حازم حسين

درس فى البلاغة

الإثنين، 12 أكتوبر 2026 02:00 م


خير الكلام ما قلّ ودلّ. والبلاغة كما عرّفها أهل اللغة لا تخرج عن ثنائية الاقتصاد والجمال، بأن يتوافق الخطاب مع مقتضى الحال، والأهم أن يكون الإيجاز فى غير عجزٍ، والإطناب بلا خطل.


ستكون بليغا إذا عرفت متى تتكلم، وأكثر بلاغة بالصمت؛ طالما لا تجد ما يُقال، وتحوم حول الحمى تُوشك أن تقع فيه؛ على معنى شبيه بالحديث الشريف.
عليك أن تقتصد بما لا يجور على المعنى، وأن تُحَسِّن وتُبدِعَ إلى ما قبل الابتذال؛ بحيث لا تُغيّبك النُدرة، ولا تُرخّصك الإتاحة المفرطة. وكل زاهدٍ غالٍ، وكل زائدٍ مزهود.


قانون العرض والطلب ماضٍ فى كل شىء بلا استثناء، ويتعاظم أثره صعودا؛ على أن يكون الظهور محسوبا فى كل الأحوال، ويتناسب عكسيا مع الموقع على سلّم المكانة.


طنُّ التراب ليس كمثله من حديدٍ وأخشاب ورماد، وبضع جرامات من الذهب أغلى منها جميعا.
كتب مُمثّلٌ يُقيم بالخارج رسالةً كيدٍ رديئة. ملؤها المزايدة والتحريض، ولا قيمة لها فى الدلالة والأثر.
مُبتغاه منها أن يشحن مهنةً بنقابتها؛ لتخوض معركة مع نظامٍ تُمثّل جزءًا منه، بأىِّ تعريفٍ جادٍّ للدولة أو المجتمع المدنى.
الحديث عن شخصٍ بائس فعلاً، صار بغيضا ومُثيرًا للسخرية منذ زمنٍ طويل. اصطفَّ مع الإخوان وغيرهم من أردأ تيَّارات الأُصولية والعنف وشبكات التمويل المشبوهة.


وما عاد أحدٌ يفخر بمعرفته، أو يُصرّح بها أصلاً، وأشد الناس رأفةً به يعزو حالته إلى الجنون، بدلا من أوصاف الخيانة والإرهاب وسواها.
كأنك إزاء مُشرّد يتشاجر مع المارّة، أو يلقى الحجارة عليهم من بعيد. ولا تستحقُّ تدوينةٌ من خمسٍ وأربعين كلمة بائسة مثله، أن يتفرّغ اثنان من مجلس نقابةٍ مهنيّة عريقة ورفيعة القدر؛ ليرُدّا عليه فى نحو سبعين ضعفًا، أو قرابة ثلاثة آلاف كلمة.


الأوّل تلبسّته الروح ذاتُها، ودخل معه فى وصلة ردح. والثانى راح يُعدّد البديهيات، ويعيد ويزيد فيها، بارتباكٍ ودوران حول الذات؛ حتى أن زميلاً وصفه فى حوارٍ بيننا بـ»موضوع تعبير»، وزاد آخر بأنه ركيك، ولا يمنح كاتبه أكثر من درجةٍ أو اثنتين على عشرٍ.


وما كان أغنانا عن الردِّ على وضاعةٍ يُحرّكها الهوى، ومن رُدودٍ أُخرى لا تقلُّ خفّةً وركاكة، وما أحدثت شيئًا فى القضايا؛ إلا أنها أربكت أطرافها، أثارت الغبار وضيّعت الحوار، وشقَّت الصفوف، وأضعفت موقفنا فى جوانب عِدّة، من دون مُبرّرٍ أو منفعة.


والحقّ؛ أننا نحتاج بقدر استمساكنا بالحقِّ والعضّ عليه، أن نتَّقى الباطل والشبهات، ما استطعنا لهذا سبيلا، وألَّا تأخذنا العِزّة بالإثم عن الاعتراف بالخطأ، والمبادرة إلى التصحيح.


ونحتاجُ ألَّا نجزم بما لا نملك عليه دليلاً، أو نأخذ المواقف جُملةُ بعشوائيّة، وقبل إنجاز فروضنا من البحث والفحص والتمحيص، وفرز الأُصول وتمييزها عن الفروع، وتنقيتهما معًا من الشوائب، ومن كلِّ ما يُصَوَّر حقًّا بينما يُراد به باطل.


