في الصباح اتخذت قراري بأن أكمل اللعبة التي بدأتها؛ لعبة المشاعر والعواطف وإسقاط ما يحلو لها في شباكها. إنها تمثّل، وكأن ما تقوم به حقيقة. إنها تجيد ما تفعل؛ كل كلمة حب تقولها لي كنت أشعر أنها خارجة من قلب متيّم لا يعرف الغدر أو الخيانة.
ربما لو قيل لي ما رأيت لما صدقت، ولو قاله ألف شاهد. كيف أكذّب صدق قلبي فيما تقول؟ ثم عرفت الآن أن قلبي هو الذي يكذب عليّ.
قابلتها بعد أن استعدت رباطة جأشي، وأردت أن نذهب إلى ذلك المكان الذي رأيتها فيه مع حبيبها الموهوم. ألحت عليّ في أن نذهب إلى مكان آخر، ولكنني صممت وألححت أنا الآخر، حتى وافقت على رغبتي.
وقفت كما كان يقف، وسمعت منها ما سمعه من كلمات.
إن روعتها في أنها لا تفيض عليك بالحب الذي قد تملّه بعد فترة، وإنما هي تقطّر وتمنع ولا تبالي، ثم تهتم، ثم تهمل. ولها أحوال في الحب ربما لم تجدها عند فتاة أخرى. ربما تعلّمتها من كثرة التجارب، حتى فهمت طبيعة الرجل أكثر من معرفته هو بنفسه.
كان الرجل قد أصبح لعبتها المفضلة.
لا أدري هل خانها أحدهم، فأرادت أن تنتقم لنفسها من رجل تقابله، وهي حريصة ألا يعلم عنها أحد شيئًا. كلما سألتها تقول: «ليس أوانه. في الوقت المناسب سأخبرك بكل شيء عني. دعنا نعيش هذه اللحظات والأيام، ننعم بالحب، فهذا ما يهمني.»
«ألا يهمك هذا أيضًا؟»
فأقول: «نعم. إن من يعرفك يكتفي بك عن الدنيا وعن نساء العالمين.»
كانت تبتسم ابتسامة الظافر. فكل من يعرفها يهيم بها، ولا يستطيع أن ينساها ولو لحظة واحدة ليفكر في غيرها.
أما هي، فلا أدري كيف كان قلبها يدير كل هذا. وهل هو فارغ من كل شيء، أم أنه مكتظ بالكثير؟
ضحكنا في هذا اليوم كثيرًا. إن لها قفشات وسرعة بديهة عجيبة. كنت سعيدًا لدرجة أنني نسيت ما كان منها.
وفي لحظة رحلنا، في الوقت المعتاد للرحيل.
تعجبت من نفسي ومنها. كيف لي أن أنسى؟ وكيف هي نسيت ما كان منها أثناء لقائنا؟
عدت أفكر في أمرها. فأنا لم أقترن بها بعد أن رأيت ما رأيت، فلماذا غفرت لها؟
أليس النسيان غفرانًا؟
ألا يمكن، وقد نسيت فترة من الزمن، أن أعتاد النسيان حتى يمتد إلى الغفران الكامل، فأمحو إساءتها لي وأكمل معها؟
ومن قال لك إنك أنت من تريد الاقتران بها؟ إنها لم تخبرك بشيء من خصوصيتها أو عائلتها. أليس في هذا دليل على أنك مجرد تسلية لبعض الوقت؟ وفي يوم سوف تستيقظ فلا تراها ثانية، وأنت لا تعلم عنها شيئًا.
وربما يكون اسمها أيضًا ليس إلا اسمًا مزيفًا، كما أنها شخصية مزيفة. إنها مجهولة بالنسبة لك. أنت لا تعرف حقيقتها.
قلت في نفسي: وما الضير في أن أجعلها تسلية ولعبة، كما جعلتني؟ وأن أخدعها كما خدعتني، فأرد لها صفعتها؟ فإن هي رحلت، فلا أسف ولا ندم على شيء.
ولكنك تفقد نفسك. وربما اعتدت الخداع والمراوغة كما اعتادتهما هي، وصرت في الطريق نفسه الذي تسير فيه الآن.
أنت أصبحت في حلّ من عهد الوفاء الذي أخذته على نفسك لها؛ لأنها نقضته. فأنت تنظر وتحاول أن تبني علاقة جديدة من باب الانتقام ورد الاعتبار، كما تحدث نفسك.
ومن قال لك إن من ترتبط بها تستحق الخيانة والغدر؟ أنت لم تكن تستحق، فتألمت.
كان ذلك حديثًا لنفسي، كل يوم يمتد لساعات، ولا قرار في حسم شيء من أمرها وأمري تجاهها.