استيعاب الإنسان للمفاهيم المرتبطة بعقيدته بصورة صحيحة وفق السياق الواردة به يدفعه لممارسة سلوكيات تترجم ماهية تلك الرؤى في تعاملاته مع ذاته والآخرين من حوله؛ فيتكون الإيمان بثمرتها وضرورتها في مسيرته؛ لتنير له الطريق وتنقذه من براثن الظلام والضلال وتعين عقله على إعمال الفكر في ضوء براهين وشواهد ترقى لمستوى اليقين؛ فنجد أن الأبعاد المعرفية والسلوكية والوجدانية متناغمة لا تنفصل عن بعضها البعض؛ ليؤدي المرء ما عليه من التزامات بوعي ناضج يرسخ المعتقد في الوجدان ويضبط الانفعالات والمشاعر في الاتجاه القويم؛ فيزيد من مراحل الإيمان ويصبح مؤشرًا نحكم به على تجذر المعتقد في النفس البشرية.
ماهية الفهم العقائدي السليم تنظم تفاصيل حياتنا في صورها المختلفة وتجعل تعاملاتنا جاذبة للآخرين، وتوحد صفوفنا حتى أثناء أداء الشعائر، وتقوي الروابط بين أفراد المجتمع وإن لم يكن هناك صلة للدم؛ فتتشكل حالة من الاندماج المجتمعي وتتكيف الأرواح مع سبل البر والتقوى وتجتمع الآراء على كل ما ينفر من النفوس التي جبلت على الطيب من القول والفعل؛ فتعاليم السماء لها قدسية بالغة تجعل الوازع الداخلي بمثابة أداة تقيم السلوك، وتقوم الممارسة غير السليمة، وتخلق نفسًا لوامة تراجع أفعالها وتستحسن الطيب منها وتستبعد ما يؤذي الغير؛ فنرى مجتمعات متكاتفة تسعى نحو دروب المعروف وتبتعد عن أبواب المنكرات.
شعارات سياسية في أثواب عقائدية وادعاء الأفضلية واحتكار الحقيقة المطلقة
لجأت جماعة الإخوان إلى استخدام نصوص فضفاضة مثل رفع شعار الحل الإسلامي في كافة معاركها الانتخابية والسياسية؛ ليظن الناخب البسيط أن إعطاء صوته لمرشحهم يعد نصرة لدين الله وأن اختيار غيره يعادل الوقوف ضد الشريعة؛ فيفرغ هذا التوظيف الماكر العملية الديمقراطية من محتواها المبني على خطط اقتصادية واجتماعية ويحولها إلى معركة مقدسة لا تقبل النقاش؛ فيتشوه الإدراك السليم لدى العامة ويصبح الدين مطية للوصول إلى السلطة وتحقيق مآرب دنيوية لا علاقة لها بصحيح الدين أو مقاصده السامية التي تدعو للرقي المجتمعي والتنافس الشريف في خدمة الأوطان والمواطنين على حد سواء.
عمل هذا التنظيم الإرهابي على غرس فكرة محددة في عقول الأتباع والمجتمع المحيط تفيد بأن رؤيتهم الخاصة للإسلام هي التفسير الصحيح الشامل، وأن مشروعهم الحزبي هو إرادة الخالق على الأرض؛ فيؤدي هذا الاستحواذ المتعمد إلى إقصاء أي رؤية دينية أو سياسية مخالفة ويجعل توجيه النقد لهم أو معارضتهم بمثابة هجوم مباشر على ثوابت الشريعة ذاتها؛ فينشأ حاجز نفسي بين أعضاء الجماعة وباقي أطياف الشعب، وتتولد مشاعر التعالي التي تعمي البصيرة عن رؤية الأخطاء، وتمنع المراجعة النقدية للأفكار، وتغلق نوافذ الحوار العقلاني الذي تبنى عليه المجتمعات المتحضرة.
تحويل دور العبادة لمقرات حزبية وتطويع المفاهيم لخدمة الهيكل التنظيمي
استغلت هذه الفئة المساجد والزوايا وحلقات التحفيظ كمنصات نشطة للتعبئة الجماهيرية؛ فبدلاً من ترك المسجد مكانًا للروحانيات وتجميع أطياف المجتمع على اختلاف مشاربهم، جرى تحويله إلى مقر نشط لإلقاء الخطب الموجهة وتوزيع المنشورات وحشد الرأي العام ضد المنظومة الرسمية أو الخصوم تحت ستار الدعوة والإرشاد؛ فتفقد بيوت الله وظيفتها الأساسية الكامنة في نشر الطمأنينة والموعظة الحسنة، وتتحول إلى ساحات للصراع وتبادل الاتهامات وبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد؛ فتتمزق النواة الاجتماعية وتتلاشى معاني الأخوة التي حرصت العقائد السماوية على ترسيخها في نفوس المؤمنين ليحيوا في سلام ووئام.
عمدت القيادات الجماعة الإرهابية إلى تحريف مفاهيم تاريخية راسخة مثل البيعة لتوظيفها في خدمة أغراضهم الخاصة؛ فيُجبر العضو الجديد على إعطاء قسم مغلظ بالولاء والسمع والطاعة للمرشد العام أو من ينوب عنه؛ فيصبح الخروج عن قراراتهم أو معارضة توجهاتهم بمثابة حنث باليمين ومعصية دينية تستوجب العقاب؛ فيلغى التفكير النقدي لدى الأتباع وتتحول العقول إلى آلات صماء تنفذ الأوامر دون تمحيص أو تدبر؛ فتسلب إرادة الفرد وتصادر حريته الفكرية التي كفلها له الخالق ليصبح أداة طيعة تحركها أهواء قادة يبحثون عن مكاسب شخصية مغلفة بغطاء من الورع الزائف.
صبغة مقدسة للصراعات الدنيوية العابرة واستغلال الحاجات الإنسانية لصناعة التبعية
شهدت المنعطفات المهمة مثل الاستفتاءات والانتخابات مساعي لتصوير المعارك التنافسية على أنها صراع وجودي بين أنصار الشريعة وأعداء الدين؛ فبرز هذا بوضوح في محطات تاريخية قريبة حين تم إيهام الفئات البسيطة بأن وضع علامة الموافقة في صناديق الاقتراع يضمن دخول الجنة ويعد نصرة للحق؛ فتتأجج المشاعر وتغيب العقول عن تقييم المشهد بموضوعية وتتحول الممارسة السياسية الطبيعية إلى غزوات وهمية تستباح فيها أعراض المخالفين وتخون وطنيتهم؛ فتتعمق الانقسامات وتزرع بذور الفتنة التي تأكل الأخضر واليابس وتعرقل أي جهود حقيقية للنهوض بالدولة أو تحقيق استقرار مجتمعي مبني على احترام التعددية وقبول الآخر.
أنشأت الجماعة الإرهابية شبكات واسعة من المستوصفات وجمعيات كفالة الأيتام معتمدة على أموال الزكاة والصدقات؛ ليكمن الهدف الخفي خلف هذا المظهر الإنساني في بناء قاعدة جماهيرية واسعة ترتبط بهم اقتصاديًا وتدين لهم بالولاء المطلق؛ فيتم حشد هذه الكتل البشرية لاحقًا في الميادين وأمام لجان التصويت كرد للجميل واستجابة لنداء العاطفة؛ فيتحول العمل الخيري النبيل إلى رشوة مقنعًة تشتري الذمم وتستغل فقر المحتاجين وعوزهم لتحقيق تفوق عددي مصطنع؛ فتفسد نبل المقاصد وتتشوه معاني التكافل الاجتماعي الخالصة لوجه الله تعالى، لتصبح ورقة ضغط تستخدم في أوقات الأزمات لتهديد السلم العام وابتزاز مؤسسات الدولة.
ترويج أفكار العزلة وتكفير المجتمعات ومرونة مفرطة في الفتاوى لخدمة المصالح
أدمجت هذه الكيانات في أدبياتها المتأخرة أفكارًا متطرفة تعتمد على تفسير متعسف لمفاهيم الحاكمية؛ ليتم تصوير المجتمعات المعاصرة والدول الوطنية ومؤسساتها الرسمية على أنها تعيش في عصور الجاهلية الأولى؛ فيبرر هذا الطرح المنحرف عزل الشباب شعوريًا عن محيطهم وأوطانهم ويمهد الطريق فكريًا وعمليًا لمواجهة السلطة واستخدام العنف متى سنحت الفرصة؛ فتتولد بيئة خصبة لنمو التطرف والإرهاب وتغيب قيم التسامح والتعايش السلمي؛ فيصبح الشاب فريسة سهلة لأوهام التغيير بالقوة ويسعى لتدمير مجتمعه ظانًا أنه يبني مجدًا زائفًا بينما هو في الواقع يهدم مقدرات وطنه ويهدر طاقاته في صراعات عبثية لا طائل منها.
