قيل إن رجلاً دخل مكتبة، وسأل أمينها : أين أجد الكتب التي تغير حياة الإنسان؟ فنظر إليه وقال : فى الرفوف القديمة.
سأله الرجل : ولماذا القديمة ؟ فقال : لأن الجديدة مشغولة الآن بتغيير رأي الناس في نفسها. لا أعرف إن كانت الحكاية حقيقية أم أن أحدهم اخترعها ليضحكنا، لكنني كلما تذكرتها شعرت أنها تلخص شيئًا من زماننا. فقد كان الإنسان يذهب إلى الكتاب ليعرف شيئًا. ثم جاء زمن يذهب فيه إلى الكتاب ليعرف رأياً، ثم جاء زمن لم يعد فيه يريد جملة، وإذا كانت الجملة طويلة يريد نصفها.
كان المثقف قديمًا رجلًا مزعجًا، لا لأنه كان يرفع صوته، وإنما لأنه كان يجعل الناس يفكرون. قد تقرأ له جملة، فتظل مستيقظًا بسببها، أو تدخل محاضرة وأنت تظن أنك تعرف كل شيء، وتخرج منها وأنت تشك في نصف ما تعرف.
وفي أمريكا ، حين يختلف الناس حول قضية، قد يبدأ السؤال: ماذا تقول الجامعة ، وماذا تقول الدراسات، وماذا تقول الأرقام؟ وفي أوروبا، ما زالت الجامعة والمكتبة والمتحف والندوة أماكن يعيش فيها السؤال، لا مجرد أماكن تحفظ الإجابات. أما عندنا ، ففي أحيان كثيرة، يصبح السؤال أبسط من ذلك كله. انت مع من؟ وكأن الاختلاف في الرأي لم يعد يحتاج إلى حجة، وإنما إلى بطاقة عضوية.
وكانت وظيفة المثقف أن يفسد علينا راحة اليقين ، فإذا به اليوم مطالب بأن يؤكد لنا ما نعرفه أصلا ً. فإذا قلت للناس ما يحبون سماعه، قالوا: هذا مثقف عظيم، وإذا قلت ما يزعجهم، قالوا : لا يفهم شيئًا. والمفارقة أن التكنولوجيا أعطت الكاتب فرصة لم يحلم بها، فأصبح يستطيع أن يقول رأيه للعالم كله في لحظة، لكنها أخذت منه شيئًا بسيطًا جدًا، أن ينتظر العالم حتى ينتهي من كلامه.
ولست أظن أن المثقف اختفى، فهو ما زال موجوداً ، ولكن العالم من حوله تغيّر، كان يجلس خلف مكتب تملؤه الكتب، أو في مقهى يناقش فكرة حتى منتصف الليل، أما الآن فقد تجده أمام شاشة صغيرة، يكتب لجمهور لا يعرفه، وربما لا يعرفه الجمهور أيضًا.
لكن مهمته لم تتغير، أن يقول للناس: انتبهوا هناك شيء لم تروه ، وسؤال لم تسألوه. وربما لا يكون السؤال الحقيقي : أين اختفى المثقف؟ وإنما: أين اختفى الإنسان الذي يريد أن يفكر؟ فالمثقف من دون قارئ يشبه طبيبًا في مدينة لا يريد أحد فيها أن يمرض، يظل موجودًا ويحمل أدواته، لكن لا أحد يأتي.
وربما كان أخطر ما يحدث للثقافة ليس أن تختفي الكتب، بل أن تبقى الكتب موجودة، وأن تبقى المكتبات مفتوحة، وأن يبقى المثقف يكتب، ثم لا يجد أحد الوقت ليفتح كتاباً ، أو يصغي إلى فكرة، أو يحتمل سؤالاً لا يملك له إجابة. وعندها لن نحتاج إلى أن نسأل: أين ذهب المثقف؟ سنحتاج إلى سؤال أصعب: ماذا حدث لنا حتى لم نعد نحتاج إليه؟