شريف عارف

عن تدمير نفسية المصريين

الخميس، 01 أكتوبر 2026 04:00 م


الحروب النفسية هي أقدم أنواع الحروب، التي تهدف إلى تحقيق نتائج أكثر تأثيرًا في نفسية الشعوب من الآلة العسكرية.

خلال القرن العشرين، تعرضت مصر لحروب نفسية منظمة وممنهجة، ربما ظهرت بوضوح في الفترة التي أعقبت هزيمة 1967.

كان الهدف الواضح والمباشر هو تسريب روح اليأس والإحباط إلى الشعب، والتأكيد على أنه من المستحيل تجاوز فكرة الهزيمة. لكن جاءت حرب أكتوبر لتسقط هذه الأهداف، كما أسقطت – في ذات الوقت – نظرية الأمن الإسرائيلي.

الآن، وفي عصر «النيوميديا»، لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى ساحات تستهدف العقل والوعي وتدمير الروح المعنوية.

الحرب النفسية – في حد ذاتها – هي أحد أهم أدوات الصراع، فهي ليست حربًا بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية، تُستخدم في أوقات السلم والحرب، عبر توظيف الإمكانات السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية للتأثير في اتجاهات المجتمع وسلوكه.

الحرب النفسية في جوهرها تقوم على محاولة التأثير في معتقدات الإنسان وقناعاته، واستغلال الضغوط والأزمات لإعادة تشكيل نظرته إلى واقعه ومؤسسات دولته ومستقبله. وفي هذا السياق، يصبح الفرق واضحًا بين القناعة التي تنبع من التفكير الحر، والفكرة التي تُفرض تحت تأثير الخوف والضغط والتضليل، والتي غالبًا ما تتراجع بزوال أسبابها.

وفي مصر، خلصت دراسات وقراءات استراتيجية وإعلامية إلى تعرض المجتمع، منذ عام 2013، لحملات منظمة اعتمدت على الشائعات والتشكيك وتضخيم الأزمات، بهدف إثارة البلبلة وزعزعة الثقة وإضعاف الروح المعنوية للشعب المصري.

خلال السنوات العشر الأخيرة – على وجه التحديد – عملت هذه الحملات على تصوير الأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية باعتبارها أزمات دائمة وبلا نهاية، بهدف إقناع المواطن البسيط بأن جهود الإصلاح والإنتاج بلا جدوى، مما يدفعه إلى الإحباط والسلبية وفقدان الثقة في المستقبل، وربما الثقة في وجوده.

هذه الاستراتيجية لم تقتصر على نشر أخبار كاذبة، بل تضمنت اجتزاء الوقائع وإعادة تقديم القرارات والأحداث ضمن سرديات تقوم على الفشل أو المؤامرة، بجانب استخدام الحسابات الوهمية والصفحات المنسقة لإيهام المتلقي بأن الخطاب السلبي يمثل رأي الأغلبية. كما يُستخدم إغراق الفضاء الرقمي بكم هائل من الأخبار السلبية والشائعات لإرباك المتلقي وإضعاف قدرته على التحقق والتحليل لما يدور حوله.

ظل الهدف واحدًا: فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، من خلال مهاجمة الرموز الوطنية، والتشكيك في مؤسسات الجيش والشرطة، والتقليل من قيمة المشروعات والإنجازات، بما يستهدف في النهاية تماسك الجبهة الداخلية.

وفي ظل هذا التطور التكنولوجي الكبير، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وأدوات الفيديو القصير والبث المباشر والمنصات المشفرة ساحات رئيسية لنشر التضليل وخطابات الكراهية والتحريض على الفوضى، خصوصًا بين الشباب، الذين هم في الأصل الأساس لصناعة المستقبل.

قبل أيام، أكد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية الحفاظ على الروح المعنوية للرأي العام والابتعاد عن الإحباط، وأن الدولة تمتلك أدوات يمكن أن يؤدي حسن استغلالها إلى نتائج إيجابية، إلى جانب ضرورة حسن معاملة المواطنين أثناء تقديم الخدمات لهم.

جاء حديث الرئيس خلال اجتماع موسع مع رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمحافظين وعدد من المسؤولين والخبراء وقادة القوات المسلحة والشرطة وممثلين عن المواطنين، بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.

هذه الرؤية تؤكد أن مواجهة الحرب النفسية لا تقتصر على الرد على الشائعات، وإنما تبدأ من بناء الثقة، وتحسين الأداء والخدمات، وتوفير المعلومات الصحيحة، وتعزيز الوعي والتفكير النقدي.

المعركة الحقيقية في هذا النوع من الصراعات تدور حول وعي المواطن وقدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل. وكلما امتلك المجتمع وعيًا جمعيًا أكثر صلابة، أصبح أكثر قدرة على إحباط محاولات صناعة الخوف واليأس والفوضى، لتظل الجبهة الداخلية المتماسكة خط الدفاع الأهم في مواجهة الحرب النفسية وحملات استهداف الدولة والمجتمع.

مصر تستطيع المقاومة.. المهم تماسك جبهتها ووعي شعبها.

 

Sherifaref2020@gmail.com




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة