عجيبٌ هذا العضو الصغير الرطب، القابع في ظلمة الفم، المحاط بأسوار من الأسنان! لا يحتوي على عظمة واحدة، ولا يحمل وزناً يُذكر، لكنه قادر على هز جبال من المشاعر، وكسر أعتى القلوب، وهدم بنيان أرواح بنيت في سنوات، بكلمة واحدة طائشة خرجت في لحظة غضب.
جراح الكلمات لا تبرأ بسهولة
نمر في حياتنا اليومية بآلاف العبارات، منها ما يمر كنسيم الصباح يلطف وجداننا، ومنها ما ينزل كالصاعقة فيترك ندوباً غائرة لا تمحوها الأيام.
إن القوة الحقيقية للسان لا تكمن في صلابته الجسدية، بل في قدرته الشديدة على الصياغة؛ فالكلمة حين تخرج من بين الشفتين كالرصاصة تماماً، لا يمكن استردادها ولا الاعتذار عن مسارها بعد أن تصيب الهدف.
كم من علاقة وطيدة قطعها قول جاف، وكم من نفس طموحة أُحبطت بتهكم عابر، وكم من بيت عامر تهدمت أركانه بلحظة طيش لفظي!
هندسة اللفظ ورحمة القول
من هنا تأتي أهمية التريث واختيار المفردات بعناية قبل إطلاقها في أثير الآخرين، فالكلمة الطيبة ليست مجرد تهذيب ظاهري أو مجاملة عابرة، بل هي استثمار إنساني ورحمة مهداة.
ينبغي أن يُستخدم اللسان لترميم النفوس لا لجرحها، ولجبر الخواطر لا لكسرها، عندما نختار كلماتنا برفق، فنحن لا نرحم المظلوم أو المحتاج أو الصديق فحسب، بل نحمي أنفسنا أيضاً من مرارة الندم التي تعقب كل كلمة جائرة.
التوجيه الإلهي ونداء الإنسانية
وقد لخصت الآية الكريمة «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» هذه الفلسفة الإنسانية الراقية في كلمات معدودة؛ إذ لم تخصص الآية طائفة دون أخرى، بل جاءت عامة وشاملة لكل البشر. إنها دعوة صريحة للارتقاء بالخطاب، وجعل اللسان جسراً للمودة لا سيفاً مسلطاً على رقاب الإحساس.
في عالم يمتلئ بالضغوط والتعقيدات، يحتاج كل منا إلى كلمة حانية تشد أزره وترمم ما هدمته الأيام، فلنكن نحن أصحاب الأثر الطيب، ولنجعل من ألسنتنا بلسم شفاء لا أداة إيذاء.
محمود عبد الراضي ، مقالات محمود عبد الراضي، الكلمة الطيبة، اللسان وقولوا للناس حسنا جبر الخواطر اختيار الكلمات العلاقات الإنسانية الأثر الطيب التهذيب اللفظي سلامة الصدر جراح الكلمات