خالد دومة يكتب: المُخبِر

الأحد، 11 أكتوبر 2026 12:24 ص
خالد دومة يكتب: المُخبِر خالد دومة

كان «ح» طويل القامة، جهوري الصوت، ينادي الناس بأسمائهم مجردة من الألقاب، حتى لو كانوا أكبر منه سنًّا. كان يفعل ذلك كأنما يريد أن يذكّرهم دائمًا بأنه أعلى منهم منزلة، وأنه لا يرى في أعمارهم ولا مكانتهم ما يستحق الاحترام.


في الصيف الماضي، ذهب إليه رجل ليتوسط له في بناء غرفتين استعدادًا لزواج ابنه البكر. قابله «ح» واقفًا على باب بيته، وسخر منه قائلًا إنه ليس متفرغًا الآن لمثل هذه الأمور. انصرف الرجل وفي عينيه عبرة، وقد خنقته طريقة الرجل في الكلام، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض.
كان الناس يخافون «ح». منذ عامين أبلغ عن شابين اقتيد أحدهما إلى أمن الدولة، لأنه لم يقابله بالخوف الذي اعتاد أن يراه على وجوه الناس. عاد أحد الشابين بعد أسبوع، أما الآخر فلم يعد حتى الآن.


كان «ح» في نظر كثيرين رجلًا لا يُعارض ولا يُرد له طلب. فإذا قابلوه أغدقوا عليه كلمات المدح والثناء، وكأنهم مدينون له بكل ما في حياتهم من خير. فلولاه، كما يقولون، لعمّ الجوع قريتنا الصغيرة، ولما أشرقت الشمس كل صباح ليذهب الناس إلى أعمالهم!
قال أحد أصدقائي ذات مساء إنهم أخذوه في تلك الليلة عند الفجر. انتزعوه من فوق سريره، واقتحموا عليه سكون البيت، فإذا بأبيه يرتجف رعبًا، وملامح أمه تكتسي بالسواد، وأخيه يقف عند الجدار مذعورًا.


كان الرجال ضخام الأجساد، تخرج من عيونهم شرارات حمراء توحي بالغضب. أمسك أحدهم بذراعه، فشعر كأن ملك الموت قد قبض عليه ليقوده إلى حتفه. لم يستطع المقاومة أو الاعتراض، وكان الرجال يحيطون به من كل جانب.
سألهم أبوه بصوت تقطعه أنفاس الخوف:
— إلى أين تأخذونه؟
لم يجبه أحد. تقدم رئيسهم ودفع الأب بكلتا يديه، فسقط على الأرض. اندفعت الأم وأخوه إليه ليساعداه على النهوض، أما هو فظل ينظر إلى أبيه الملقى على الأرض، حتى التقت عيناه بعينيه.
وقال لي صديقي إن تلك النظرة كانت أشد ما آلمه في حياته.
لم يكن قد رأى أباه بهذا الحجم من قبل. كان رجلًا يخشاه الجميع في البيت؛ تكفي نظرة من عينيه لتربكهم، وقد تكون كلماته أحيانًا أشد وقعًا من السياط. لكن الأب الذي رآه في تلك اللحظة لم يكن الرجل الذي عرفه. كان خائفًا، عاجزًا، وقد تحطمت الكلمات في حلقه، ولم يعد في عينيه سوى الضعف والخزلان
وحين سقطت دمعة من عيني صديقي، لم يكن خوفه من المصير الذي ينتظره هو السبب، وإنما تلك النظرة التي حفرت في نفسه ألمًا عميقاً. لقد رأى أباه للمرة الأولى إنسانًا عاجزًا عن حمايته، وشعر أن شيئًا في داخله قد انكسر إلى الأبد.
ركبوا السيارة، وعند حدود البلدة وضعوا عصابة على عينيه. أخذت الدموع تتساقط من تحتها، بينما كان صوت المحرك وجللت السيارة تطأ على صدري. ثم صمت مطبق، وعينان محجوبتان عن رؤية الطريق، وخيال لا يستطيع كبح جماحه.
راح يضرب أخماسًا في أسداس، محاولًا أن يهرب من صورة أبيه التي ظلت تلاحقه.
هو لم يفعل شيئًا!
لم يتحدث في السياسة، ولم يعتدِ على أحد، ولم يسرق، ولم يؤذِ جارًا، ولم يأكل حق إنسان. أخذ يراجع أفعاله، يبحث عن ذنب يمكن أن يفسر ما يحدث له، لكنه لم يجد مخرجًا.
حتى صلاته أخذت تشغله. لم يكن ملتزمًا بها على الدوام؛ يصلي أحيانًا في المسجد، وأحيانًا في البيت، وقد تفوته أوقات أخرى. لكنه لم يستطع أن يفهم ما علاقة تقصيره في الصلاة برجال اقتحموا بيته ليلًا، وانتزعوه من فراشه، وألقوا بأبيه على الأرض.
أنزله أحد الرقباء، وسحبه من يده، ثم شد العصابة فوق عينيه. سار به في ممر طويل، حتى أدخله حجرة صغيرة، أو زنزانة لا تكاد تتسع إلا لجسد واحد.
أغلق الباب خلفه بإحكام.
كان ضوء خافت يتسلل من شراعة صغيرة في الباب، وشعر كأنه في كهف بعيد، لا يشعر به العالم. لو صرخ بأعلى صوته، فلن يسمعه أحد.
كان الصمت مريعًا، وعلى الجدران المعتمة بدت له خيوط أشباح الموت تلتف حول عنقه كأنها تنتظر إشارة لتلقي بثقلها فوق صدره وتكتم أنفاسه.
لم يعد للوقت حد أو معنى. الدقائق ساعات، والساعات قرون. لم يكن في الزنزانة شيء سوى الخوف، وصور تتزاحم في رأسه، ونظرة أبيه الذي ظل ملقى على الأرض في اللحظة التي اقتادوه فيها بعيدًا.
وبعد ساعات بدت له كأنها سنوات، سمع وقع أقدام تقترب من الممر الطويل.
أهذه اللحظات الأخيرة قبل الإعدام؟
هل انتهت حياته هنا، في هذه الحجرة التي لا يعرف أحد أنه فيها؟
انفتح الباب، وجاءه صوت خشن:
— إنت يا ابن الوسخة، تعال!
كانت أمه امرأة طيبة، لم تعرف في حياتها إلا البيت وتربية أبنائها. تغاضى عن الكلمات القبيحة، ولم ينطق بحرف. نهض من الزاوية التي كان يجلس فيها، وسار خلف الرجل بقلب وجل ومصير مجهول.
أدخلوه حجرة أخرى عند بداية الممر. كان فيها مكتب يجلس خلفه رجل ضخم الجسد، تبدو عليه آثار ممارسة الرياضة. أشار إليه بالجلوس، فجلس على كرسي في منتصف الحجرة، في مواجهته، بينما وقف خلفه الرجل الفظ، صاحب الشتائم والكلمات النابية.
أشعل رئيسهم سيجارة، وأخذ ينفث دخانها في الهواء، حتى امتلأت الحجرة برائحة التبغ، واختلط الدخان بخوفه، فكاد يشعر بالاختناق.
بدأ يسأله عن حياته، وتعليمه، وكيف يقضي وقته، ومن هم أصدقاؤه، وما الموضوعات التي يتحدثون فيها.
أجابه بصدق. لم يكن له نشاط يخشى أن يؤخذ عليه، ولم يكن يخفي شيئًا يعتقد أنه يستحق العقاب. ظل يجيب عن الأسئلة دون أن يتلعثم، واستمر التحقيق ساعتين أو أكثر.
ثم نظر الرجل إلى السجان، فأخذه وعاد به إلى الزنزانة.
وضعوا له قليلًا من الطعام وزجاجة ماء صغيرة، ثم تركوه. لم يستدعوه مرة أخرى.
وبعد أيام أطلقوا سراحه.
لم يعرف لماذا أفرجوا عنه، ولا ما إذا كان الأمر قد انتهى فعلًا. ربما كانت وشاية كاذبة، وربما لم يجدوا ما يدينونه به. لكنه ظل يعتقد أن طريقة معاملته للمخبر «ح» لم ترضِه، وأن الرجل ربما كان وراء ما حدث له.
ظلت صورة أبيه تلاحقه، وظل يتذكر تلك النظرة التي رآها في عينيه. وكان كلما فكر في «ح» أدرك أن عليه أن يسالمه، وأن يجاريه، وربما ينافقه أيضًا. لم يكن يعرف أن صديقه الآخر قد اقتيد في الليلة نفسها، وأنه كان إلى جواره في السيارة، لا يعلم أحدهما بوجود الآخر.
لقد خرج هو، أما صديقه فلم يعد يعرف أحد عنه شيئًا.
وبعد ذلك، كلما قابل «ح»، تغيرت معاملته له. صار يحييه باحترام، ويغدق عليه كلمات التبجيل، ويحرص على ألا يغضبه. وكان «ح» يبتسم له ابتسامة الظافر في معركة، كأنه يعرف أن الرجل الذي يقف أمامه لم يعد هو نفسه الذي عرفه من قبل.
كان الناس يخافون «ح»، لكنهم لم يكونوا جميعًا يحترمونه. كانوا يخشونه، ويتملقونه، ويتجنبون غضبه؛ وكلما ازداد خوفهم منه، ازداد هو شعورًا بالقوة.
وهكذا صار الرجل الذي كان يخشاه الناس قادرًا على أن يفرض احترامًا لا يستحقه، وأن يجعل ضحاياه أنفسهم شهودًا على سلطته.
وفي قريتنا الصغيرة، ظل الناس يرددون أن «ح» رجل لا يُستهان به، وأن من الأفضل أن يرضى عنك.
أما صديقي، فكان يعرف أن وراء ابتسامته المنتصرة صرخة لم يسمعها أحد، ودمعة سقطت في عتمة سيارة، وأبًا لم يستطع أن يحمي ابنه.
وكان يعرف أيضًا أن صديقه الآخر لم يعد.
لكن الناس، حين كانوا يرونه، لم يكونوا يسألونه عن ذلك. كانوا يبتسمون للمخبر، ويخفضون أصواتهم، ويقولون ما اعتادوا قوله:
— الناس تخاف ما تختشيش.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة