الخطة المعجزة التي هزمت إسرائيل في حرب أكتوبر المجيدة بدأ تنفيذها قبل ساعة الصفر يوم السادس من أكتوبر 73 بنحو 15 شهرا، وهي المعروفة بـ"خطة الخداع الاستراتيجي"، والتي كانت أكبر مفاجآت الحرب ليس للعدو الإسرائيلي فقط وأجهزته الاستخباراتية، وإنما لكافة أجهزة المخابرات الدولية المتعاونة معه، وسجلت تفوقا استراتيجيا في عملية خداع غير مسبوقة شارك فيها كافة أطياف الشعب بمؤسساته المدنية والعسكرية بدقة بالغة، وتخطيط محكم، وتنفيذ عال المستوى داخليا وخارجيا.
خطة الخداع التي نفذتها مصر ساهمت في إحداث التوازن والحد من التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي في حرب أكتوبر، فكان سلاح المباغتة والمفاجأة عاملا حاسما في تحقيق النصر وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، رغم التفوق والقدرة التكنولوجية للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا على المتابعة والمراقبة لكل ما يجري على الأراضي المصرية والعربية عبر عملائها وأقمارها الصناعية.
أوهمت خطة الخداع إسرائيل بأن الوقت ما زال مبكرا جدا بالنسبة للمصريين حتى يخوضوا حربا؛ فالدولة منهكة اقتصاديا، وتعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية كثيرة، وجيشها غير قادر على المواجهة، والمناورات التي يقوم بها لم تفض إلى قتال مباشر، والمعلومات التي تصل إلى تل أبيب تؤكد استحالة الحرب.
"لقد خدعونا المصريون".. هذا ما صرح به قادة إسرائيل أمام لجنة أجرانات التي تشكلت عقب الحرب مباشرة في 21 نوفمبر 73 للتحقيق في الهزيمة. إيلي زعيرا، مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية أثناء حرب أكتوبر، يعترف: "إن السبب الرئيسي في الهزيمة هو وصول معلومات تم نقلها مباشرة إلى رئيس الوزراء وبدون تحليل من المخابرات على أساس أنها موثوق بها. تلك المعلومات المضللة هي من تخطيط المخابرات المصرية، وأنها كانت جزءا من خطة الخداع والتمويه المصرية التي تم تنفيذها استعدادا للمعركة".
ذات الجملة رددها موشيه ديان، وزير دفاع العدو، وجولدا مائير، رئيسة الوزراء، أمام لجنة التحقيق في التقصير والهزيمة، بل وأقرها الداهية والثعلب السياسي هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأشهر، في مذكراته "سنوات الاضطراب"، بأنه كان هو نفسه ورقة وظفتها مصر في خطة الخداع..! فقد طلبت مصر التواصل واللقاء بينه وبين وزير الخارجية، الدكتور محمد حسن الزيات، يوم 6 أكتوبر 1973، لبحث مفاوضات ومباحثات السلام مع إسرائيل..! اللقاء في نفس يوم الحرب، بهدف إحكام وإكمال خطة الخداع الاستراتيجي، وإمعانا في السرية لساعة الصفر التي ربما لم يكن يعرفها الزيات نفسه.
خلال إجراء المباحثات بين الوزيرين، تدفقت الأنباء بعبور القوات المصرية لخط بارليف وبدء الحرب، وعندها غضب كيسنجر؛ لأنه أدرك وقوعه في الفخ وتعرضه للخديعة الدبلوماسية، فوقف منتفضا قائلا للزيات: "عن أي مفاوضات تتحدث والحرب قد بدأت؟!"
خدع المصريون أجهزة المخابرات العالمية التي كانت تعمل لحساب إسرائيل وتساعدها لمنع تحقيق النصر على المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري، واعترفت بعبقرية المصريين. العدو ومن يساعده كان معه كل الحق..!
فكيف لدولة تريد الحرب وتحرير الأرض، وقد غرق محصولها السنوي من القمح وأغرقته مياه الأمطار في صوامعه، وتسعى لتعويضه باستيراد كميات ضخمة من الخارج، وتمتلئ صفحات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية بأخبار وتحقيقات عن فضيحة غرق محصول القمح..؟!
وكيف لدولة أوضاعها الصحية غير مستقرة وتسعى للحرب، وقد انتشر في مستشفياتها ميكروب التيتانوس بعد أن تم الإعلان عن تسريح ضابط طبيب من الخدمة العسكرية وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير؟ وفي اليوم التالي نشرت «الأهرام» الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأخليت باقي المستشفيات -حوالي 12 مستشفى-..!!.
