فاطمة: أول ما فكرت فيه بعد التشخيص كان ابنى
ـ نهى تحكى كيف تمسكت بحلم الأمومة
ـ نرمين: اتعلمت احب نفسى
"السرطان".. كلمة واحدة قد تكون كافية لتجميد كل شيء في لحظة، تتوقف الأفكار، وتتزاحم الأسئلة بين الأمل والخوف، فهى لا تبدأ وتنتهي عند لحظة سماع التشخيص. فبين أول شكوى وأول صورة للثدي والعينة، وبين الجراحة والعلاج الدوائي والإشعاعي والمتابعة، توجد عشرات القرارات الطبية والمواقف الإنسانية.
في هذا الملف، وبمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدى، تحكي 4 سيدات تجارب مختلفة مع المرض، جمعتهن بداية صادمة واختلفن في تفاصيل الرحلة ومراحلها، ثم العلاج، قصص بدأت بالمعاناة ومرت بالألم لتنتهى بالأمل.. بين هذه القصص قصة كاتبة هذه السطور..
فكيف اختلفت القصص؟ وماذا يقول الأطباء عن المرض وتشخيصه وعلاجه؟ وماذا عن حلم الأمومة والخصوبة بعد العلاج؟ وماذا تحتاج المريضة من أسرتها لدعمها فى هذه الرحلة.
فاطمة.. بداية الرحلة من فحص روتينى
لم تكن فاطمة ياسر تتوقع أن يتحول فحص روتيني للثدي إلى بداية رحلة علاج طويلة. كانت تذهب للفحص بهدف الاطمئنان، دون أعراض واضحة تجعلها تتوقع سماع كلمة «سرطان».لكن صورة الماموجرام أوضحت الحاجة إلى استكمال التقييم، ولم يكن التعامل معها بمنطق «طالما لا يوجد ألم إذن لا يوجد شيء» كافيًا. طلب الطبيب إجراء العينة، وهنا بدأت لحظة مختلفة تمامًا.
أصعب ما مر عليها لم يكن في البداية جلسة العلاج أو الجراحة، وإنما لحظة سماع التشخيص نفسه، وكان أول ما فكرت فيه ليس المرض فقط، وإنما الأشخاص الذين تعتمد عليهم ويعتمدون عليها، خاصة طفلها، الذي كانت تخشى أن يحتاج إليها في وقت لا تستطيع فيه هي أن تكون بكامل طاقتها.
بدأت فاطمة الرحلة خطوة وراء خطوة: جراحة، ثم علاج دوائي، وعلاج موجه، وإشعاع، ثم علاج هرموني وفق طبيعة حالتها، قبل الدخول في مرحلة المتابعة.
وبعد مرور نحو عام على بداية الرحلة، أصبحت نظرتها إلى كلمة «سرطان» مختلفة.«دلوقتي بعد مرور سنة أنا زيرو سرطان، والتجربة جعلتنى أكثر تمسكًا بالأمل، الحلو بيعدي والوحش بيعدي، لازم يبقى عندنا يقين بالله».
نرمين حسن: اتعلمت أحب نفسى
تبلغ نرمين حسن الآن 32 عامًا، لكن قصتها مع سرطان الثدي بدأت وهي في التاسعة والعشرين، عندما شعرت بتحجر في الثدي وألم شديد..
الأعراض لم تختفِ، ومع الوقت تغير شكل حلمة الثدي، وشعرت نرمين أن الأمر لم يعد يحتمل الانتظار، أجرت ماموجرام، ثم خضعت لأخذ عينة من الثدي.وجاءت النتيجة صادمة: سرطان ثدي سلبي لمستقبلات الهرمونات وإيجابي لـHER2.
لكن بالنسبة لنرمين لم تكن نتيجة التحليل مجرد مصطلحات طبية، كانت لحظة شعرت فيها وكأن حياتها انقسمت إلى نصفين: حياة قبل كلمة «سرطان»، وحياة بعدها.
تقول نرمين إن أصعب يوم في حياتها كان يوم سماع كلمة «سرطان». لم تفكر وقتها في تفاصيل المرض بقدر ما فكرت في سؤالين يوجعان أي أم:«أنا هعيش؟ هموت؟ ابني هيعمل إيه من غيري؟».كان ابنها لا يزال يحتاج إليها، وفكرة أن يغيب وجودها عنه كانت أقسى من قدرتها على استيعاب التشخيص نفسه.ولم يتوقف الخوف عند ابنها، فقد كانت تفكر أيضًا في والدتها التي كانت معها خطوة بخطوة:
«أمي اللي كانت معايا خطوة بخطوة هتتلقى الخبر إزاي؟».
مرت الأيام الأولى، كانت هناك لحظات تشعر فيها أن كل شيء أصبح خارج سيطرتها، قبل أن تبدأ نرمين، بعد نحو يومين، في استعادة توازنها النفسي من خلال الرضا بقضاء الله والاستعانة به والتوكل عليه.بدأت رحلة العلاج، وشملت العلاج الكيماوي والعلاج الموجه، ثم الجراحة والعلاج الإشعاعي.
لم تكن الرحلة سهلة. كان عليها أن تواجه آثار العلاج، والخوف من كل مرحلة جديدة، والانتظار قبل كل نتيجة، لكنها استمرت حتى أكملت مراحل العلاج.
نرمين تنظر اليوم إلى ما حدث باعتباره تجربة قاسية غيرت علاقتها بنفسها وبالحياة، وتقول نرمين عنها:«انتصرت على المرض اللعين اللي علمني حاجات كتير، أولها أحب نفسي وأحب اللي يحبني».
نهى: كنت 30 سنة ومش متجوزة وتمسكت بحلم الأمومة
بالنسبة إلى نهى محمد، كانت لحظة التشخيص مختلفة تمامًا، كانت في الثلاثين من عمرها، قبل الزواج والأمومة، عندما عرفت إصابتها بسرطان الثدي.لكن صدمة التشخيص بالنسبة لها لم تكن مجرد خبر طبي.كانت لحظة شعرت فيها وكأن المستقبل الذي كانت ترسمه لنفسها اختفى فجأة.
وقبل أن تستوعب معنى المرض والعلاج والجراحة والكيماوي، كانت أسئلة أخرى تضرب في ذهنها:
هل سأتزوج؟
هل سأصبح أمًا؟
هل سيؤثر العلاج في قدرتي على الإنجاب؟
هل السرطان سيأخذ مني كل الأحلام التي كنت أظن أن أمامي سنوات طويلة لتحقيقها؟
كانت صدمة الإصابة بالنسبة لها قاسية حتى أنها وصفت لحظة معرفتها بالمرض بأنها أشبه بالموت، وتعرضت للإغماء داخل معمل الباثولوجي عندما عرفت النتيجة.
انتقلت نهى فجأة من حياة فتاة في الثلاثين من عمرها تخطط للمستقبل، إلى مواعيد وفحوص وعلاج وحقن وجلسات كيماوي، وأصبح عليها أن تتعامل يومًا بيوم مع ما يفرضه العلاج على صحتها وحياتها.
وكانت فكرة الأمومة تلاحقها طوال الرحلة.لم تكن تريد أن يكون المرض هو من يقرر شكل حياتها بالكامل.وبعد بدء العلاج، لم تعد فكرة «جلسة الكيماوي» مجرد كلمة تسمعها، أصبحت موعدًا يرتبط بالخوف مما سيحدث للجسد، وبمحاولة الاستمرار رغم التعب والقلق.
وفي رحلة العلاج، تعلمت أن طلب المساعدة من أسرتها وأطبائها جزء من العلاج وليس علامة ضعف.لكن أكثر ما ظل حاضرًا في قصتها كان حلم الأمومة.
لم تسمح نهى للتشخيص بأن يغلق هذا الباب في ذهنها، واستمرت في علاجها حتى انتهت من الرحلة.
ثم تزوجت، وبعد سنوات أصبحت أمًا لتوأم وهي في الرابعة والثلاثين.
قصة نهى تطرح العديد من الأسئلة عن الحالات المشابهة، التى أجاب عنها دكتور عمرو حسن أستاذ أمراض النساء والتوليد بطب جامعة القاهرة
«لا تختصري مستقبلك كله في لحظة التشخيص»
يؤكد عمرو حسن أن تشخيص سرطان الثدي في سن صغيرة لا يعني بالضرورة نهاية حلم الزواج والأمومة، فبعض علاجات السرطان قد تؤثر في وظيفة المبيض ومخزون البويضات، ولذلك فإن سؤال الخصوبة يجب أن يُطرح قبل بدء العلاج الذي قد يؤثر فيها، متى كان ذلك ممكنًا طبيًا، ودون أن يؤدي ذلك إلى تأخير علاج السرطان بصورة غير آمنة.
ومن الخيارات التي يمكن مناقشتها تجميد البويضات غير المخصبة، وهو خيار مهم خاصة للسيدات غير المتزوجات، لكنه يحتاج إلى تنشيط المبيض وسحب البويضات، وبالتالي إلى وقت وترتيب مسبق.
بينما يمثل تجميد نسيج المبيض خيارًا يمكن أن يكون مفيدًا في حالات لا تسمح بانتظار دورة تنشيط وسحب البويضات.وفي هذه التقنية يمكن الحصول على جزء من نسيج المبيض جراحيًا، ثم تجهيز النسيج وحفظه بالتجميد، مع إمكانية استخدامه بعد انتهاء علاج السرطان في الحالات المناسبة لاستعادة وظيفة المبيض، وقد يتيح ذلك فرصة للحمل لبعض السيدات.
ويضيف: تجميد نسيج المبيض أو البويضات ليس ضمانًا للحمل، وليس مناسبًا لكل مريضة.كما يجب تقييم طبيعة السرطان وخطر إعادة إدخال خلايا سرطانية عند التفكير في إعادة زراعة نسيج المبيض، ولذلك يحتاج القرار إلى فريق متعدد التخصصات يضم طبيب الأورام وأطباء الخصوبة ومعمل حفظ الأنسجة، مع مراعاة الحالة النفسية والظروف الشخصية للمريضة.
كما يمكن أن تُناقش في بعض حالات سرطان الثدي أدوية أثناء العلاج الكيماوي، قد تساعد في تقليل خطر قصور المبيض المبكر لدى بعض المريضات، لكنها لا تُعتبر بديلًا عن تجميد البويضات أو الأجنة أو نسيج المبيض عندما تكون هذه الخيارات مناسبة.
وحتى إذا بدأت المريضة العلاج بالفعل من دون حفظ الخصوبة، فهذا لا يعني بالضرورة أن كل الخيارات انتهت. يمكن بعد العلاج تقييم وظيفة المبيض ومخزون المبيض بحسب الحالة، مع التأكيد على أن عودة الدورة الشهرية وحدها لا تثبت بالضرورة أن مخزون المبيض عاد إلى مستواه السابق.
وينصح د. عمرو حسن:«لا تختصري مستقبلك كله في لحظة التشخيص.. من حقك أن تسألي عن العلاج، ومن حقك أيضًا أن تسألي: ماذا سيحدث لخصوبتي؟ وهل يمكنني أن أصبح أمًا في المستقبل؟».
مؤكدًا أن الطبيب عندما يستقبل مريضة سرطان شابة لا ينبغي أن يرى الورم وحده، وإنما ما وراء الورم.
مها اكتشفت المرض أثناء إرضاعها ابنتها الثانية
أما مها، فكانت تجربتها مرتبطة بمرحلة مختلفة تمامًا، كانت أمًا ترضع ابنتها الثانية عندما لاحظت تصلبًا وتغيرًا في الثدي، وفي الوقت نفسه كانت تعيش تفاصيل الأمومة والرضاعة الطبيعية، وهي فترة قد تبدو فيها بعض تغيرات الثدي طبيعية، ما يجعل القلق أكبر عندما يظهر تغير غير معتاد ومستمر.ذهبت مها للفحص، وأثبتت العينة إصابتها بالسرطان.وفجأة انتقلت من دور الأم التي تهتم بطفلتها إلى مريضة تحتاج إلى علاج طويل.
بدأت مها العلاج الكيماوي، ثم خضعت للجراحة، وبعدها للعلاج الإشعاعي.لكن أصعب لحظة بالنسبة لها كانت بداية العلاج نفسه.
تقول مها عن ذلك:«أول جلسة كيماوي كانت إحساس إني هموت بس عديت منها بفضل ربنا».
لم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد دخول إلى غرفة وتلقي دواء، وإنما مواجهة مباشرة مع الخوف من المجهول، وهي في الوقت نفسه أم لديها أطفال يحتاجون إليها.
وأكملت مها الطريق، واليوم لا تتلقى علاجًا نشطًا، وإنما تتابع مع الأطباء وفق خطة المتابعة بعد العلاج، وتحمل قصتها ذاكرة مرحلة قاسية لم تبدأ بكلمة «سرطان» في ذهنها، وإنما بتغير في الثدي أثناء الرضاعة.
