تواجه أوروبا وأمريكا اللاتينية موجة جديدة من الضغوط المعيشية مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد تكلفة بعض السلع الغذائية، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة والشحن والتجارة العالمية، لتتحول أسعار الديزل من أزمة تخص سائقي السيارات وشركات النقل إلى عامل يهدد بتوسيع فاتورة الغذاء بالنسبة للمستهلكين.
وفي أوروبا، سجل التضخم في منطقة اليورو خلال سبتمبر الماضي 3.8% على أساس سنوي، مقابل 3.2% في أغسطس، بحسب التقدير الأولي للمكتب الأوروبي للإحصاءات «يوروستات». وكان قطاع الطاقة المحرك الأبرز للزيادة، بعدما قفز تضخم الطاقة إلى 18.8%، مقارنة بـ14.3% في أغسطس، بينما ارتفع تضخم الغذاء والكحول والتبغ إلى 1.4% من 1.1%.
وتزامن ذلك مع ارتفاعات حادة في أسعار الوقود في أنحاء القارة. ووفق بيانات أوروبية، وصلت تكلفة ملء خزان سعة 50 لترًا إلى نحو 108 يورو للديزل بينما تجاوز متوسط أسعار الوقود في الاتحاد الأوروبي مستوى قياسيًا خلال سبتمبر.
إيطاليا وإسبانيا.. الديزل يضغط على النقل
وتظهر إيطاليا وإسبانيا حجم الضغوط التي تواجهها الأسر وقطاعات النقل. ففي إيطاليا انتهى في السادس من أكتوبر آخر تخفيض ضريبي على الديزل بقيمة 6.1 سنت يورو للتر، ما أعاد الضريبة إلى مستواها المعتاد، وسط تحذيرات من شركات النقل من ارتفاع تكاليف التشغيل.
أما في إسبانيا، فقد ارتفع سعر الديزل بنحو 8% خلال سبتمبر رغم تطبيق تخفيض ضريبي قدره 20 سنتًا للتر، ووصل سعره إلى مستويات تقارب 1.9 يورو للتر، وهي من أعلى المستويات المسجلة منذ عام 2022. كما سجل التضخم الإسباني 4.9% في سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ 2023، وفقا لتقرير نشرته صحيفة الباييس الإسبانية.
ولا تقتصر تداعيات أزمة الوقود على تكلفة التنقل؛ فارتفاع سعر الديزل يزيد نفقات نقل المحاصيل والمواد الغذائية من المزارع والموانئ إلى الأسواق، كما يرفع تكاليف تشغيل المعدات الزراعية والتبريد والتخزين.
الغذاء العالمي يدخل دائرة الخطر
وفي الوقت نفسه، أظهرت أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» أن مؤشرها العالمي لأسعار الغذاء ارتفع في سبتمبر بنسبة 1.5% مقارنة بأغسطس، وبنسبة 5.8% على أساس سنوي، ليصل إلى 136 نقطة.
وكانت الحبوب من أبرز مصادر الضغط، بعدما ارتفع مؤشر أسعارها 5.1% خلال شهر واحد، مع صعود أسعار القمح 6.3% والذرة 5.6%. كما ارتفع مؤشر الزيوت النباتية 0.9%، والسكر 6.1%، بينما تراجعت أسعار اللحوم ومنتجات الألبان بشكل طفيف.
وحذرت «فاو» من أن اضطرابات النقل في مضيق هرمز والبحر الأسود، إلى جانب الصدمات المناخية، تضغط في الوقت نفسه على الطاقة والنقل والسلع الغذائية، مشيرة إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى انتقالها تدريجيًا إلى أسعار الغذاء التي يدفعها المستهلك، خصوصًا في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الغذاء والطاقة.
أمريكا اللاتينية.. الديزل يواجه صدمة جديدة
وفي أمريكا اللاتينية، لا تبدو الصورة مختلفة كثيرًا، إذ أظهرت بيانات منظمة الطاقة في أمريكا اللاتينية والكاريبي أن تضخم الطاقة في المنطقة وصل إلى 8.03% في يونيو 2026، وهو أعلى مستوى خلال العام حتى ذلك الوقت، مدفوعًا بارتفاع تكاليف الاستيراد والتكرير والنقل.
كما ظلت أسعار البنزين والديزل أعلى من مستويات ما قبل الصدمة، مع ارتفاع متوسط سعر الديزل بنحو **13%** عن مستواه السابق للأزمة، بحسب بيانات المنظمة.
وفي البرازيل، ارتفع سعر ديزل «S-10» بنحو 7% خلال شهر واحد، بزيادة قدرها 0.47 ريال للتر، ووصل سعره في بعض محطات الوقود إلى 7.35 ريال، وفق بيانات حديثة نقلتها صحيفة «فوليا دي ساو باولو». ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه البرازيل بدرجة كبيرة على واردات الديزل، ما يجعل السوق المحلية حساسة لأي اضطراب في الإمدادات العالمية، وفقا لصحيفة فولها دى ساو باولو.
لكن ارتفاع الوقود لا يعني أن جميع أسعار الغذاء تتحرك بالوتيرة نفسها في أمريكا اللاتينية. ففي البرازيل، أظهرت القراءة الأولية للتضخم لشهر سبتمبر ارتفاع أسعار الغذاء المستهلك في المنازل بنسبة 0.38% خلال الشهر، مع قفزة الطماطم 20.76% والأرز 2.39% واللحوم 1.30%..
وفي بيرو، ارتفع التضخم السنوي إلى 4.5% في سبتمبر، وسط ضغوط مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود وبعض المواد الغذائية؛ إذ قفزت أسعار وقود السيارات 5.2% والطماطم 28.9% والسكر 16.2% خلال الفترة نفسها، بحسب بيانات نقلتها «بي بي في إيه ريسيرش
الأرجنتين.. الوقود والحبوب في دائرة الضغط
وفي الأرجنتين، دخلت أسعار البنزين والديزل شهر أكتوبر تحت ضغط إضافي مع استحقاق زيادات ضريبية مؤجلة، بالتزامن مع بقاء أسعار النفط العالمية فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وفق بيانات «بلومبرج إل بي إيه.
وفي المقابل، تظهر ضغوط أسعار الغذاء أيضًا في أسواق الحبوب. فقد سجل سعر الذرة الأصفر في الأرجنتين خلال أغسطس مستوى أعلى بنحو 17% عن العام السابق، بينما كانت أسعار القمح أعلى بنحو 23% على أساس سنوي، وفق رصد منظمة الأغذية والزراعة.
من محطة الوقود إلى سلة المستهلك
وتكشف هذه التطورات أن أزمة الديزل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بسلسلة الغذاء بأكملها. فكل ارتفاع في تكلفة الوقود يضيف عبئًا إلى النقل البري والبحري، ويرفع تكلفة تشغيل الآلات الزراعية والري والحصاد، فضلًا عن التخزين والتبريد والتوزيع.
وفي الوقت نفسه، تؤدي اضطرابات الشحن وارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة إلى زيادة تكلفة إنتاج المحاصيل ونقلها عبر الحدود، ما يجعل الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد عرضة لتداعيات أكبر.
وتظهر المؤشرات الحالية أن أوروبا تواجه مزيجًا من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتزايد تكلفة الوقود، بينما تشهد أمريكا اللاتينية تفاوتًا أكبر بين الدول، مع استمرار تأثير أسعار الديزل على النقل والإنتاج والغذاء.
وبينما تحاول الحكومات الحد من انتقال الصدمة إلى المستهلكين عبر خفض الضرائب أو تقديم الدعم أو وضع سقوف للأسعار، تبقى قدرة هذه الإجراءات على كبح الموجة مرتبطة بتطور أسعار النفط واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
ومع استمرار اضطرابات الطاقة والنقل، يظل الخطر الأكبر بالنسبة للمستهلك هو أن تتحول أزمة الديزل من ارتفاع مؤقت في أسعار الوقود إلى موجة أوسع تضغط على تكلفة الغذاء والنقل والخدمات في الوقت نفسه.