كيف لدولة تعاني من أزمات في الطاقة والكهرباء أن تحارب، وتعلن قيامها باستيراد مصادر بديلة للإضاءة عن طريق تنسيق أحد المندوبين مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام؟ وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود في الانتظار واستولوا عليها كاملة، وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية..!
وكيف لجيش أن يحارب، وقد دعا وزير دفاعه، الفريق أول أحمد إسماعيل، جميع وزراء الحكومة يوم 27 سبتمبر 1973 لزيارة هيئة الأركان العامة لإطلاعهم على الجديد من الأجهزة المكتبية والحاسبات الآلية؟ وكيف يحارب ومعداته ودباباته قد أصابها العطب وضربتها الأعطال بغير قتال، وتقف بالطوابير أمام ورش التصليح التي تم نقلها إلى الخطوط الأمامية أمام أعين العدو..!
وما هذا الجيش الذي يقوم باستيراد معدات العبور والقوارب المطاطية عن طريق تسريب المخابرات تقريرا يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور مما أثار سخرية إسرائيل؟ وعندما وصلت الشحنة ميناء الإسكندرية، ظلت ملقاة بإهمال على الرصيف حتى المساء وفي ظل إجراءات أمنية توحي بالاستهتار واللامبالاة، وأتت سيارات الجيش فنقلت نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية (حلوان)، وتم تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فيما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.
هل يعقل أن تعلن دولة في يوليو 1972 قرارا بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967 وكان معظمهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية وفي مواقع خلفية وهي تستعد للحرب..!
هل من المعقول أن تعلن دولة عن فتح باب رحلات العمرة لضباط القوات المسلحة والجنود في أكتوبر 73، وتنظيم دورات رياضية عسكرية، بما يتنافى وفكرة الاستعداد للحرب؟
كيف تصدق أجهزة المخابرات للعدو وغيرها أن مصر تستعد للحرب وتعلن عن زيارة قائد القوات الجوية، اللواء حسنى مبارك، إلى ليبيا يوم 5 أكتوبر، ثم تقرر تأجيلها لعصر اليوم التالي 6 أكتوبر 1973؟ ويوجه وزير الدفاع، الفريق أول أحمد إسماعيل، الدعوة إلى وزير الدفاع الروماني لزيارة مصر يوم الاثنين 8 أكتوبر، وأعلن رسميا أنه سيكون في استقباله شخصيا لدى وصوله إلى مطار القاهرة. وتعلن رسميا عن الاستعداد لاستقبال الأميرة البريطانية مارجريت صباح الأحد 7 أكتوبر.
كيف لجيش يقوم برفع درجة الاستعداد القصوى وإعلان حالة التأهب في المطارات والقواعد الجوية من 22 إلى 25 سبتمبر، مما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها تحسبا لأي هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني حتى جاء يوم 6 أكتوبر فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر...!
كيف لشعب يستعد للحرب وهو يلهث وراء احتياجات شهر رمضان ويدير مؤشر الراديو إلى مسلسلات رمضان "سها هانم رقصت على السلالم" ومسلسل حليم "أرجوك لا تفهمني بسرعة"، ويتابع مباريات الدوري العام لكرة القدم وأخبار عودة حسن شحاتة من الكويت وتعيين المدرب المجري هيديكوتي لتدريب الأهلي بمرتب شهري 600 دولار..! وتزخر مسارحه بالعروض الشهيرة مثل "مدرسة المشاغبين"، ويحتل دور العرض السينمائية فيلم "خلي بالك من زوزو"..؟ ويبدأ العام الدراسي يوم 29 سبتمبر بذهاب حوالي 6 ملايين طالب وطالبة للمدارس والجامعات حتى ظهيرة يوم السبت 6 أكتوبر..؟
ما هذا الجيش الذي يلهو جنوده على الجبهة ويلعبون الكرة وينشرون ملابسهم على شاطئ القنال، ويستحمون في مياهها، ويمصون القصب، ويأكلون البرتقال حتى ظهر يوم المعركة..؟
لقد كانت خطة خداع وخديعة كبرى استمرت بإجراءاتها وتفاصيلها السابقة حتى لحظة انطلاق المعركة الكبرى عند الثانية ظهرا، فقد ظن العدو أنها مجرد مناورة وتدريب عسكري كالعادة، وبالفعل كانت مناورة "التحرير" التي تبدلت خرائطها بالخرائط الحقيقية لبدء القتال لمعركة النصر "بدر".