وقصتها تذكر برسالة مهمة: الرضاعة الطبيعية لا تعني أن كل تغير في الثدي طبيعي، كما أن وجود تغير أثناء الرضاعة لا يعني تلقائيًا الإصابة بالسرطان. الفيصل هو التقييم الطبي عندما يكون التغير جديدًا أو مستمرًا أو مقلقًا.
يقول الدكتور عمرو حسن بعد انتهاء العلاج، قد تتمكن بعض السيدات من استعادة الرضاعة بحسب نوع الجراحة والعلاج الإشعاعي وقدرة الثدي على إنتاج اللبن، والأدوية التي تتناولها ومدة التخلص منها من الجسم.وقد يقل إنتاج اللبن في الثدي الذي خضع للعلاج، بينما يمكن في بعض الحالات أن تعتمد الأم على الثدي الآخر.
ويضيف هنا لا يتعلق القرار بالأم وحدها، وإنما بالأم والطفل معًا؛ فلابد من وضع خطة تغذية آمنة للطفل بالتنسيق مع طبيب الأطفال، مع التعامل مع امتلاء الثدي وإنتاج اللبن، والأهم ألا تشعر الأم بأنها أقل أمومة إذا اضطرت إلى إيقاف الرضاعة مؤقتًا أو نهائيًا بسبب العلاج.
أما الرضاعة الطبيعية أثناء علاج سرطان الثدي، فيوضح د. عمرو أن الأمان يعتمد على نوع العلاج.ففي أثناء كثير من العلاجات الجهازية، ومنها بعض أدوية الكيماوي، قد تصل الأدوية إلى حليب الأم، كما أن العلاج الهرموني لا يتوافق عادةً مع الرضاعة، وهناك علاجات موجهة أو مناعية تحتاج أيضًا إلى تجنب الرضاعة أو إلى بيانات أمان غير كافية.
وتختلف المدة الآمنة بعد آخر جرعة من دواء إلى آخر، لذلك يجب أن تكون هناك تعليمات واضحة من الفريق المعالج.
أطباء يقدمون روشتة كاملة لرحلة المريضة من التشخيص إلى علاج
هل دائمًا وجود كتلة يعني سرطان؟
الدكتورة نجلاء عبد الرازق، أستاذ الأشعة التشخيصية والتداخلية ورئيس وحدة التصوير الطبي للمرأة بكلية طب قصر العيني، جامعة القاهرة، توضح أن وجود كتلة أو تغير في الثدي لا يعني تلقائيًا الإصابة بالسرطان، لأن هناك أسبابًا حميدة ومتعددة قد تؤدي إلى ظهور كتل أو تغيرات في أنسجة الثدي.
لكن المشكلة، كما توضح، أن الاعتماد على الفحص باليد وحده لا يكفي لاستبعاد كل المشكلات، فبعض التغيرات تظهر في الأشعة قبل أن تكون محسوسة، ومن بينها بعض التكلسات الدقيقة التي يمكن أن تظهر في الماموجرام.وتشرح أن تقييم الثدي لا يعتمد على فحص واحد لكل النساء، وإنما يختار الطبيب الفحص المناسب وفق العمر والأعراض والتاريخ المرضي وطبيعة التغير.وقد يشمل التقييم الماموجرام أو الموجات فوق الصوتية أو الرنين المغناطيسي في حالات محددة.والماموجرام يمكن أن يكشف بعض التغيرات الدقيقة التي لا يمكن اكتشافها بالفحص اليدوي، بينما يكون السونار مفيدًا في تقييم طبيعة بعض الكتل، وقد يستخدم الرنين المغناطيسي في حالات مختارة.
BI-RADS.. هل يعني وجود رقم مرتفع أن عندي سرطان؟
من المصطلحات التي قد تربك المريضة بعد الأشعة كلمة «BI-RADS».
وتوضح د. نجلاء أن BI-RADS هو نظام موحد لتصنيف نتائج تصوير الثدي، والهدف منه توحيد وصف النتيجة وتحديد الخطوة التالية.
لكن تصنيف BI-RADS ليس تشخيصًا نهائيًا للسرطان.فبعض الدرجات تعني أن النتيجة تحتاج إلى متابعة، بينما تشير درجات أخرى إلى ضرورة استكمال التقييم أو أخذ عينة.
وعندما تكون العينة مطلوبة، فإنها هي التي تسمح بتأكيد التشخيص النسيجي، إلى جانب تحديد خصائص الورم التي تؤثر في اختيار العلاج.
هل سرطان الثدي مرض واحد؟
الدكتور محمد إمام، استشاري الأورام ونائب مدير المعهد القومي للأورام، يوضح أن سرطان الثدي ليس مرضًا واحدًا، ولذلك لا يمكن وضع خطة علاج واحدة لكل المريضات.ويعتمد اختيار العلاج على مجموعة من العوامل، من بينها حجم الورم ودرجته، وحالة الغدد الليمفاوية، ووجود انتشار بعيد من عدمه، ومستقبلات الهرمونات، وحالة HER2، إلى جانب عمر المريضة وحالتها الصحية العامة.
وهذا يفسر لماذا قد تحصل مريضة على علاج لا تحصل عليه مريضة أخرى رغم أن التشخيص في الحالتين هو «سرطان الثدي».
هل استئصال الثدي هو الحل الوحيد؟
ليس بالضرورة.
ففي بعض الحالات المناسبة يمكن إجراء جراحة تحفظ الثدي، بينما قد تحتاج مريضات أخريات إلى استئصال الثدي وفق حجم الورم ومكانه وخصائصه وعوامل أخرى.ويؤكد الأطباء أن القرار الجراحي يجب أن يكون جزءًا من خطة علاج كاملة، وليس قرارًا منفصلًا عن بقية مراحل العلاج.
إعادة بناء الثدي.. متى وكيف؟
د. أمنية، استشاري جراحة أورام الثدي و إعادة البناء مستشفى جوستاف روسي انترناشونال- مصر أن إعادة بناء الثدي يمكن أن تكون فورية مع الجراحة أو مؤجلة إلى مرحلة لاحقة، بحسب حالة المريضة وخطة علاجها.ويمكن أن تتم إعادة البناء باستخدام حشوات، أو أنسجة ذاتية من جسم المريضة، أو الدمج بين أكثر من تقنية.
وإعادة البناء بالأنسجة الذاتية قد تعطي شكلًا وإحساسًا طبيعيًا في بعض الحالات، لكنها جراحة أكبر وأكثر تعقيدًا، ولذلك لا توجد تقنية واحدة يمكن اعتبارها الأنسب لكل النساء.
كما أن توقيت إعادة البناء يتأثر بالخطة العلاجية، خصوصًا إذا كانت المريضة ستحتاج إلى العلاج الإشعاعي، إضافة إلى حالتها الصحية، وطبيعة الأنسجة، ورغبتها الشخصية.وتؤكد د. أمنية أن إعادة بناء الثدي لا تعني انتهاء المتابعة الطبية، فالمريضة تظل بحاجة إلى متابعة الأورام والجراحة وفق حالتها.
بدء العلاج.. أول جلسة كيماوي.. ماذا عليّ أن أفعل؟
بعد تحديد الخطة، تبدأ مرحلة العلاج الدوائي، وهنا يظهر خوف جديد لدى كثير من المريضات: ماذا سيحدث في أول جلسة؟ وهل سأتحمل الأدوية؟
يقول الدكتور عماد برسوم، استشاري الباطنة والأورام، إن التحضير للعلاج الكيماوي لا يبدأ داخل غرفة العلاج فقط، وإنما يبدأ قبل الجرعة الأولى.ومن الفحوص التي قد تحتاج إليها المريضة تعداد الدم الكامل، بما يشمل الهيموجلوبين وكريات الدم البيضاء والعدلات والصفائح، إضافة إلى وظائف الكبد والكلى، وفق نوع العلاج. وقد تحتاج البعض إلى تخطيط للقلب أو موجات صوتية على القلب، خصوصًا مع بعض الأدوية التي قد تؤثر في عضلة القلب، بحسب النظام العلاجي المستخدم.
كما يجب إبلاغ الطبيب بكل الأدوية والمكملات التي تتناولها المريضة، وبأي أمراض مزمنة أو حساسية دوائية، وكذلك وجود أعراض عدوى أو حرارة أو أي مشكلة صحية جديدة.ويؤكد د. عماد أهمية ألا تبدأ المريضة أو توقف دواءً أو مكملًا من تلقاء نفسها أثناء العلاج.
ومن المفيد قبل الجلسة أن تعرف المريضة اسم الأدوية التي ستتلقاها، ومدة الجلسة المتوقعة، والأعراض الجانبية المحتملة، والأدوية التي يمكن إعطاؤها قبل العلاج لتقليل بعض الأعراض، ومتى يجب الاتصال بالطبيب.
هل يجب الصيام قبل العلاج؟
الصيام ليس قاعدة عامة لكل مريضات سرطان الثدي، وإنما يعتمد على نوع الإجراء والبروتوكول المستخدم والتعليمات الخاصة بالمركز المعالج.لذلك لا ينبغي للمريضة أن تمتنع عن الطعام أو الشراب لساعات طويلة من تلقاء نفسها لمجرد أنها سمعت أن «الكيماوي يحتاج صيامًا».
تساقط الشعر والتعب والغثيان.. الأعراض ليست واحدة عند كل المريضات
قد ترتبط صورة العلاج الكيماوي في ذهن الناس بتساقط الشعر والغثيان والإرهاق، لكن الأعراض تختلف بشدة من مريضة إلى أخرى، كما تختلف حسب نوع الدواء والجرعة وعدد الجلسات والحالة الصحية.وبعض الأعراض يمكن التعامل معها بأدوية داعمة، ولهذا يجب إبلاغ الفريق الطبي بها بدل تحملها بصمت.كما أن ظهور عرض جانبي لا يعني بالضرورة أن العلاج «يدمر الجسم»، كما أن غياب الأعراض الجانبية لا يعني أن العلاج لا يعمل.فالأعراض الجانبية واستجابة الورم شيئان مختلفان.وهنا يجب أن تتعلم الأسرة أيضًا عدم تقييم نجاح العلاج من خلال شكل المريضة فقط.فقد تكون المريضة متعبة لكنها تستجيب للعلاج، وقد تبدو أفضل جسديًا دون أن يكون المظهر الخارجي وسيلة للحكم على الورم.
العلاج الموجه والهرموني.. لماذا تحصل مريضة على دواء لا يصلح لأخرى؟
العلاج الموجه أصبح جزءًا مهمًا من علاج بعض أنواع سرطان الثدي، خاصة عندما يحمل الورم هدفًا علاجيًا محددًا مثل HER2.
وفي المقابل، عندما تكون مستقبلات الهرمونات موجودة، قد يكون العلاج الهرموني جزءًا من الخطة.وهذا يفسر لماذا لا يمكن لمريضة أن تسمع أن صديقتها أخذت دواءً معينًا فتطلب الدواء نفسه، العلاج يُختار بناءً على خصائص الورم، وليس على رغبة المريضة في الحصول على «أقوى علاج».
مرحلة العلاج الإشعاعي
بعد الجراحة والعلاج الدوائي، قد تأتي مرحلة العلاج الإشعاعي إذا كانت الخطة تستدعي ذلك.ويشرح د. عماد برسوم أن المريضة تستلقي على طاولة مستطيلة، بينما يتحرك جهاز العلاج حولها لتوصيل الإشعاع من زوايا محسوبة، بهدف إيصال الجرعة إلى المنطقة المستهدفة وتقليل تعرض الأنسجة السليمة قدر الإمكان.وتستغرق جلسة العلاج عادة نحو 20 إلى 30 دقيقة، وقد تزيد أو تقل حسب التقنية والخطة.
العلاج الإشعاعي الخارجي نفسه غير مؤلم أثناء إعطاء الجرعة، لكن قد تظهر أعراض جانبية مع تتابع الجلسات، مثل الإرهاق أو تغيرات الجلد في المنطقة المعالجة.وغالبًا يتم إعطاء العلاج في أيام متتابعة خلال الأسبوع مع أيام راحة، لكن عدد الجلسات ونظام توزيعها يختلفان وفق الخطة الحديثة المناسبة لكل حالة.
هل تستطيع المريضة التعامل مع أطفالها؟
نعم، في حالة العلاج الإشعاعي الخارجي المعتاد لا تصبح المريضة «مصدر إشعاع» بعد انتهاء الجلسة، ولذلك يمكنها التعامل بصورة طبيعية مع أطفالها والحامل وكبار السن، ما لم توجد تعليمات خاصة مرتبطة بإجراء آخر.
كما أن كثيرًا من المريضات يستطعن مواصلة جزء من حياتهن اليومية أو العمل، بحسب حالتهن والأعراض الجانبية وطبيعة العمل.
العناية بالجلد أثناء الإشعاع
يؤكد د. عماد أن الجلد في منطقة العلاج يحتاج إلى عناية خاصة.ويُنصح عادة بتجنب التعرض المباشر للشمس، وارتداء ملابس قطنية واسعة لا تحتك بالجلد، وتنظيف المنطقة بلطف بماء فاتر وصابون لطيف غير معطر، مع تجنب الفرك أو الحك أو استخدام الماء شديد السخونة أو الثلج المباشر.كما لا ينبغي وضع الكريمات أو الزيوت أو العطور أو البودرة من تلقاء النفس على المنطقة المعالجة، وإنما تستخدم المستحضرات التي يوصي بها الفريق المعالج.
المتابعة ليست رفاهية
انتهاء آخر جلسة لا يعني أن العلاقة مع الفريق الطبي انتهت.المتابعة جزء أساسي من رحلة المريضة، ويختلف جدولها من حالة إلى أخرى بناءً على نوع الورم ومرحلته والعلاجات التي تلقتها وحالتها الصحية.
ولا تحتاج كل مريضة بعد انتهاء علاج سرطان الثدي إلى مسح ذري أو PET-CT أو فحوص شاملة متكررة دون سبب.الفحوص المتقدمة يتم اختيارها عندما تكون هناك دواعٍ سريرية أو أعراض أو نتائج في الفحص تستدعي ذلك.
الدعم النفسي.. د. هالة حماد: «السرطان لا يصيب المريضة وحدها».. الأسرة تحتاج إلى رعاية نفسية أيضًا
الدكتورة هالة حماد، استشاري الطب النفسي بجامعة عين شمس تؤكد أنه في كثير من البيوت، بمجرد صدور تشخيص سرطان الثدي، تتحول كل الأنظار إلى المريضة.وهذا طبيعي، لأنها صاحبة المرض والعلاج، لكن الأسرة نفسها تمر بأزمة نفسية.
فالطفل قد يسمع كلمة «سرطان» ولا يفهم معناها، لكنه يفهم أن أمه أصبحت متعبة، وأن شعرها بدأ يتساقط، وأنها تذهب إلى المستشفى كثيرًا، وأنها قد لا تستطيع اللعب معه أو الاهتمام به بالطريقة المعتادة.وقد يبدأ الطفل في الخوف من فقدان الأم، أو الشعور بأنها لم تعد تحبه لأنها أصبحت أقل قدرة على الاهتمام به، أو يتحول خوفه إلى مشاكل في النوم أو المدرسة أو السلوك.
وتوضح د. هالة أن الدعم النفسي لا ينبغي أن يبدأ فقط عندما تصل المريضة إلى مرحلة اكتئاب شديد أو نوبات هلع، وإنما يمكن أن يكون جزءًا مبكرًا من الرعاية.وقد تحتاج بعض المريضات إلى تدخل نفسي أو علاج دوائي للاكتئاب أو القلق، لكن اختيار الدواء يجب أن يكون بواسطة الطبيب وبالتنسيق مع الفريق المعالج، لأن بعض أدوية الطب النفسي قد تحتاج إلى مراجعة عند استخدامها مع أدوية أخرى.
كما تحذر من فكرة أن الدراسات التي تبحث في تأثير بعض الأدوية النفسية على الخلايا السرطانية تعني أن هذه الأدوية أصبحت علاجًا للسرطان؛ فهذا استنتاج غير صحيح، ولا يجوز للمريضة أن تستخدم أي دواء نفسي بهدف علاج الورم.
الطفل لا يحتاج إلى «كذبة مريحة».. لكنه يحتاج إلى شرح يناسب سنه
تقول هالة حماد إن من أصعب الأسئلة التي تواجه الأسرة: «نقول للطفل إيه؟».والإجابة تختلف حسب عمر الطفل ونضجه، لكن إخفاء كل شيء قد يزيد الخوف.فالطفل يلاحظ التغيرات حتى لو لم يفهم سببها.
يمكن شرح الأمر بلغة بسيطة تناسب عمره، مثل أن الأم لديها مرض يحتاج إلى علاج وأن الأطباء يساعدونها، مع طمأنته إلى أن وجود المرض ليس ذنبه، وأن هناك أشخاصًا بالغين مسئولين عن رعايته.
كما يمكن الحفاظ قدر الإمكان على الروتين اليومي للطفل، لأن الروتين يعطي إحساسًا بالأمان في فترة يشعر فيها بأن كل شيء تغير.
والأهم ألا يتحول الطفل إلى «مراقب» دائم لحالة أمه.فالأم ليست مطالبة بأن تبدو قوية أمام أطفالها طوال الوقت، والأسرة ليست مطالبة بإخفاء مشاعرها بالكامل.
وتنصح الأسرة:" متقولش المريضة لازم تبقى قوية.. الدعم الحقيقي مش مجرد كلام إيجابي ومن الأخطاء الشائعة أن تحاول الأسرة رفع معنويات المريضة طوال الوقت بجمل مثل: «لازم تبقي قوية»، «ممنوع تعيطي»، «فكري بإيجابية»، «فلانة خفت وإنتِ هتخفّي».
هذه العبارات قد تكون حسنة النية، لكنها قد تجعل المريضة تشعر بأنها ممنوعة من الخوف أو التعب.
وتوضح المؤسسة البريطانية المتخصصة فى أبحاث السرطان والتوعية Cancer Research UK أن المشاعر بعد تشخيص السرطان يمكن أن تشمل الصدمة والخوف والحزن والغضب والارتباك، وأن هذه المشاعر قد تتغير من يوم إلى آخر. كما تنصح مقدمي الدعم بالاستماع وعدم الضغط على المريض كي يبدو قويًا طوال الوقت
وأكدت ـم الدعم الحقيقي قد يكون أبسط من ذلك باستخدام بعض العبارات مثل:«أنا معاكي».«قوليلي إيه اللي محتاجاه».«لو مش عايزة تتكلمي، أنا موجودة برضه».«هروح معاكي للدكتور».«أنا ههتم بالأولاد النهارده».«خدي وقتك».
من أول أشعة إلى آخر جلسة.. 10 رسائل من كلام الأطباء يجب ألا تنساها مريضة سرطان الثدي
أولًا: وجود كتلة في الثدي لا يعني تلقائيًا وجود سرطان، لكن أي تغير جديد أو مستمر يحتاج إلى تقييم مناسب.
ثانيًا: الماموجرام والموجات الصوتية والرنين المغناطيسي ليست فحوصًا متنافسة، لكل منها استخداماته، ويحدد الطبيب الأنسب وفق الحالة.
ثالثًا: BI-RADS تصنيف للأشعة يساعد في تحديد الخطوة التالية، وليس تشخيصًا نهائيًا للسرطان.
رابعًا: العينة هي التي تؤكد التشخيص النسيجي عندما تكون مطلوبة، كما تساعد في تحديد خصائص الورم التي تؤثر في العلاج.
خامسًا: سرطان الثدي ليس مرضًا واحدًا، ولذلك لا يمكن مقارنة علاج مريضة بأخرى لمجرد أن التشخيص يحمل الاسم نفسه.
سادسًا: استئصال الثدي ليس الخيار الوحيد لكل المريضات، وفي الحالات المناسبة يمكن إجراء جراحات تحفظ الثدي.
سابعًا: إعادة بناء الثدي يمكن أن تكون جزءًا من الخطة الجراحية في بعض الحالات، سواء أثناء استئصال الثدي أو في مرحلة لاحقة، ولا توجد تقنية واحدة تناسب الجميع.
ثامنًا: العلاج الكيماوي أو الموجه أو الهرموني أو الإشعاعي لا يعطى بصورة عشوائية، لكل علاج سبب مرتبط بخصائص الورم وحالة المريضة.
تاسعًا: انتهاء العلاج لا يعني إلغاء المتابعة، كما أن ظهور نتيجة غير طبيعية في فحص المتابعة لا يعني تلقائيًا عودة السرطان.
عاشرًا: الصحة النفسية ليست تفصيلة جانبية، المريضة وأسرتها يحتاجون إلى الدعم، واللجوء إلى الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي ليس علامة ضعف.
لكن النجاح الحقيقي في رحلة العلاج لا يعتمد فقط على اختيار الدواء أو الجراحة؛ وإنما أيضًا على أن تفهم المريضة ما يحدث لها، وأن تسأل، وأن تحصل على معلومات واضحة، وأن تعرف أن الخوف في البداية لا يعني أنها لن تستطيع إكمال الطريق.
مواجهة سرطان الثدي ليست معركة تخوضها امرأة بمفردها، وإنما رحلة تحتاج إلى طبيب يسمع، وأسرة تتتعاون، ومعلومة صحيحة، ومريضة تعرف حقوقها وأسئلتها.