ولا أفهم تحت أىِّ ظرف، أن ندافع فى المطلق عمَّا يخصّنا وما لا شأن لنا به، شَروةً واحد. ولا أن نذكر محاسن موتانا، بالتعريض بالأحياء، بلا حاجةٍ أو تداخل بينهما أصلاً.


ونخلط المعلومة بالشائعة والظن، ونصطنع بطولاتٍ وهميّة لا حاجة لها فى المكان والزمان، وتضرُّ قطعًا بأكثر ممَّا تنفع.
والأصلُ أنَّ الموت سَدٌّ منيع، يستحيل القفز عليه، وينبغى ألَّا نحاول أصلاً. أوّلاً لحُرمة الميِّت، وأن انقضاء الأجل تنقضى به المنازعات، وثانيا والأهم لأنَّ الحياة سيّارة، لا تُبقِى شيئًا على حالٍ، وقد تأخذه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.


هكذا كان محمد عمارة والمسيرى وخيرت الشاطر فى الماركسية، وختموا الرحلة تحت سقف الأُصوليّة، وزاد اثنان منهم بالتطرف والإرهاب.
الإخوان نفسها بدأت جماعةً دعوية، أقرب إلى حلقة ذِكْر فى الإسماعيلية، استغلَّ حسن البنا فى اصطناعها جهلَ العُمَّال وغير المُتعلّمين؛ ثم أصبحت بِنيةً رجعية ضخمة، وأداةً لاختراق الساحة الوطنية، وصولاً إلى ما آلت إليه اليوم من انحطاطٍ على كل المستويات.


وفى الصحافة؛ فقد عرفت المهنةُ محاولاتٍ مُتكرّرة لإنشاء كيانٍ تنظيمىٍّ. أسفرت فى بدياتها عن منتديات للناشرين ومالكى الصحف؛ ثم وصلنا للقانون الأوّل فى مارس 1941 بالمناصفة بين رأس المال ورؤوس الحرفة، إلى أن استُخلِصَت التجربة وصَفَت، وصار البيت ملكيّةً صافية لأهله الحقيقيين/ الصحفيين.
والغريب أن يسعى فريقٌ من الساكنين اليوم، ومَنْ يُشاغلونهم على الأعتاب ومن نوافذ بعيدة، إلى إعادتها مُجدَّدًا للمُلّاك، أو إعادتهم لاختراقها.
أكان بمُجاراة بعض أصحاب المواقع فى أهواء شتّى، أو بخلط الأوراق فى الحديث عن العامل وماكينته معًا.


ومن ذلك؛ محاولات الجزء للتلبيس على الكُلّ، عبر طرح مضامين ملغومة تحت العناوين النقابية، وفى ثنايا مناوشات متوازية ومُتداخلة؛ لحرف الغاية عن الفرد، وتوجيه الطاقة إلى إسباغ البراءة على الوسيلة.


يُمكن أن تكون بريئا فى قلب عصابة، ومُجرمًا على منبر. لا جهل الشخص يُبرّر جُرم مُجاوريه، ولا طهارة المؤسسة تنسدلُ بالضرورة على أبنائها الخاطئين.
هذا بشكل عام، وعلى طول الخط، ولستُ أقصد واقعةً بعينها، ولا أخصّ فريقًا دون فريق.


والعمل النقابى بطبيعته ليس بعيدًا من السياسة؛ لكنه خصيم الأيديولوجيا. ويجب أن ينأى عنها ما وسعته السُبل، وعمّن يُصرّون على خَلطهما؛ لا سيما المُتصدّرين لأدوارٍ تمثيليّة.


العام مجموع الخاصّ لدينا جميعًا، ونقيضُ كلِّ واحدٍ منه على حِدَة. والحيّز بين التطابق التام والتنافر المُطلق؛ إنما تملؤه المواءمة، والتوفيق، وكياسة الأخذ والرد، وكفاءة خلق المساحات لا تبديد القائم منها.


والمسؤولية مشتركة وتضامنية، ولا يُبَرَّر العجز عن إنجازها بالمصاعب أو افتقاد الموجة؛ إذ النجاح خيار وحيد، ولو افترضنا أن له مقابلاً؛ فالاستبدال لا الإخفاق!


لا نحتاج إلى تكرار قَول البديهيات؛ إلّا لأننا لم نضطلع بها فى مقام الفعل، أو نعجز عن الوفاء بمهامنا فنتفرّغ للكلام. وحتى فى هذا؛ فلا شىء يغفر افتقاد البلاغة للأسف!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة