تتجه دفة السياسة الخارجية المصرية صوب الشرق الأدنى في خطوة تعكس قراءة دقيقة للتحولات العالمية المتعاقبة، فالرئيس في جولته الآسيوية وزيارة كوريا الجنوبية التي جذبت أنظار الجميع يؤسس لمرحلة جديدة من تنويع التحالفات السياسية والاقتصادية، لتقليل الاعتماد على الدوائر التي سادت لفترات طويلة، والتوجه نحو بناء علاقات وثيقة مع القوى الآسيوية الصاعدة، بما يضمن للدولة المصرية مرونة عالية واستقلالية واضحة في قراراتها، ويعزز من مكانتها في الساحة الدولية؛ فالانفتاح على تجارب النمور الآسيوية لم يعد خيارًا، وإنما ضرورة استراتيجية تفرضها متغيرات العصر، لتأمين مسارات تنموية متعددة تسهم في تحقيق نهضة وطنية شاملة بعيدًا عن صور الاستقطابات، لتظل القاهرة فاعلًا في محيطها الإقليمي والدولي.
ويكتسب هذا التحرك أهمية بالغة عبر الارتقاء بمستوى الشراكات إلى النطاق الشامل؛ فالقيادة السياسية سعت لتحويل العلاقات الدبلوماسية مع قوى كبرى مثل سيول إلى شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز الأطر التقليدية، لتوفير مظلة سياسية ومؤسسية تدعم استمرارية المشاريع المشتركة، ولضمان توالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى السوق المحلية دون انقطاع، وتسهيل إبرام الاتفاقيات الثنائية طويلة الأجل التي تخدم مصالح الطرفين، ليكون الرئيس في جولته الآسيوية وزيارة كوريا الجنوبية التي لفتت أنظار الجميع قد أسس لنقطة انطلاق حقيقية نحو تكامل اقتصادي عميق، يعود بالنفع على قطاعات الدولة المختلفة، ويؤسس لروابط متجذرة تتخطى حيز المجاملات الدبلوماسية لتصل إلى تعاون فعلي يترجم إلى أرقام ومؤشرات إيجابية تنعكس على مستوى المعيشة ومستقبل الأجيال القادمة.
ويبرز في هذا السياق غاية الدولة نحو توطين الصناعات الثقيلة والدقيقة، للانتقال من مرحلة الاستيراد الاستهلاكي الذي يرهق الميزانية العامة إلى ميدان التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا الحديثة لتطوير القدرات الوطنية، خاصة في مجالات حيوية كصناعة السيارات وبناء السفن والصناعات الإلكترونية المتطورة، وهي قطاعات تمتلك فيها سيول ريادة عالمية لا يستهان بها، لتصبح ثمار جهود الرئيس في جولته واقعًا ملموسًا في المصانع المصرية، ولتكون كوريا الجنوبية شريكًا محوريًا في التطور التكنولوجي، لينعكس ذلك على تقليل فاتورة الواردات وزيادة حجم الصادرات، وخلق فرص عمل واسعة للشباب الطموح، وتحويل الموارد المتاحة إلى منتجات نهائية تنافس في الأسواق الخارجية بقوة لتعزيز النمو المنشود.
وتتعاظم القيمة المضافة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بفضل هذه التحركات الحيوية، لتحويل هذا المحور الملاحي المهم إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي يستقطب الكيانات الآسيوية الكبرى لتأسيس مجمعات صناعية عملاقة؛ فالرئيس في زيارة كوريا الجنوبية حرص على الترويج للفرص الاستثمارية في هذه البقعة الاستراتيجية، لتشجيع تدشين مشاريع مشتركة تدمج الاقتصاد المصري بقوة في سلاسل الإمداد العالمية، وتخلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، لتكون القناة ممرًا للتجارة ومصنعًا للإنتاج في آن واحد، بما يضمن تنشيط حركة الملاحة والتجارة الدولية، ويوفر بنية تحتية متطورة تلبي تطلعات المستثمرين، ليحقق الوطن نقلة نوعية في موقعه التنافسي على الخارطة الاقتصادية العالمية.
ويكتسب ملف التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة زخمًا غير مسبوق ضمن هذه المساعي، لتأمين استثمارات كورية وآسيوية ضخمة في مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة ومحطات تحلية المياه؛ فالرئيس السيسي سلط الضوء على مقومات الدولة المصرية لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي رائد لتصدير الطاقة النظيفة، ومواكبة التوجهات العالمية للحد من الانبعاثات الكربونية ومحاربة التغير المناخي، لفتح أبواب واسعة أمام شراكات فاعلة تنقل أفضل التقنيات البيئية إلى المشروعات القومية، وتسهم في توفير مصادر طاقة بديلة آمنة ونظيفة، لتنويع سلة الطاقة الوطنية وحماية البيئة للأجيال المتعاقبة، ولتعزيز مسيرة التنمية الشاملة.
وتظهر الرغبة في تحديث البنية التحتية وإدارة المدن الذكية عبر تبادل الخبرات التكنولوجية المتقدمة، للاستعانة بالتجربة الآسيوية الرائدة في تقنية المعلومات والرقمنة لإدارة المدن العمرانية الجديدة كالعاصمة الإدارية؛ فقد عقد فخامة الرئيس تفاهمات تسهم في تطوير قطاعات النقل الذكي وشبكات السكك الحديدية والموانئ البحرية، لتسهيل حركة تنقل المواطنين والبضائع بسلاسة وأمان، ولإرساء قواعد بنية رقمية حديثة تواكب التطور المتسارع في عالم الاتصالات، لتصبح الشوارع والمرافق تدار بأنظمة إلكترونية محكمة توفر الجهد والوقت، وترتقي بجودة الحياة اليومية للمواطن البسيط، ولتؤكد الدولة مضيها في مسار التحديث الشامل لبناء مجتمع متطور.
ويكتمل هذا البناء الطموح بالتركيز على بناء القدرات البشرية ونقل المعرفة المتقدمة، لربط الاستثمار المادي بالاستثمار البشري عبر اتفاقيات بناءة لتعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي؛ حيث حرص السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على تأسيس جامعات ومعاهد تكنولوجية مشتركة تهدف إلى تدريب الكوادر المصرية الشابة، وتأهيل العمالة الفنية بأساليب علمية حديثة لتلبية احتياجات الصناعة المتطورة، لتخريج أجيال قادرة على التعامل مع التقنيات المعقدة وإدارة المشروعات الكبرى بنجاح؛ فالإنسان هو المحرك الأساسي لأي نهضة حقيقية، وصقل مهاراته يضمن استمرارية النجاح والتفوق، لتتوج هذه الجهود بخلق بيئة تعليمية محفزة للإبداع والابتكار تضع شباب الوطن في صدارة المشهد لقيادة قاطرة التنمية نحو أهدافها المرتقبة.
ويمتد أثر هذه التحركات الدبلوماسية الناجحة ليشمل تعميق التعاون الدفاعي ونقل التكنولوجيا العسكرية بخطوات غير مسبوقة، لفتح مجالات جديدة للتصنيع العسكري المشترك ونقل التقنيات الدفاعية المتقدمة إلى المنظومة الوطنية؛ إذ أعطى فخامة الرئيس اهتمامًا واضحًا بتنويع مصادر التسليح لضمان أمن البلاد القومي، ورفع كفاءة القدرات التصنيعية للإنتاج الحربي المصري بأيادٍ وطنية مخلصة، لتصبح القوات المسلحة قادرة على مواكبة أحدث النظم العالمية في التسليح والتدريب، ولتكوين قوة ردع تحمي مقدرات الوطن وتصون حدوده من أي تهديدات محتملة، لتظل راية الأمن خفاقة في سماء البلاد بفضل هذه الشراكات الاستراتيجية التي تعزز من هيبة الدولة ومكانتها الإقليمية.
وتتوج هذه الجهود المثمرة بتكريس دور مصر كبوابة ثلاثية الأبعاد تربط النطاق العربي بالأفريقي والأوروبي، لاستثمار اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها الحكومة لتكون المنصة التصنيعية والتصديرية الأهم للشركات الآسيوية؛ حيث قدم الرئيس خريطة طريق واضحة للمستثمرين الراغبين في النفاذ إلى أسواق القارة الأفريقية والشرق الأوسط وأوروبا بتكلفة تشغيلية ولوجستية تنافسية للغاية، لتصبح الأراضي المصرية نقطة التقاء حضارية وتجارية تسهل حركة تبادل المنافع بين القارات المختلفة، ولتحقيق تكامل اقتصادي واسع يجني ثماره المواطن في صورة خدمات متطورة وحياة كريمة، لتختتم هذه الزيارة بفتح أبواب الأمل نحو مستقبل مشرق يضع الوطن في مصاف الدول المتقدمة سياسيًا واقتصاديًا.