ناقشت الكاتبة منى الشيمي رواية «موت وغياب» للكاتب إسلام صفوت مكاوي، الصادرة عن دار العين للنشر، خلال ندوة أُقيمت بمقر الدار، بحضور علا الشافعي، رئيس مجلس إدارة «اليوم السابع»، والناشرة فاطمة البودي، مديرة دار العين للنشر. وتناولت الندوة الأبعاد النفسية والاجتماعية والتاريخية للعمل، وما يطرحه من أسئلة حول الموت والغياب والذاكرة والهوية، معتبرة أن الرواية تتجاوز حدود السيرة العائلية لتقدم صورة عن تحولات الوطن والمجتمع المصري.
وقالت منى الشيمي إن «موت وغياب» تقدم سيرة ذاتية يعلن الكاتب منذ البداية أنها رسالة موجهة إلى ابنه نزار، يسعى من خلالها إلى ضمان حضوره في ذاكرة ابنه، وإمداده بتاريخ عائلته وحكاياتها، في محاولة لبناء ذاكرة ممتدة عبر الأجيال.
وأضافت أن الكاتب يجمع في الرواية شذرات من تاريخ عائلته، بدءًا من الأجيال السابقة، مرورًا بأصول عائلة مكادي في أسيوط، وصولًا إلى أسرة الأب والأم، موضحة أن هذه الحكايات لا تقتصر على سرد تاريخ عائلي، بل تفتح المجال أمام أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة وأثر الماضي في تشكيل الشخصيات.
وأشارت الشيمي إلى أن الرواية تتيح قراءة أنثروبولوجية للعلاقات الإنسانية، إذ تتناول تأثير العلاقات القديمة في الإنسان حتى بعد انتهائها، وما تتركه من آثار نفسية وعقد تتراكم عبر السنوات، لافتة إلى أن العمل يركز على المشاعر الداخلية والتحولات النفسية أكثر من اعتماده على الوصف الخارجي.
«موت وغياب».. حكاية عائلة تعكس تحولات الوطن
وأكدت منى الشيمي أن من أبرز جوانب الرواية ارتباط مصائر أفراد العائلة بالتحولات التاريخية التي شهدتها مصر، مشيرة إلى حضور أحداث مفصلية، من بينها ثورة يوليو 1952 وثورة 25 يناير 2011، وكيف انعكست هذه الأحداث على مسارات الشخصيات ومواقفها.
وأوضحت أن الرواية ترصد مفارقة تتعلق بتأثير ثورة يوليو على عائلتي الأب والأم؛ إذ استفادت عائلة الأم من التحولات المرتبطة بالتعليم والحرية وإتاحة فرص العمل للمرأة، بينما ارتبط مسار عائلة مكادي، وفقًا لما يقدمه السرد، بتراجع مكانتها وتغير أوضاعها.
وأضافت أن وصول البطل إلى أحداث ثورة 25 يناير يكشف عن موقف داخلي متناقض، فهو يشعر بالسعادة تجاه الثورة، لكنه لا يمتلك التفاؤل نفسه الذي أحاط بكثيرين، كما يغادر مصر دون المشاركة في ميدان التحرير، متأثرًا بإرث عائلته وتجربته النفسية.
ورأت الشيمي أن هذه التفاصيل تجعل الرواية قابلة للقراءة بوصفها حكاية عن مصر، لا لمجرد تزامن الأحداث الشخصية مع التاريخ الوطني، وإنما لارتباط مصائر الشخصيات بتحولات أكبر خارج نطاق الأسرة، وهو ما يمنح العمل بعدًا يتجاوز حدود السيرة العائلية.
الوطن البديل.. البحث عن الانتماء خارج العائلة
وتطرقت منى الشيمي إلى فكرة «الوطن البديل» في الرواية، موضحة أن البطل يحاول البحث عن مساحة آمنة للانتماء بعيدًا عن عائلته، من خلال تكوين علاقات صداقة مع أشخاص يشاركونه اهتماماته وميوله، وينتمون إلى عوالم الفن والثقافة.
وفي هذا السياق، علّق الكاتب إسلام صفوت مكاوي بأن أصدقاءه هم الذين تبنوه أكثر مما سعى هو إلى وضع نفسه بينهم، لتشير الشيمي إلى أن هذا المعنى يعزز فكرة البحث عن وطن بديل، حين لا تكون العائلة مصدرًا للأمان والاحتواء.
وأضافت أن المرأة تمثل بدورها أحد أشكال هذا الوطن البديل في حياة البطل، إذ يبحث من خلال علاقاته المتعددة عن الأم أو الأخت أو الشعور بالانتماء الذي افتقده داخل أسرته، لكنه يظل في حالة من القلق والبحث المستمر، ما يدفعه إلى الانتقال من علاقة إلى أخرى.
ولفتت إلى أن الرواية تتناول كذلك لجوء البطل إلى العلاج النفسي عام 2013، باعتباره محاولة لفهم أزماته الداخلية وترتيب تجاربه السابقة، موضحة أن العلاج لا يمحو بالضرورة آثار الماضي، لكنه قد يساعد الإنسان على فهم ما حدث والتعامل معه وإعادة بناء نظرته إلى المستقبل.
غياب الأخ.. السؤال المركزي في الرواية
واعتبرت الشيمي أن غياب الأخ يمثل إحدى نقاط الارتكاز الأساسية في «موت وغياب»، مشيرة إلى أن الابن الأكبر لصفوت مكادي غادر إلى ألمانيا عام 1990 ولم يعد، في ظل ما تصوره الرواية من قسوة داخل الأسرة. وأوضحت أن هذه الحكاية تنقل السرد من حدود التجربة المصرية إلى سياق عالمي، مع حضور الإشارة إلى سقوط سور برلين، مؤكدة أن غياب الأخ يظل سؤالًا مفتوحًا يمتد أثره إلى بقية أفراد العائلة.
وأضافت أن الرواية تطرح مفارقة لافتة بين الحضور والغياب؛ فهناك أشخاص حاضرون بأجسادهم لكنهم غائبون على المستوى الإنساني، وآخرون يغيبون عن الواقع لكنهم يظلون حاضرين في الذاكرة والتأثير، وهو ما يمنح عنوان الرواية دلالات تتجاوز المعنى المباشر للموت والفقد.
الذاكرة بوصفها جزءًا من الوجود
وفي ختام قراءتها، توقفت منى الشيمي عند مفهوم الذاكرة في الرواية، معتبرة أنها لا تمثل مجرد وسيلة لحفظ الهوية، بل ترتبط بوجود الإنسان نفسه، وهو ما يتجلى في إصرار الكاتب على جمع حكايات العائلة المتناثرة وتقديمها إلى ابنه.
وأشارت إلى أن هذه الذاكرة لا تتشكل من حكايات مكتملة، بل من شذرات وفراغات وتفاصيل ناقصة يحاول الكاتب جمعها في صورة واحدة، لتصبح الرواية بمثابة وديعة يتركها لابنه، تحفظ له تاريخ عائلته وتمنحه فرصة لفهم جذوره.
وأكدت أن «موت وغياب» تطرح، من خلال هذا البناء، أسئلة حول ما يبقى من الإنسان بعد رحيله، ومدى قدرة الذاكرة على مقاومة الغياب، وكيف يمكن للماضي أن يستمر في تشكيل الحاضر، حتى بعد اختفاء أصحابه.

الكاتبة منى الشيمى

دار العين للنشر