هل صنع الرجل من نفسه أسطورة؟ عاش هيمنغواي أيامه مشهورًا، ثريًّا، لا يعرف الفشل طريقًا إلى حياته. امتلك عقلًا وجسدًا قويين، فانتزع بهما كل متعة في طريقه إلى الحياة: نوبل في الأدب, والسفر، والمغامرات، والمال، وكل ما يمكن أن تمنحه الحياة للإنسان.
لكن حين خارت قواه بحكم طبيعة الحياة، وبدأ يشعر بالضعف، وأدرك أنه لم يعد قادرًا على عيشها كما كان يفعل من قبل، اقتحم الخوف قلبه. كان يشعر بالعجز وفقدان السيطرة على جسده الذي طالما أطاعه.
قد يصنع الإنسان من نفسه أسطورة، وقد يحفر قبره بيده؛ فكلا الاتجاهين متقاربان، يفصل بينهما خيط رفيع. فمن يعتز بالقوة قد يصاب، عند أول شعور بالوهن، بأسى عميق؛ فالقوة التي طالما نادى بها لم تعد تطاوعه. وربما كان خوفه قابعًا في نفسه منذ اللحظة الأولى، إذ يدرك أن هذه اللحظة قادمة لا محالة، فيهرب منها قدر استطاعته، فإذا به، عند أول مواجهة، يخضع للحقيقة التي ظل يهرب منها: إنها أقوى منه، وإن عوامل الزمن والطبيعة لا تحابي أحدًا، ولا ينجو من قوانينها كائن حي.
وقد يؤثر الإنسان الموت على الرضوخ لهذه الحقيقة.
إن العقل القوي الذي ألهم هيمنغواي الفتوحات في عالم الأدب، وجلب له الشهرة والثراء والمغامرات، هو نفسه الذي أملى عليه أمنية البقاء على حاله؛ وهو أمر مستحيل، كان عليه أن يذعن لحقيقته. لكن العقل، في معاركه النفسية وحروبه المنطقية، قد يظل أسيرًا لما يريد، حتى يأتي الواقع والطبيعة فينتصران عليه، ويغلبان أقوى الأقوياء، فلا يستثنيان أحدًا.
إن مواجهة العقل لنفسه هي المواجهة الأصعب، وقد تكون خطيرة على المرء حين يترك للعقل عنانه، فيتعرى الإنسان أمامه، وربما استجاب لمنطق الخلاص، بحثًا عن الراحة الأبدية التي تعفيه من العذاب النفسي والشعور بالضعف. وهكذا قد يتحول منطق القوة العقلية إلى أداة تقود صاحبها إلى حتفه، حين يعجز عن كبح جماحها أو وضع حد لاستنتاجاتها، فتقوده إلى نتيجة خاطئة.
فالعقل وحده، حين ينفرد بالتحكم في قرارات الإنسان، قد يخطئ. هناك الشعور الذي يساعده في تكوين آرائه، أو يساهم في اتخاذ قراراته، وهناك الضمير والتجربة، وهي جميعًا عوامل تتعاون في الوصول إلى الاختيار الصحيح.
وليست المشكلة في العقل ذاته، بل في الأصوات المتعددة التي تنطق باسمه، فتتآلف حينًا وتتناقض حينًا آخر، وتحتار النفس في الاختيار بينها. وبين الإقبال والإدبار تتردد النفس، وقد تغرق في بحر خضم من الأفكار التي تبدو متناقضة. فأي طريق تسلك؟ وأي قرار تعتنق؟ ثم تأتي ساعة قد يختار فيها الإنسان أن ينهي هذا كله.
ولا شك أن ميول الإنسان ورغباته تؤدي دورًا كبيرًا في سلوكه طرقًا قد يأباها العقل والمنطق. وقد يجعل الإنسان من العقل مطية لتبرير كل فعل يؤلم ضميره، فيتخلص من عناء اللوم والتبكيت.
فما بين باطن الإنسان وعقله علاقة معقدة، وقد يبني العقل جسرًا تعبر عليه الميول والأهواء، هربًا من جلد الذات أو الشعور بالنفور من النفس. فالعقل قادر على خداع الإنسان لنفسه، من خلال منطق يرضيه ويعتمد عليه في تبرير أفعاله.
وقد يستخدم العقل في تحطيم المبادئ السلاح نفسه الذي استخدمه في بنائها؛ وبالطريقة ذاتها التي يحارب بها الإنسان آثامه وخطاياه، قد يجد لها المبرر الشرعي لارتكابها.
وربما كان ذلك دأب بعض العباقرة من بني البشر؛ إذ يستطيع الواحد منهم أن يجد لنفسه مخرجًا من كل ضيق يلم به أو يعتريه، فيهوي بنفسه إلى الهاوية، راضيًا عن فعله، مطمئنًا إليه.
خالد دومة يكتب: أدباء على حافة الهاوية هيمنغواي.. فلسفة القوة
الإثنين، 12 أكتوبر 2026 08:09 م
خالد دومة