بتاريخ الإعلام الثقافى المصرى.

 

أمسية ثقافية.. حين أصبح التليفزيون أرشيفًا للأدباء

وفى الأول من يناير عام 1977 بدأ فاروق شوشة تقديم برنامجه التليفزيونى «الأمسية الثقافية»، الذى تحول إلى مساحة للحوار مع الأدباء والمفكرين والفنانين، ومناقشة القضايا المرتبطة بالإبداع واللغة والفكر.

واستضاف البرنامج عددًا من كبار رموز الثقافة المصرية والعربية، من بينهم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وأمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودى، وقدم للمشاهدين جانبًا من تجاربهم الإبداعية ورؤيتهم للحياة والثقافة.

وكانت أهمية البرنامج مرتبطة بطبيعة الحوارات التى قدمها، إذ أتاحت للمشاهدين التعرف إلى الكتاب والمبدعين من خلال أصواتهم وشهاداتهم المباشرة، كما سجلت جوانب من الحياة الثقافية المصرية والعربية خلال عقود شهدت تحولات فكرية وفنية واسعة.

وذكر شوشة فى حواره الصحفى أن عدد حلقات «الأمسية الثقافية» تجاوز 1500 حلقة، وأن البرنامج أسهم فى تكوين أرشيف تليفزيونى مهم يضم شهادات عدد كبير من أعلام الأدب والفكر والفن.

 

من "إلى مسافرة" إلى "وجوه فى الذاكرة".. نصف قرن من الشعر

بالتوازى مع عمله الإذاعى، واصل فاروق شوشة كتابة الشعر، وأصدر ديوانه الأول «إلى مسافرة» عام 1966، ليبدأ رحلة طويلة مع القصيدة العربية، قدم خلالها تجارب متنوعة تناولت الحب والإنسان والوطن والذاكرة والاغتراب.

ثم أصدر ديوان «العيون المحترقة» عام 1972، و«لؤلؤة فى القلب» عام 1973، و«فى انتظار ما لا يجىء» عام 1979، و«الدائرة المحكمة» عام 1983، و«لغة من دم العاشقين» عام 1986، و«يقول الدم العربى» عام 1988.

وتوالت دواوينه خلال التسعينيات، ومنها «هئت لك» و«سيدة الماء» و«وقت لاقتناص الوقت»، ثم أصدر «وجه أبنوسى» و«الجميلة تنزل إلى النهر» و«أحبك حتى البكاء»، وصولًا إلى «ربيع خريف العمر» و«النيل يسأل عن وليفته» و«وجوه فى الذاكرة»، وهى أعمال تكشف تنوع المراحل التى مرت بها تجربته الشعرية.

وقد جمع شوشة فى قصائده بين العناية باللغة والصورة الشعرية والإيقاع، مع الاهتمام بالتجربة الوجدانية والإنسانية، وكانت الطبيعة والحنين والحب والزمن من العناصر المتكررة فى عالمه الشعرى، إلى جانب القضايا العامة وهموم الوطن.

وفى حديثه عن تجربته قال إن دواوينه عبر مراحلها المختلفة تعبر عن هموم الذات والجماعة والوطن والإنسانية، وهى رؤية تساعد على فهم اتساع الموضوعات التى تناولها، والعلاقة التى أقامها بين التجربة الشخصية والقضايا الإنسانية الأوسع.

 

شعر الأطفال.. عالم آخر فى تجربة فاروق شوشة

امتدت تجربة فاروق شوشة إلى شعر الأطفال، حيث قدم مجموعة من الدواوين التى حاول من خلالها تقريب الشعر إلى القارئ الصغير، والاستفادة من الإيقاع والصورة والحكاية فى مخاطبة خياله.

ومن أبرز أعماله فى هذا المجال «حبيبة والقمر»، الصادر عام 1998، ثم «ملك تبدأ خطوتها» و«حكاية الطائر الصغير» و«أغنية لمصر» و«الأمير الباسم» و«أصدقائى الثلاثة»، إلى جانب ديوان «حمزة».

وكان شوشة يرى أن الكتابة للأطفال تحتاج إلى وعى بطبيعة هذا العالم، وقدرته على استقبال الصور الشعرية، وضرورة تقديم نصوص تساعد الطفل على اكتشاف جمال اللغة منذ سنواته الأولى.

 

كتب نقدية ودراسات للدفاع عن جمال العربية

إلى جانب دواوين الشعر، أصدر فاروق شوشة مجموعة من الكتب التى تناولت قضايا اللغة والأدب والتذوق الشعرى، من بينها «لغتنا الجميلة» عام 1973، و«أحلى عشرين قصيدة حب فى الشعر العربى»، و«لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة» عام 1979، و«أحلى عشرين قصيدة فى الحب الإلهى» عام 1983.

كما أصدر «العلاج بالشعر» و«مواجهة ثقافية» عام 1986، و«عذابات العمر الجميل» عام 1992، الذى قدم فيه جانبًا من سيرته وتجربته، ثم «ثقافة الأسلاك الشائكة» و«زمن للشعر والشعراء» و«الشعر أولًا والشعر أخيرًا» و«الإغراء بالقراءة» و«جمال العربية».

واهتم شوشة كذلك بتقديم مختارات من الشعر العربى، وإعادة قراءة تجارب الشعراء، وشارك فى إعداد أعمال معجمية وتحقيق دواوين، ومنها ديوان عبد الرحمن شكرى وديوان عبد الحميد الديب وديوان حافظ إبراهيم.

وتكشف هذه المؤلفات عن مشروع ثقافى متصل، يقوم على ربط القارئ بالتراث الشعرى، وتقديم الأدب بوصفه تجربة معرفية وجمالية، إلى جانب الاهتمام بمشكلات اللغة فى الحياة المعاصرة.