عمد المفتون التابعون للجماعة الإرهابية إلى تحريف النصوص وتفصيل أحكام شرعية تبرر تقلباتهم ومواقفهم المتناقضة؛ فما كان يصنف كحرام وتفريط في ثوابت الأمة بالأمس يصبح فجأة حلالًا وتطبيقًا لفقه الضرورة والمصالح اليوم إذا اقتضت الحاجة ذلك؛ فيؤكد هذا التلاعب الواضح أن الأحكام الشرعية كانت تطوع لخدمة التوجهات الحزبية وليس العكس؛ فتفقد الفتوى هيبتها ومصداقيتها في نفوس الناس وتصبح مجرد أداة لتبرير الانتهازية السياسية؛ فتختلط المفاهيم وتضيع معالم الحق وسط ركام من التأويلات الفاسدة التي تهدف فقط للحفاظ على المكتسبات الدنيوية وتبرير التحالفات المشبوهة حتى لو كانت مع أعداء الأمس وخصوم العقيدة.
تغليب الكيان العابر للحدود على الأوطان واختراق منافذ التنشئة للسيطرة على العقول
رسخت الأدبيات الخاصة بهم في عقول الأفراد هدفًا وهميًا ينشد السيطرة العالمية؛ فجعل هذا المفهوم ولاء العضو للتنظيم الخارجي وللقيادة العليا أقوى وأهم من ولائه لدولته وحدودها ومؤسساتها الوطنية؛ فيتم تغليف هذا المأرب التوسعي بغطاء ديني عاطفي يغازل أحلام استعادة الماضي؛ فيضعهم هذا التوجه في صدام حتمي ودائم مع مقومات الدولة الحديثة ويجعلهم خنجرًا مسمومًا في ظهر أوطانهم مستعدين للتضحية بأمنها واستقرارها تلبية لنداء قيادات تقبع في الخارج لا تعبأ بمصالح الشعوب، ولا تدرك حجم التحديات التي تواجه الحكومات الوطنية في سعيها الدؤوب لتحقيق التنمية الشاملة وتوفير سبل العيش الكريم لمواطنيها.
أدرك قادة التنظيم الإرهابي مبكرًا أن السيطرة الحقيقية تبدأ من الاستحواذ على عقول النشء؛ فوظفوا أدواتهم المتعددة للتغلغل داخل المدارس والجامعات والنقابات المهنية؛ فلم يكن مسعاهم نشر الفضيلة أو الأخلاق الحميدة بقدر ما كان محاولة جادة لأدلجة وعي الطلاب بأفكار محددة تخدم مساراتهم المخططة؛ ليصبح هؤلاء الشباب لاحقًا جنودًا مخلصين وأدوات في الماكينة الدعائية والإعلامية؛ فتُغتال براءة الطفولة وتُصادر طاقات الشباب لتبني أوطانها لتتحول إلى معاول هدم تسعى إلى تخريب النسيج المجتمعي وتنفيذ أجندات خفية تستهدف إضعاف الدولة وضرب استقرارها من الداخل عبر نشر الشائعات وبث روح اليأس والإحباط في النفوس.
منظومة القيم وسمو الأخلاق والسكينة الداخلية وحماية الأجيال
تحض شرائع السماء على أخلاقيات نبيلة لا تختلف مبادئها من رسالة لأخرى؛ لندرك أن الإدراك السليم ينبني على مجموعة من المبادئ التي تمنح المرء قناعة راسخة في تصرفاته وقوة في ممارسة صحيح العمل؛ فمرضاة الخالق تشكل الهدف الأسمى مبتعدين عن عادات وتقاليد قد يبتدعها أناس زاغ تفكيرهم عن مقاصد الأديان؛ فنرصد ثمرة هذا النقاء في رضا صاحبه واعتدال ميوله واتجاهاته نحو وجدان راق يترجمه التعامل الظاهر والخفي؛ فيتعاون ويتشارك ويقدم أفضل ما لديه للمحيطين به ليصبح عطاؤه ممتدًا بغض النظر عن المقابل المادي العابر ولديه قناعة بأن الخير باق ويحمل أثرًا طيبًا.
الاعتقاد الجازم بأن مقاليد الكون بيد خالقه يشكل دعامة أساسية في سائر المعتقدات؛ فيصبح السلوك السوي النبيل سمة ملازمة للمرء مهما تبدلت الأحوال وتوالت الأحداث؛ فينتج عن ذلك صفاء داخلي وضمير حي يخشى الزلل ويتجنب أذى الآخرين؛ فتتوافر النوايا الحسنة فيما يؤديه من أعمال وتصبح مساحات السلام الداخلي واحة هادئة نغرس من خلالها قيمًا تحافظ على أغلى كيان وهو الإنسان؛ لنضمن ولاءه وانتماءه لوطنه ويتأكد محبته للبناء وفق قناعة بالمهمة التي وجد لأجلها؛ فنؤكد ضرورة تنمية هذا النمط المعرفي لدى الأبناء منذ نعومة أظفارهم لحمايتهم من دعاة الفتنة ومروجي الأوهام المدمرة.