لم تعد معركة الوعي تدار بالكلمة وحدها، بعدما دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى ساحات الصراع على المعلومات والتأثير في الجمهور، وأصبح إنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات المصطنعة ونشر الشائعات أكثر سهولة وانتشارًا، بما يفتح الباب أمام محاولات التلاعب بإدراك المواطنين وصناعة الخوف والشك وفقدان الثقة. وفي هذا السياق، حذر عدد من أعضاء مجلس النواب من خطورة ترك أدوات تشكيل الوعي دون ضوابط، مؤكدين أن امتلاك التكنولوجيا والبيانات، ورفع الوعي المجتمعي، ومواجهة التزييف العميق، أصبحت جميعها عناصر أساسية لحماية الأمن المعلوماتي والقومي في مواجهة حروب الجيل الجديد.
الصراع على الذكاء الاصطناعي جزء من معركة النفوذ
ومن جانبه ؛ أكد النائب إبراهيم الديب، عضو مجلس النواب، أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي فتح بابًا جديدًا في الصراع على المعلومات والتأثير في الرأي العام، مشددًا على ضرورة امتلاك الدول والمجتمعات أدواتها وقدراتها الرقمية بدلًا من الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا التي تنتجها أطراف أخرى.
وقال إن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تحليل كميات ضخمة من البيانات، وإنتاج محتوى مخصص لفئات محددة، وهو ما يرفع من قدرة الجهات التي تمتلك التكنولوجيا والبيانات على التأثير في اتجاهات الجمهور.
وأشار إلى أن الحديث عن دور إسرائيل أو أي دولة معادية في هذا المجال يجب أن يرتبط بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا والبيانات وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، وليس فقط باستخدامها في إنتاج محتوى مضلل.
وأوضح أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على امتلاك السلاح أو المعدات، وإنما على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج المحتوى وتحليل سلوك الجمهور.
وشدد على أهمية دعم البحث العلمي والكوادر المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ووضع أطر واضحة للتعامل مع المحتوى المصطنع والتزييف العميق وحماية البيانات.
وأكد أن حماية الأمن المعلوماتي أصبحت جزءًا من الأمن القومي، وأن الدولة التي لا تطور قدراتها التقنية ستجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع أدوات يصنعها الآخرون وفقًا لقواعد قد لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها.
المجتمع الواعي هو خط الدفاع
وأكد النائب محمد عبده، عضو مجلس النواب، أن استهداف وعي الشعوب أصبح أحد أخطر أدوات الصراع في العصر الحديث، موضحًا أن الحرب لم تعد تعتمد فقط على السلاح التقليدي، وإنما امتدت إلى محاولة التأثير في عقول المواطنين وصناعة حالة من الشك والخوف وفقدان الثقة.
وقال عبده، إن نشر الشائعات والأخبار المضللة يمكن أن يحقق تأثيرًا واسعًا بتكلفة محدودة للغاية، مقارنة بتكاليف أدوات الصراع التقليدية، وهو ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لاستهداف المجتمعات.
وأشار إلى أن الشائعة لا تحتاج إلى جيش حتى تنتشر، وإنما تحتاج إلى محتوى مثير ومستخدمين يعيدون نشره دون تحقق، مؤكدًا أن المواطن قد يتحول من متلقٍ للمعلومة إلى أداة في نشرها دون أن يدرك حجم تأثير ما يفعله.
وشدد عضو مجلس النواب، على أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من بناء وعي نقدي لدى المواطنين، خصوصًا الشباب، يقوم على عدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو المقاطع المقتطعة أو الحسابات التي تتعمد تقديم المعلومات بلا مصادر.
وأوضح أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التهديدات الخارجية، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية وعي مجتمعها من محاولات التلاعب.
وأكد عبده، أن المعركة الحقيقية هي معركة وعي، وأن المواطن الذي يتحقق قبل أن يشارك منشورًا يمكن أن يمنع شائعة من التحول إلى أزمة.
الذكاء الاصطناعي نقل التزييف إلى مرحلة أخطر
وفي ذات السياق أكد النائب حازم توفيق، عضو مجلس النواب، أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي نقل صناعة المحتوى المضلل إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما أصبح من الممكن إنتاج صور وفيديوهات وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية رغم أنها مصطنعة بالكامل.
وقال توفيق، إن المواطن لم يعد يستطيع الاعتماد على عينيه فقط للحكم على صحة المحتوى المتداول، موضحًا أن تقنيات التزييف العميق «Deepfake» أصبحت قادرة على تقليد الوجوه والأصوات وطريقة الكلام، بما يسمح بصناعة مقاطع يمكن استخدامها في التضليل أو التشهير أو إثارة البلبلة.
وأشار إلى أن الخطر الأكبر يظهر عندما يتم اقتطاع فيديو حقيقي ووضعه في سياق مختلف، أو إضافة صوت مصطنع إلى صور حقيقية، ثم تقديم المحتوى للجمهور باعتباره تسجيلًا موثقًا.
وشدد عضو مجلس النواب، على ضرورة رفع الوعي بالتقنيات الجديدة، وتعليم المستخدمين البحث عن المصدر الأصلي للفيديو، وتاريخ نشره، والسياق الذي ظهر فيه، ومقارنته بالمصادر الموثوقة قبل تداوله.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا في حد ذاته، وإنما تكمن الخطورة في استخدامه لإنتاج معلومات كاذبة تبدو أكثر إقناعًا من الشائعة التقليدية.
وأكد توفيق، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات تقنية وتشريعية وتوعوية قادرة على التعامل مع التزييف الرقمي، لأن المعركة لم تعد فقط على الخبر، وإنما على قدرة المواطن على معرفة ما إذا كان ما يراه حقيقيًا من الأساس.