# #

أمل الحناوى

القوات الجوية.. من أمجاد أكتوبر إلى حروب المستقبل

الأحد، 11 أكتوبر 2026 05:46 م


لم يكن حضوري مؤتمر القوات الجوية المصرية مجرد مشاركة في مناسبة تستعيد تاريخًا وطنيًا مشرفًا، بل كان فرصة للتأمل في معنى القوة، وتحولات الحروب، وكيفية استعداد الدولة لمواجهة تهديدات تتغير أدواتها باستمرار، في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا في معادلات الأمن القومي.

وتكتسب هذه التجربة بالنسبة إليَّ بُعدًا شخصيًا؛ فأنا ابنة من أبناء القوات المسلحة المصرية، وكان عمي أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة. لذلك، لا أتعامل مع هذا التاريخ بوصفه صفحات في كتاب، بل باعتباره ذاكرة عائلية ووطنية تجسد التضحية والانتماء، وتضع أمامنا مسؤولية الحفاظ على مكتسبات الوطن وتطوير أسباب قوته.

غير أن الوفاء لأمجاد الماضي لا يكون بالاكتفاء باستدعائها، وإنما باستيعاب دروسها والاستعداد لتحديات المستقبل.

خلال المؤتمر، اتجه سؤالي إلى جوهر التحول في طبيعة القوة الجوية: هل تظل مهارة الطيار وكفاءته العنصر الحاسم وحده، أم أصبح التفوق مرهونًا بمنظومة متكاملة تجمع الخبرة البشرية بالتكنولوجيا الحديثة، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والتنسيق مع قوات الدفاع الجوي؟

كان السؤال محاولة لفهم فلسفة بناء القوة في زمن لم تعد فيه الحروب تُدار بالأدوات التقليدية وحدها؛ إذ لم يعد امتلاك السلاح كافيًا، ما لم يصاحبه حسن توظيفه وتكامل منظومات الرصد والإنذار والاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب التدريب المتقدم وتأهيل الإنسان القادر على إدارة التكنولوجيا بكفاءة.

وقد عزز حديث قائد القوات الجوية خلال المؤتمر شعوري بالاطمئنان، بما عكسه من ثقة في قدرات الرجال ووعي بطبيعة التحولات التي يشهدها المجال العسكري. ولم يكن هذا الاطمئنان وليد لحظة عابرة، بل ارتبط لديَّ بصورة أوسع لمسار تحديث القوات المسلحة المصرية، وما يتطلبه من رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وفي هذا السياق، تبدو جهود الرئيس عبد الفتاح السيسي في تحديث القوات المسلحة وتطوير قدراتها وتنويع مصادر تسليحها جزءًا مهمًا من الاستعداد لتحولات البيئة الاستراتيجية. فالرؤية التي تستوعب مبكرًا تغير طبيعة التهديدات، وتدرك أن القوة لا تُبنى بالانتظار حتى تفرض التحديات نفسها، إنما بالاستعداد والاستثمار والتطوير المستمر، هي رؤية تعكس إدراكًا لمسؤولية الدولة عن حماية أمنها القومي وصون سيادتها.

ولا تنبع أهمية هذه الجهود من اقتناء منظومات حديثة فحسب، بل من السعي إلى بناء قدرة أكثر تكاملًا على التعامل مع متغيرات الحروب، حيث تتداخل التكنولوجيا مع كفاءة العنصر البشري، وتتضاعف قيمة السلاح بقدر ما تتوافر القدرة على تشغيله وتطويره ودمجه ضمن منظومة متناسقة. وهنا يتجلى معنى القيادة الاستراتيجية: أن تُقرأ تحديات الغد قبل أن تصبح أزمات الحاضر.

وتعيدنا هذه المعاني إلى حرب أكتوبر 1973، حين شاركت القوات الجوية المصرية في الضربة الجوية الأولى ضمن خطة العبور، وقدمت معارك الحرب صفحات بارزة في تاريخ العسكرية المصرية. وتظل معركة المنصورة الجوية، في الرابع عشر من أكتوبر، علامة مضيئة في سجلها، ودليلًا على قيمة التدريب والتخطيط والتنسيق والإرادة.

لكن الدرس الأعمق من أكتوبر أن الانتصارات لا تتحول إلى ضمانة دائمة إلا بالتعلم والتطوير؛ فحماية المجال الجوي اليوم تتطلب استعدادًا لتهديدات تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية، وتفرض تكاملًا وثيقًا بين القوات الجوية والدفاع الجوي، واستثمارًا متواصلًا في العلم والبحث والتكنولوجيا.

خرجت من المؤتمر بإحساس بالثقة، لا بمعنى افتراض غياب المخاطر، بل تقديرًا لقيمة الاستعداد لها، وللجهد الذي تبذله مؤسسات الدولة في تطوير قدراتها. وبين ذاكرة أسرتي التي أعتز بها، وأمجاد أكتوبر، ورؤية تستشرف حروب المستقبل، تتأكد لديَّ حقيقة أن أعظم وفاء لتضحيات الأمس هو أن نواصل بناء قوة تحمي الوطن، وتصون سلامه، وتمنح أجياله القادمة أسباب الأمان والثقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة