لا تقف مصر فى مكانها ليومين متتاليين. تتحرك طوال الوقت، بوتيرة متسارعة، وعلى كل الأصعدة معًا.
غير أنها شهدت فى اليومين الأخيرين نشاطا أعلى من المعتاد، ومختلفا فى الشكل، شديد الدلالة والأثر فى المضمون.
مدَّدت وزارة المالية مهلة التسجيل المشمولة بالمزايا فى منصة الضرائب العقارية، ودُعِىَ مجلس النواب لجلسة طارئة قبل ساعات من انطلاق دور انعقاده العادى، أقرّ فيها إرجاء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية.
وبينهما؛ عقد الرئيسُ السيسى لقاء موسّعًا، وغير مسبوق فى تركيبته؛ وإن لم يكُن غريبًا فى فكرته؛ لأنه حريص على الحالة ذاتها طوال الوقت.
جُمِعَ الوزراء والمحافظون، إلى المسؤولين وقادة الأجهزة الأمنية، مع خبراء من مجالات عدة، وبعض العُمد والمشايخ يمثلون ريف مصر العريض، بواقع نصف السكان فى أكثر من 4 آلاف و500 قرية.
والدلالة الأولى تنبع من تركيبة الحضور؛ إذ تتجسّد فيهم فسيفساء الدولة على مستوييها الرسمى والشعبى. ويتضاعف المعنى اتصالا بالمكان، مقر القيادة الاستراتيجية.
ما يُشير إلى أرفع مستوى تُدار منه الشواغل الوطنية، ويحضر فيه الوطن كله عبر ممثلين عن فئاته المتنوعة، فى السلطة والشارع.
يحتشد الجهاز التنفيذى معًا بالكامل، فتسمح الحكومة من المُحافظين والعكس، وكلاهما يقف أمام رؤية القيادة العليا، وتطلّعات القاعدة الشعبية.
تحدّث الرئيس وأنصت لأحاديث الآخرين، وتكلم تسعة وزراء عن ملفات عملهم. وتلقت الداخلية توجيها مباشرا بتخفيض رسوم التراخيص؛ فما انقضى سواد الليل إلا وأقرته فعليا فى الصباح الباكر.
إشارة جزئية تحمل منفعة مباشرة؛ لكن الأهم فيها أنها تؤكد أهمية التلاقى، وفاعلية التحاور، وأثر الاتصال بين الإدارة والمواطن عندما يتحلى بالكفاءة والديناميكية والانتظام: يعرض المسؤول ويسمع، ويتوصّل الطرفان معا إلى لغةِ حوارٍ مُشتركة، ونقاط اتفاق مفهومة ومُقنعة.
رأيت الجلسة نسخة منقحة عن الحوار الوطنى، وقد دعا له الرئيس قبل سنوات ليضطلع بالمهمة نفسها، ويُشبّك الحلقات الفاعلة فى سلسلة الدولة بطبقاتها، بما يحقق كفاءة الوصل وحيوية التفاهم ونقل المعلومات.
ولا تفوّت القيادة فرصة لإنتاج الحالة نفسها، فى فعاليات رسمية منتظمة، أو عبر مناسبات عارضة. فى الإفطارات والأعياد وغيرها.
يحبُّ السيسى مخاطبة الناس مباشرةً، وأن يسمعوا من أفواه المعنيين بالملفات، وتكون الأحاديث موثقة بالأرقام والتفاصيل.
وفيما تستعد الحكومة لمؤتمر حاشد خلال الشهر الجارى، تنفيذا لتوجيه رئاسى أيضا، يُفترض أن يتضمن عرضا مدققا لحصيلة العمل، وردودا تفصيلية ومقنعة على شواغل الرأى العام؛ فإن عليها أن تستفيد من الملتقيات المتوالية للقيادة السياسية، وأن تحاكيها فى التنوع والفاعلية.
يوجه الرئيس بالقول كثيرا، وتوجيهاته بالفعل أعلى وأوجب بالالتزام. وأرى ما يفعله على صعيد الاتصال السياسى ومخاطبة الجمهور، من باب «التنبيه بالأعلى على الأدنى».
