تشهد الأوساط الثقافية الفرنسية فصلاً جديداً من الصراع بين الفن الكلاسيكي والحداثة، حيث يخطط أحد أحفاد فنان فلكلوري من القرن التاسع عشر لاتخاذ إجراءات قانونية حاسمة، وفقا لما نشره موقع صحيفة جارديان البريطانية.
وتستهدف هذه الدعوى إزالة لوحات الفنان الشهير مارك شاجال التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، بهدف الكشف عن اللوحة الجدارية الأصلية المخبأة أسفلها في دار أوبرا باريس العريقة (قصر غارنييه).

لوحة الفنان جول أوجين لينيبفو بدار أوبرا باريس
تفاصيل القصة
تعود جذور القصة إلى عام 1962، عندما شعر وزير الثقافة الفرنسي آنذاك، أندريه مالرو، بالملل أثناء مشاهدته عرضاً للباليه.
وفي لحظة ضجر، رفع عينيه نحو السقف الكلاسيكي وقرر أنه بحاجة إلى لمسة تجديد عصرية، والتفت مالرو إلى صديقه الفنان مارك شاجال، الذي كان يرافقه العرض، ورأى فيه الرجل المناسب لتغيير معالم القبة.
وعلى مدار عامين، عمل شاجال سراً وبالمجان لإنتاج 24 لوحة ضخمة وملونة تم تركيبها فوق السقف الأصلي للفنان الفرنسي جول أوجين لينيبفو، ليختفي أثر الأخير تماماً عن الأنظار منذ ستة عقود.
حفيد "لينيبفو" يلجأ للقضاء بعد تجاهل الإليزيه
يقود أرنو كارايون، حفيد لينيبفو ورئيس جمعية أصدقاء الفنان، التحرك القانوني الحالي بعد أن باءت محاولاته الودية بالفشل على مدار ثلاث سنوات، والتي تضمنت توجيه رسالتين مباشرتين إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وصرح كارايون قائلاً: "يُصنف سقف لينيبفو كمعلم تاريخي منذ عام 1923، ومع ذلك لم يره أحد منذ 60 عاماً، وليس لدينا أي فكرة عن حالته الراهنة".
وأضاف أن جده كان نجماً لامعاً في عصره واختاره المصمم الشهير شارل غارنييه بنفسه لتزيين الأوبرا، قبل أن يقرر مالرو فجأة إلغاء هذا الانسجام الفني.
صراع الألوان والتقاليد في قلب القبة
تغطي لوحات شاجال الـ24، مساحة شاسعة تبلغ 220 متراً مربعاً. وتتميز هذه اللوحات بألوانها الصاخبة (الأحمر، الأزرق، الأخضر، الأصفر، والأبيض) وتجسد راقصين، ملائكة، وموسيقيين.
في المقابل، يحمل سقف لينيبفو المخفي اسم "الملهمات وساعات الليل والنهار"، وهو عمل كلاسيكي رمزي رُسم بالزيت مباشرة على ألواح النحاس، وكان يُعتبر التجسيد المثالي لطراز الإمبراطورية الثانية المزخرف الذي بني عليه قصر غارنييه.
مقترح الأسقف المتناوبة لحل الأزمة
مع إعلان إغلاق قصر غارنييه لأعمال تجديد موسعة بين عامي 2027 و2032، اقترح كارايون على الرئاسة الفرنسية حلاً مبتكراً يقضي بعرض السقفين بالتناوب، بحيث يتاح للجمهور رؤية سقف لينيبفو لمدة عقد من الزمن، ثم سقف شاغال للعقد التالي.
وأوضح كارايون أن سقف شاجال صُمم منذ البداية ليكون قابلاً للإزالة دون إحداث أي ضرر، مشيراً إلى أن الإليزيه اكتفى بالرد بأن الرئيس "يولي الموضوع اهتماماً بالغاً" دون اتخاذ قرار فعلي، واصفاً غياب التحرك بأن "لا أحد يملك الجرأة على المساس بسقف شاجال".

لوحة مارك شاغال بدار أوبرا باريس
هدية لباريس
في المقابل، يدافع قطاع واسع من النقاد عن بقاء الوضع الحالي، ففي معرض شاجال بمركز بومبيدو (2023-2024)، وصفت القيّمة آن مونتفورت-تانغي السقف بأنه "سيرة ذاتية لشاغال ورؤيته الحركية والسينمائية لباريس، وهو بمثابة هدية شكر وتكريم لفرنسا التي احتضنته".
ومن جانبه أقر ألكسندر نيف، مدير أوبرا باريس، بشرعية النزاع القائم قائلاً لصحيفة لوموند: "الجدل مستمر منذ 60 عاماً.
سقف لينيبفو معلم تاريخي معترف بقيمته التراثية، ومن المشروع تماماً أن يرغب أحفاده في الدفاع عن ذكراه وإرثه الفني".