 

فاروق شوشة فى مجمع اللغة العربية

انتخب فاروق شوشة عضوًا فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1999، فى المقعد الذى خلا بوفاة الكاتب الكبير مصطفى أمين، ثم انتخب أمينًا عامًا للمجمع عام 2005، ليواصل عمله فى خدمة العربية من خلال المؤسسة العلمية المعنية بشئونها.

وشارك شوشة فى عدد من لجان المجمع، ومنها لجنة مصطلحات الأدب، ولجنة ألفاظ الحضارة، ولجنة علوم الأحياء والزراعة، كما كان له دور فى أعمال تحديث «المعجم الوسيط».

وتكشف شهادة الدكتور محمد حسن عبد العزيز، المنشورة ضمن السيرة الرسمية لشوشة على موقع المجمع، عن جانب مهم من هذا العمل، إذ أشار إلى إسهامه فى لجنة تحديث المعجم، وقدرته على اختيار الألفاظ وتقدير ملاءمتها للاستعمال المعاصر، اعتمادًا على معرفته الواسعة بالشعر العربى وذائقته اللغوية.

كما تولى شوشة رئاسة اتحاد كتاب مصر بين عامى 1998 و2000، ورئاسة جمعية المؤلفين والملحنين بين عامى 1994 و2000، وشارك فى أعمال المجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب تدريسه فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

 

جوائز أدبية توجت مسيرته

حصل فاروق شوشة على عدد من الجوائز الأدبية خلال مسيرته، من بينها جائزة الدولة التشجيعية فى الشعر عام 1986، وجائزة الشاعر اليونانى كفافيس، وجائزة مؤسسة يمانى، ثم جائزة الدولة التقديرية فى الآداب.

وفى عام 2016، حصل على جائزة النيل فى الآداب، وهى من أرفع الجوائز التى تمنحها الدولة المصرية للمبدعين، وجاء تتويجه بها قبل أشهر قليلة من وفاته، تقديرًا لمسيرته التى جمعت بين الشعر واللغة والإعلام والعمل الثقافى.

وقد ترجمت أعمال شعرية له إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية واليابانية، بما أتاح وصول جانب من تجربته إلى قراء خارج العالم العربى.

 

شوشة والمثقفون.. موقف نقدى فى سنواته الأخيرة

ظل فاروق شوشة حاضرًا فى النقاشات الثقافية خلال سنواته الأخيرة، وتناول فى تصريحاته أوضاع الثقافة والإعلام ودور المثقف فى المجتمع، ودعا إلى الحفاظ على استقلال الموقف الثقافى وأهمية المسؤولية العامة للمبدع.

وفى حوار أجراه معه «اليوم السابع» خلال مشاركته فى معرض الشارقة الدولى للكتاب عام 2015، ونشرته الصحيفة مجددًا عقب وفاته، انتقد شوشة حالة الاستقطاب بين المثقفين، وتبعية بعضهم لأصحاب المناصب، معتبرًا أن دور المثقف يتطلب وعيًا بمسؤوليته تجاه المجتمع.

كما وجه انتقادات إلى أوضاع الإعلام، وتحدث عن التحديات التى تواجه التليفزيون المصرى فى المنافسة مع القنوات الخاصة، وهى تصريحات تعكس استمرار انشغاله بقضايا الثقافة والإعلام، بعد عقود من عمله داخل مؤسساتهما.

 

14 أكتوبر 2016.. الرحيل والعودة إلى قرية الشعراء

فى فجر الجمعة 14 أكتوبر 2016، رحل فاروق شوشة عن عمر ناهز 80 عامًا، وأثار خبر وفاته حزنًا واسعًا فى الأوساط الثقافية والإعلامية المصرية، خاصة بين زملائه وأصدقائه الذين ارتبطوا به خلال سنوات طويلة من العمل والإبداع.

وقد نعاه عدد من كبار الكتاب والشعراء، من بينهم يوسف القعيد ومحمد إبراهيم أبو سنة، الذى تحدث فى تصريحات سابقة لـ«اليوم السابع» عن صداقته الممتدة مع شوشة لنحو خمسين عامًا، معبرًا عن حزنه لفقد صديق رافقه فى الحياة الأدبية والشخصية.

وأكد الكاتب يوسف القعيد أن شوشة كان قد أعرب عن رغبته فى أن يدفن فى مسقط رأسه بقرية الشعراء بمحافظة دمياط، وهى الرغبة التى تحققت عندما نقل جثمانه من القاهرة إلى القرية التى شهدت مولده ونشأته.

وفى عصر يوم الجمعة، خرجت جنازته من مسجد الهدى النبوى بقرية الشعراء، وشارك فيها الآلاف من أهالى القرية، إلى جانب عدد من الشعراء والمثقفين والشخصيات العامة، بحضور محافظ دمياط آنذاك الدكتور إسماعيل عبد الحميد طه، ووارى جثمانه الثرى فى مقابر أسرته.

وهكذا اكتملت رحلة بدأت من قرية مصرية تحمل اسم «الشعراء»، وامتدت إلى ميكروفون الإذاعة وشاشة التليفزيون ودواوين الشعر ومجمع اللغة العربية، قبل أن تعود إلى القرية نفسها فى يوم وداعه.

وبعد عشر سنوات على رحيله، يبقى فاروق شوشة حاضرًا فى تاريخ الثقافة المصرية من خلال أعماله الشعرية ومؤلفاته، والدور الذى أداه فى تقديم العربية لجمهور واسع عبر الإذاعة والتليفزيون، فقد ترك تجربة جمعت بين موهبة الشاعر وثقافة اللغوى وخبرة الإعلامى، وأسهمت فى تشكيل ذاكرة أدبية لأجيال من المستمعين والقراء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة