حذّر البروفيسور بيار الخوري، الخبير الاقتصادي، من تفاقم أعباء الديون العالمية وتأثيرها المباشر على قدرة الدول على تمويل البنية التحتية والصحة والتعليم، مؤكداً أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يضيّق الحيز المالي المتاح للإنفاق العام، ويزيد الضغوط على الاقتصادات النامية، خصوصاً في ظل الحروب وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة.
وأوضح الخبير الاقتصادي، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن إجمالي الديون العالمية بلغ نحو 300% من الناتج العالمي بعد عام 2020، بينما تجاوز متوسط ديون الحكومات 100% من الناتج. وأشار إلى أن زيادة الديون تعني تخصيص حصة أكبر من الموارد الحكومية لسداد الفوائد بدلاً من توجيهها إلى الخدمات الأساسية والاستثمارات اللازمة لدعم النمو.
خدمة الدين تتقدم على الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة
وأشار الخوري إلى أن خدمة الدين في الولايات المتحدة تجاوزت، للمرة الأولى، الإنفاق العسكري، الذي وصفه بأنه كان من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، تليه الصحة. ولفت إلى أن المقصود بخدمة الدين هو الفوائد وليس سداد أصل الدين، موضحاً أن الولايات المتحدة تجدد ديونها في السوق بدلاً من سداد أصلها.
وأكد أن المشكلة لا تتعلق بحجم الدين وحده، بل تشمل أيضاً تكلفة الاقتراض وشروط إعادة الهيكلة وكيفية توزيع الخسائر بين الدول المدينة والدائنين، ولا سيما الدول الأقل قدرة على الوفاء بالتزاماتها. واعتبر أن الاتفاق على توزيع الخسائر يمثل إحدى القضايا الرئيسية المطروحة في الاجتماعات الدولية.
مساعدات البنك الدولي قد تفتح الباب أمام إعفاءات من الديون
وفي تعليقه على إتاحة البنك الدولي 25 مليار دولار للاستجابة الطارئة، مع إمكانية توفير 35 مليار دولار إضافية، قال الخوري إن هذه الموارد لن تحتوي وحدها تداعيات الديون المتفاقمة، لكنها قد تشجع الدول على تقديم مزيد من الإعفاءات من الديون خلال المرحلة الحالية.
وأوضح أن العالم يمر بحالة استقطاب سياسي حاد، تسعى خلالها الدول إلى توسيع تحالفاتها الجيوسياسية، مع تزايد التنافس بين القوى الكبرى على التجارة والتكنولوجيا والتمويل والنفوذ السياسي. ورأى أن التحدي الأساسي يتمثل في الحفاظ على زخم التعاون الدولي، في وقت تتراجع فيه قدرة الدول على إنتاج قواعد مشتركة للتعامل مع الأزمات.
وأضاف أن الدول المدينة كانت تعاني بالفعل من استنزاف مواردها بسبب خدمة الديون قبل اندلاع الحرب، ثم جاءت زيادة تكاليف الاستيراد لتضيف عبئاً جديداً إلى أزماتها الاقتصادية.
وأوضح الخوري أن الدول المدينة تواجه مفاضلة صعبة بين تخصيص مواردها المحدودة لاستيراد الغذاء أو توجيهها إلى خدمة الدين، مؤكداً أن كلا الخيارين يحمل تكلفة اقتصادية واجتماعية.
وأشار إلى أن إعطاء الأولوية لسداد الدين قد يضعف ركائز الاستقرار الاجتماعي، بما يرفع احتمالات التعرض لاضطرابات كبيرة، بينما يؤدي توجيه الأموال إلى الاحتياجات الاجتماعية الأساسية إلى تحديات تتعلق باستدامة التمويل والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
وشدد على ضرورة التوصل إلى حلول توازن بين استمرار تمويل الخدمات والاحتياجات الاجتماعية في الدول النامية، وضمان استدامة ديونها، محذراً من أن الضغوط الاجتماعية قد تتفاقم إذا لم تُراعَ الظروف الاستثنائية التي تمر بها هذه الاقتصادات.
400 مليار دولار التزامات على الدول النامية خلال العام
وفيما يتعلق بالتزامات الدول النامية، أشار الخوري إلى أن هذه الدول مطالبة بسداد نحو 400 مليار دولار خلال العام الحالي، منها 133 مليار دولار فوائد ديون، مؤكداً أن تقديم تسهيلات تتعلق بالفوائد أصبح ضرورياً لتجنب ضياع أصل الأموال وتفاقم الأزمات الاقتصادية.
وقال إن العالم يمر بلحظة مفصلية فيما يتعلق بقدرة الشعوب على تحمل المزيد من الضغوط الاجتماعية، محذراً من أن استمرار الأعباء قد يقود إلى الفوضى والإضرابات، وربما إلى اضطرابات أكبر، إذا لم تتعامل المؤسسات المالية الدولية والدول الكبرى مع المرحلة باعتبارها استثنائية.
وأضاف أن الدول قد تنفذ إصلاحات داخلية بكفاءة، لكن غياب الظروف الخارجية الملائمة قد يخلق نقاط اختناق تعطل مسار النمو، وتدفع الحكومات إلى الاختيار بين حماية الاستقرار الاجتماعي وخدمة الديون.
وأكد أن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ليست ميكانيكية، بل دينامية، وأن تجاهل تكلفة الديون قد يؤدي إلى اختلال الهيكل الاقتصادي بكامله، بما في ذلك القدرة على استرداد أصل الدين. ورأى أن الدول الكبرى والبنوك العالمية تملك من الموارد ما يتيح لها التعامل مع هذه المشكلة بحكمة أكبر من الدول المدينة التي لا تملك ترف الاختيار.
الذكاء الاصطناعي والإنفاق العسكري يقودان النمو العالمي
وفي تقييمه لتوقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق الاقتصاد العالمي نمواً بنسبة 3% خلال العام الجاري، قال الخوري إن الإنفاق الاستثماري على الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المحركات الرئيسية لهذا النمو، لكنه حذّر من أن هذا الإنفاق لم يتحول بعد إلى عوائد وأرباح فعلية في الناتج الوطني، ما يجعله محفوفاً بالمخاطر.
وأضاف أن الإنفاق على الأمن يتزايد بسرعة، وأصبح جزءاً أساسياً من موازنات الدول القادرة على تمويله. وفي المقابل، شكك في قوة النمو الناتج عن الأنشطة الاقتصادية التقليدية في ظل اضطراب سلاسل التوريد وتعطل المضائق وارتفاع أسعار المحروقات عالمياً.
وأوضح أن هذه العوامل تخلق ضغوطاً تضخمية وتزيد الأعباء على المنتجين، معتبراً أن معدل النمو العالمي المعلن يتأثر بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي والإنفاق العسكري، اللذين وصفهما بأنهما إنفاق استثماري لم تتضح عوائده بعد في الحالة الأولى، وإنفاق يستنزف الموارد في الحالة الثانية.
وعن تقديره لمعدل النمو العالمي إذا استُبعد أثر الإنفاق العسكري والإنفاق على مشروعات الذكاء الاصطناعي، قال الخوري إن حدسه العلمي وخبرته الطويلة يشيران إلى أن النمو الحقيقي قد يكون أقل من 2%.
وأوضح أن هذا التقدير شخصي ولا يستند إلى احتساب مؤسسي صارم، مشيراً إلى أن الوصول إلى رقم دقيق يتطلب دراسات وحسابات تجريها مؤسسات متخصصة. وأكد أن الفصل بين الإنفاق على الأسلحة والإنفاق على الذكاء الاصطناعي من جهة، والنمو الاقتصادي الحقيقي من جهة أخرى، ضروري لفهم الأداء الفعلي للاقتصاد العالمي.
ارتفاع عوائد السندات يزيد الضغط على الاقتصادات الناشئة
وحول ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتوجه رؤوس الأموال إليها، أوضح الخوري أن عدداً من المجالات يتنافس على السيولة المتاحة في الأسواق العالمية، منها تمويل المناخ والطاقة والتكيف المستدام، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والتجارة وسلاسل الإمداد، وتمويل الدول النامية، إلى جانب متطلبات الاستقرار المالي.
وأشار إلى أن هذه الاحتياجات المتزايدة تضغط على السيولة وترفع العوائد، في وقت تكون فيه القطاعات الصاعدة أكثر قدرة على دفع تكلفة التمويل من اقتصادات الدول الناشئة.
وأضاف أن الدول النامية تتحمل نتيجة ذلك ارتفاع تكلفة الاستيراد وخدمة الديون، لافتاً إلى أن الإنفاق العسكري والتكنولوجي والبيئي، إلى جانب التضخم العالمي، يزيد الحاجة إلى السيولة ويضاعف الضغوط الواقعة على الاقتصادات النامية.
أزمة الطاقة تهدد الاقتصادات الكبرى والصغرى مع اقتراب الشتاء
وفيما يتعلق بإجراءات التعامل مع أزمة الطاقة، بما في ذلك الاتفاق الأمريكي الروسي لتوفير منتجات الديزل والإفراج عن الاحتياطيات النفطية في عدد من الدول، قال الخوري إن العالم يقترب من موسم الشتاء الذي يرتفع خلاله الطلب على الطاقة، محذراً من أن غياب إمدادات موازية في الأسواق قد يؤدي إلى أزمة كبيرة.
وأشار إلى أن أسعار النفط سجلت مستويات بين 105 و107 دولارات قبل حلول الشتاء، محذراً من أن تجاوز السعر 150 دولاراً قد يهدد الاقتصادات الكبرى والصغرى على حد سواء.
وانتقد قرار أوروبا مقاطعة الغاز الروسي، معتبراً أنه تسبب في تكاليف اقتصادية كبيرة، وقال إن التحركات الأمريكية الأخيرة تعكس، بحسب رؤيته، أهمية إعادة التوازن إلى الأسواق عبر استمرار قنوات التعامل بين الدول وفقاً للمصالح.
وأعرب عن أمله في عودة سعر النفط إلى نحو 82 دولاراً، بما يسمح للاقتصاد العالمي بتجاوز الأشهر الأربعة أو الخمسة المقبلة، إلى حين اتضاح تداعيات أزمة المضائق والحرب المرتبطة بإيران.
واختتم الخوري بالتأكيد أن شيئاً غير مضمون في ظل اضطراب الوضع الجيوسياسي وصعوبة التنبؤ بمساراته، معتبراً أن الإجراءات الحالية تمثل خطوات تحوطية تستهدف الحد من انفلات أسعار النفط وتجاوزها مستويات المئة دولار.