تحدث الكاتب إسلام صفوت مكاوي عن كواليس كتابة روايته «موت وغياب»، الصادرة عن دار العين للنشر، كاشفًا كيف انعكس اختفاء شقيقه نزار على حياته واختياراته الشخصية، ودور هذه التجربة في تشكيل علاقته بأسرته وذاكرته، وقد استعاد مؤلف الرواية خلال مناقشتها تفاصيل رحلته مع الكتابة، وكيف بدأت برسالة إلى ابنه، قبل أن تتحول إلى عمل أدبي يعيد من خلاله النظر إلى تاريخ عائلته وذاكرته الشخصية.
جاء ذلك خلال ندوة أقيمت بمقر دار العين للنشر، أدارها الكاتب والناقد مجدي نصار، وشاركت في مناقشة الرواية الكاتبة والناقدة منى الشيمي، والكاتبة الصحفية علا الشافعي، رئيس مجلس إدارة «اليوم السابع»، التي توقفت خلال حديثها مع المؤلف عند حضور القاهرة في الرواية، ودلالات الأماكن والشخصيات، وما تحمله الحكاية من أسئلة حول العائلة والهجرة والذاكرة والبحث عن الحب.
رسالة إلى الابن تحولت إلى رواية
وكشف إسلام صفوت مكاوي أن كتابة «موت وغياب» لم تبدأ بمشروع روائي مخطط له، وإنما جاءت من موقف شخصي جمعه بابنه نزار، الذي كان يبلغ نحو أربع سنوات آنذاك.. فقبل عدة سنوات، أخبره ابنه بأنه إيطالي، في إشارة إلى جنسية والدته، وهو ما دفعه إلى محاولة شرح حكايته العائلية له، وكيف اختير له اسم نزار، الذي يحمله عمه الغائب منذ سنوات طويلة.
وقال مكاوي إنه بدأ كتابة رسالة يروي فيها لابنه تاريخ العائلة، لكنه وجد نفسه يتوسع في التفاصيل، ويكتب لساعات طويلة يوميًا عن أخيه وأبيه وجده، وعن الوقائع التي صنعت ذاكرته. ومع استمرار الكتابة، لاحظت زوجته حجم انشغاله بالمشروع، وكانت تمزح معه بأنها أصبحت «أرملة هذا الكتاب»، لكنها في الوقت نفسه شجعته على تحويل ما يكتبه إلى عمل أدبي.
وأوضح المؤلف أن النص الأول كان أطول بكثير من الصورة التي وصلت إلى القراء، وأنه أعاد كتابة العمل وتطويره نحو خمس مرات، مع اختلاف كل نسخة عن الأخرى. ومع اقتراب فكرة النشر، بدأ في استبعاد التفاصيل شديدة الخصوصية، وإعادة تشكيل المادة التي كتبها لتصبح حكاية متماسكة، لا مجرد سرد لكل ما يتذكره عن حياته وأسرته.
وفي هذا السياق، ناقشت علا الشافعي مع المؤلف طريقة بناء الرواية، خاصة هيمنة صوت الراوي بضمير المتكلم، ومساحة الحضور التي حصلت عليها الشخصيات الأخرى. وقارنت الشافعي هذا الأسلوب بتجربة محمد شكري في «الخبز الحافي»، متوقفة عند الطريقة التي يتداخل بها السرد الشخصي مع الحكاية الأوسع.
ورد مكاوي بأن هذه الهيمنة ربما ترجع إلى قلة خبرته في الكتابة الروائية آنذاك، إذ لم يكن قد خاض تجربة كتابة عمل أدبي من قبل، وهو ما جعل صوته الشخصي حاضرًا بقوة في النص، قبل أن تدفعه المراجعات المتكررة إلى إعادة النظر في بعض تفاصيله.
القاهرة ليست مجرد مكان في الرواية
توقفت علا الشافعي عند حضور القاهرة في «موت وغياب»، مشيرة إلى أن الرواية لا تستعيد الأماكن باعتبارها خلفية للأحداث فحسب، بل تمنحها دورًا في استدعاء الذاكرة وربط الشخصيات بماضيها. وطرحت تساؤلات حول دقة التفاصيل المكانية التي أوردها الكاتب، وما إذا كان يسجلها بصورة مقصودة أم أنها حضرت تلقائيًا أثناء الكتابة.
وأوضح مكاوي أن وسط البلد يمثل جزءًا أساسيًا من روحه في القاهرة، وأن علاقته به ليست مرتبطة بالأماكن وحدها، وإنما بالأصدقاء والمعارف والذكريات التي تشكلت فيه. وأضاف أنه يحرص على زيارة المنطقة كلما عاد إلى مصر.
وأشار الكاتب إلى أنه تعمد تسجيل بعض التفاصيل الجغرافية والأماكن التي مرت بها حياته، حتى يتمكن ابنه في المستقبل من الوصول إليها والتعرف عليها. ولفت إلى تأثره في هذا الجانب برواية «شانتارام»، التي اهتمت بتوثيق الأماكن والتفاصيل المرتبطة بمدينة مومباي والهند، وهو ما شجعه على الاحتفاظ بملامح القاهرة داخل نصه.
نزار الغائب الذي ظل حاضرًا
كان غياب نزار، شقيق الكاتب، من أبرز المحاور التي توقف عندها النقاش؛ فالشخصية التي اختفت من الحياة العائلية ظلت حاضرة بقوة في الرواية، بينما بدت بعض العلاقات مع الشخصيات الموجودة فعليًا أكثر تعقيدًا وألمًا، وفي هذا الإطار، طرحت علا الشافعي تساؤلًا حول المفارقة بين الأخ الغائب الذي يستمر حضوره في الذاكرة، والأم الموجودة جسديًا، لكن العلاقة العاطفية معها تبدو محكومة بالمسافة والحرمان.
وأوضح مكاوي أن اختفاء شقيقه عام 1990، بعد سفره إلى ألمانيا وعدم عودته، ترك أثرًا مختلفًا في كل من الأب والأم، ووفقًا لقراءته الشخصية، أظهر الغياب جانبًا أفضل من شخصية والده، بينما زاد تعقيد علاقته بوالدته، التي وصفها بأنها كانت تتعامل مع العلاقات الأسرية بطريقة شديدة الصعوبة.
أضاف أن الأسرة لم تتقبل فكرة احتمال وفاة نزار أو الاعتراف بفقدانه، إذ لم يكن ذلك مقبولًا اجتماعيًا في محيطها، فظهرت روايات بديلة عن مصيره؛ مرة قيل إنه في الأقصر، ومرة إنه حصل على عمل، وأخرى إنه يدرس للحصول على درجة علمية. واستمرت هذه الحكايات لسنوات طويلة، حتى باتت الأسرة تعيش بين الحقيقة وما ترويه للآخرين.
وأشار الكاتب إلى أنه كان أحيانًا يصدق هذه الروايات رغم معرفته بحقيقة الغياب، معتبرًا أن المجتمع يدفع العائلات في أحيان كثيرة إلى تقديم صورة تبدو مقبولة اجتماعيًا، حتى لو كانت بعيدة عن واقعها. وهكذا، لم يعد الغياب في تجربته مجرد واقعة تخص فردًا من الأسرة، بل تحول إلى حكاية تتكرر وتتغير، وتترك أثرها في حياة من بقوا.
قضيت حياتي كلها بتسابق مع شبح نزار
من أكثر اللحظات دلالة في حديث مكاوي، كشفه عن الطريقة التي انعكس بها غياب شقيقه على اختياراته الشخصية. فبعد اختفاء نزار، وجد نفسه، بوعي أو من دونه، يحاول القيام بالأشياء التي كان شقيقه يفعلها أو كان من المفترض أن يفعلها، بل يسعى إلى التفوق فيها أيضًا.