وذلك؛ كما يقول المختصون فى أصول الفقه، ضمن مبدأ الموافقة بما يشتمل عليه من إعطاء حكم المنطوق لغيره ممن يناظره فيتساوى معه، أو يدنو عنه فيكون أولى بالخضوع للقاعدة.
تجتهد الحكومة؛ فتصيب وتخطئ كما هى طبائع الأمور. وغاية الطلب أن نستثمر الإيجابى ونعزّزه، ونُحجّم السلبى ونتلافاه، وقبل ذلك وبعده ألا يكون العمل فى الخفاء، ولا بعيدا عن المجال العام.
تمام الكفاءة والفاعلية أن يكون العمل التتفيذى فى قفص زجاجى، وأن يحرص المسؤول قبل سواه على أن يكون جهده تحت بصر الجمهور.
اكتشفت الحكومة شيئا فى تطبيق الضرائب العقارية؛ فلم تنكره، ومدّدت مهلة التسجيل. وقد يرى البعض فى إرجاء قانون الإجراءات الجنائية ملاحظة.
غير أننى أرى فى الإجراء إقرارا بالتحديات، من دون إنكار أو مكابرة. وقانون التصالح فى مخالفات البناء فُتِح مرّتين بعد 2019، بالتعديل ثمّ التغيير، وقد يُطرَح مشروع جديد، وما من عيبٍ طالما نُقرّ بالقصور، ونسدّ الثغرات أوّلاً بأوّل.
مدبولى ورجاله فى الوزارات والمحليات، مدعوّون إلى اقتفاء أثر الرئيس، ومُحاكاته فى التجربة، سعيا إلى توسيع مظلّة الحوار لتضم الجميع، وإلى أن يكون جادًّا، حيويًّا، ومُمتدًا بكفاءة وفاعلية فى الاتجاهين.
أعرف أن المحافظين يعقدون لقاءات جماهيرية؛ إنما قد لا يُداومون عليها، وتنحصر فى استقبال أصحاب الطلبات والمشكلات. والقصدُ أن يُدَعى المختصون والخبراء وكل ذى علمٍ من أبناء المحافظة.
فى لقاء الرئيس أول من أمس، عرض عُمدة إحدى القرى فى المنيا حالة نموذجية للشراكة المجتمعية، انعكست على البيئة وأهلها، والحقّ أن إشراك الناس فى الأمر لا يقل أهمية عن النتائج.
ونحتاج لاستلهام تلك التجربة والتدرّج بها صعودًا، من القرى للمُدن والمحافظين، وصولاً إلى كل القطاعات والهيئات والوزراء. وأن يكون الحوار مُكوّنًا أصيلاً فى البنية المؤسسية ونظام العمل، وفريضة لا فضيلة.
ولتكُن البداية من مؤتمر أكتوبر، المقرر انعقاده فى غضون أسبوعين أو أكثر قليلاً. فيتمثّل فيه المعنيّون على كل المستويات، وتُعرَض الأرقام جنبًا لجنبٍ مع الأحلام، والتحديات مع المآخذ، ويُرَد على كل شىء بالمنطق والبَيّنة؛ ثم تكون سُنّة حسنة تُستنسَخ وتتكرّر قطاعيًّا ودَوريًّا.
كل الأطياف معًا، بلا أيديولوجيا أو تلوين، فتكون مصر كلها تحت سقف واحد.. بمثل ما كان فى القيادة الاستراتيجية، وفى الحوار الوطنى، ويجب أن يكون فى كلّ محفلٍ وطنىٍّ عام.
فعلها الرئيس مرّة بعد أخرى فى لقاءات ومُنتديات؛ ثّم وجه بالحوار الوطنى وغيره من أنشطة. وليست مصادفة أن يعقد جلسة القيادة الاستراتيجية، قبل مؤتمر الحكومة بأيام.
يقول ما يتطلّع إليه؛ ثم يعرض نموذجًا عمليًّا له، ويُقدّم القدوة كعادته.. «بيان على المُعلّم» باللغة النظاميّة، وما على المسؤولين إلا الاسترشاد، والتيقّن من أن الحوار واجب، والإعلام ضرورة، ولا شىء يغنى عن الوصول إلى الناس أبدًا.