درس مكاوي الهندسة الميكانيكية رغم أنه لم يكن يحبها، وهو المجال الذي درسه شقيقه، وتعلم العزف على الجيتار بعدما كان نزار يعزف عليه، في حين كان هو يعزف البيانو، كما سافر إلى ألمانيا، البلد الذي اختفى فيه أخوه، ووصل لاحقًا إلى عضوية مجلس إدارة إحدى الشركات الكبرى هناك.
ولخص الكاتب هذه الرحلة بقوله: «قضيت حياتي كلها بتسابق مع شبح! شبح نزار! للأسف كل ده علشان أنال حب أمي! وفي الآخر وصلت لنقطة: نو، مش هشوف، مش هيكون».
وتكشف هذه الكلمات عن أن محاولاته لم تكن مجرد منافسة مع أخ غائب، بل ارتبطت برغبته في الحصول على حب أمه واعترافها به. ومع مرور الوقت، أدرك أنه يلاحق صورة لا يمكنه الوصول إليها، وأن تكرار اختيارات شقيقه لن يضمن له الحصول على ما افتقده في علاقته بوالدته.
لماذا «الموت والغياب» بدلًا من «أشباحنا»؟
تطرق النقاش إلى عنوان الرواية باللغة الإنجليزية «Our Ghosts»، الذي اختلفت صيغته في النسخة العربية لتصبح «الموت والغياب»، وأوضح مكاوي أن اختيار العنوان العربي جاء بعد مناقشة عدد من المقترحات، والاستعانة بعبارات شعرية وردت داخل النص، قبل الاستقرار على العنوان الذي صدر به الكتاب عن دار العين.
كما أشار إلى أنه أجرى تعديلات على النسخة العربية، من بينها حذف بعض الشروح التي كتبها في البداية لتقديم خلفيات وتفسيرات للقارئ الغربي، بعدما رأى أن القارئ العربي ليس بحاجة إلى النوع نفسه من التوضيحات.
وعادت علا الشافعي إلى سؤال المواجهة مع الماضي، وما إذا كان الكاتب قد واجه والدته بصورة مباشرة بما يحمله من ألم وعتاب. وأوضح مكاوي أن الأمر لم يحدث في مشهد مواجهة صريح، لكنه وصل في مرحلة معينة إلى إدراك أن حياته تسير في اتجاه تحكمه محاولة مستمرة لملاحقة وهم.
وقال إنه كان في مصر يوم 30 يونيو 2013، قبل أن يعود إلى باريس، وهناك اتخذ قرارًا بتغيير مسار حياته، وشمل ذلك عمله، وطريقة تعامله مع الآخرين، وحتى اختياراته الشخصية، مؤكدًا أنه قرر تغيير أشياء كثيرة بصورة جذرية، بعدما أدرك أنه لن يحصل على الحب الذي ظل يسعى إليه من والدته بالطريقة التي تخيلها.
وفي ختام الحديث، بدا سؤال الكتابة والتخلص من ثقل الذاكرة حاضرًا من جديد، خاصة عندما سُئل مكاوي عما إذا كان قد شعر بالتحرر بعد الانتهاء من الرواية. وربط الكاتب هذا الإحساس بمرحلة جديدة في حياته، كاشفًا أن ولادة ابنه الثاني، في الليلة السابقة للندوة، جعلته يشعر بأنه يقف أمام بداية مختلفة.
وبين الرسالة التي كتبها لابنه، والأخ الذي ظل غيابه حاضرًا، والأماكن التي احتفظت بذاكرة العائلة، تكشف شهادة إسلام صفوت مكاوي عن المسار الشخصي الذي قاد إلى «موت وغياب»؛ من محاولة شرح الماضي للابن، إلى مواجهة ما تركه ذلك الماضي في حياة الكاتب نفسه.
.jpeg)
الأستاذة علا الشافعى تتحدث خلال الندوة التى أقيمت بمقر دار العين للنشر
.jpeg)
جانب من الندوة التى أقيمت بمقر دار العين للنشر
.jpeg)
جانب من الندوة التى أقيمت بمقر دار العين للنشر
.jpeg)
جانب من الندوة التى أقيمت بمقر دار العين للنشر