رد الدكتور محمد منصور هيبه المستشار الإعلامى لجامعة القاهرة على ما كتبه المهندس طارق النبراوي نقيب المهندسين السابق تحت عنوان «تصريح صادم»، تعليقًا على حديث للدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، بشأن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين بالجامعة بنحو 8 ملايين دولار.
المقال بنى موقف على تفسير يختلف عن السياق
وقال الدكتور منصور هيبه فى بيان له على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعى " الفيسبوك" فى الحقيقة أنني وجدت أن المقال بنى موقفًا كاملًا على تفسير يختلف عن السياق الذي قيل فيه، ثم انتقل من هذا التفسير إلى نتيجة أخطر، وهي أن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين جاءت على حساب فرص الطلاب المصريين في الالتحاق بجامعة القاهرة.
وتابع ، ومن هنا يصبح من الضروري، قبل إطلاق الأحكام، العودة إلى أصل الحديث وسياقه. فالتصريح لم يكن عن إحلال الطلاب الوافدين محل الطلاب المصريين، ولم يكن إعلانًا عن توجه لتحويل الجامعة إلى مؤسسة هدفها جمع الإيرادات.
الحديث جاء خلال استعراض رئيس الجامعة لما تحقق على مدار عامين من توليه مسئولية رئاسة الجامعة، وتناول عددًا من محاور العمل، كان من بينها تعظيم الموارد المالية للجامعة إلى جانب تطوير العملية التعليمية والبحث العلمي والمستشفيات والبنية التحتية والتحول الرقمي والرعاية الاجتماعية والتوسع الدولي.
واستطرد، أن تعظيم الموارد في جامعة بحجم جامعة القاهرة لا ينبغي اختزاله في فكرة «جمع الأموال»، فالجامعة تحتاج إلى موارد لتحديث معاملها ومكتباتها، وتطوير بنيتها التحتية الرقمية، واستكمال منشآتها، وتحديث مستشفياتها، ودعم الطلاب غير القادرين في المصروفات الدراسية والعلاج، فضلًا عن متطلبات دخولها في مشروع Tier 1 للجامعات الرائدة الذي تتبناه الدولة.
ومن ثم، فالسؤال المنطقي ليس: لماذا تزيد جامعة القاهرة مواردها؟ وإنما: كيف تستخدم الجامعة هذه الموارد، وإلى أي مدى تنعكس على جودة التعليم والبحث العلمي والخدمات التي تقدمها؟
أما رقم الـ8 ملايين دولار الذي أثار كل هذا الجدل، فمن المهم وضعه في إطاره الصحيح. فهذا الرقم لا يمثل إجمالي إيرادات الطلاب الوافدين، وإنما الزيادة التي تحققت في إيرادات هذا الملف نتيجة تحصيل متأخرات مستحقة للجامعة، وتحسين إدارة الملف، والعمل على جذب مزيد من الطلاب الدوليين للدراسة في مختلف كليات جامعة القاهرة التي لا يتجاوز عدد الطلاب الوافدين في مجموعها نسبة 14% من اجمالي الطلاب المصريبن بجامعة القاهرة.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية في النقد المنشور: أين الدليل على أن هذه الزيادة تحققت نتيجة حرمان طلاب مصريين من أماكنهم؟
وأود هنا أن أشير من واقع الأرقام، إلى أن إجمالي عدد الطلاب الوافدين في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والتي أشار إليها الدكتور النبراوي، وتهمه بالمقام الاول بحكم الممارسة والتخصص، هو 1231 طالب وافد من إجمالي 9043 طالب بالكلية، وبما يعني أن نسبة الطلاب الوافدين تمثل 13.6% بينما تمثل نسبة الطلاب المصريين 86.4% ... وفي كلية طب قصر العيني، تمثل نسبة الطلاب الوافدين نحو 26% من إجمالي طلاب الكلية، مقابل نحو 74% من الطلاب المصريين. وأمام هذه الأرقام، يصعب تصوير الأمر باعتباره إحلالًا للطلاب الوافدين محل الطلاب المصريين أو انتقاصًا من فرصهم مقابل تحصيل رسوم بالدولار، ولا أعتقد أن هناك تعارضًا بين الحفاظ على حق الطالب المصري في التعليم الجامعي الحكومي وبين جذب الطلاب الوافدين. المساران يمكن أن يتكاملا ما دامت هناك قواعد واضحة للقبول ولا يتم الانتقاص من الفرص المقررة للطلاب المصريين.
استقطات الطلاب الوافدين
وأردف، بل إن استقطاب الطلاب الوافدين يمثل أحد أبعاد دولية الجامعات وانفتاحها على العالم، وتدخل مؤشرات التنوع الدولي ونسب الطلاب الدوليين ضمن منهجيات عدد من التصنيفات والمؤشرات الجامعية العالمية التي تتنافس فيها جامعة القاهرة مع كبرى الجامعات إقليميًا ودوليًا. فالجامعة المرموقة لا تُقاس فقط بعدد طلابها المحليين، وإنما أيضًا بقدرتها على أن تكون مقصدًا تعليميًا جاذبًا للطلاب من مختلف الدول والثقافات. ومن ثم، فإن إقبال الطلاب الوافدين على جامعة القاهرة لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية العائد المالي، بل باعتباره أيضًا مؤشرًا على جاذبيتها الأكاديمية وثقة الطلاب الدوليين في برامجها، وعنصرًا يعزز حضورها ومكانتها على خريطة التعليم العالي إقليميًا ودوليًا.
ولعل أكثر ما يستوقفني في المقال المنشور أن صاحبه تمنى أن يكون حديث رئيس الجامعة عن افتتاح معامل للذكاء الاصطناعي أو تطوير البحث العلمي أو علاج السرطان بدلًا من الحديث عن الإيرادات.
ولكن من الواضح ان صاحب المقال لا يتابع ما قامت به جامعة القاهرة في السنوات الأخيرة، وبغض النظر عما تحقق، اود ان اطرح عليه سؤالا: كيف يمكن إنشاء هذه المعامل وتطوير المستشفيات والبنية الرقمية وتمويل البحث العلمي دون موارد؟ .. المال في الجامعة ليس هدفًا؛ وإنما أداة لتمويل رسالتها. والحكم على سياسة تعظيم الموارد ينبغي أن يكون من خلال الإجابة عن سؤال بسيط: أين تذهب هذه الموارد؟
فإذا كانت توجه إلى تطوير المعامل والمكتبات والمستشفيات والبنية التكنولوجية، واستكمال المشروعات الجامعية، وتحسين الخدمات التعليمية، ودعم الطلاب غير القادرين، فإن تعظيم الموارد يصبح جزءًا من مسئولية الإدارة وليس خروجًا على رسالة الجامعة.
والأهم أن دعم غير القادرين لا يتعارض مع هذا التوجه، بل إن الجامعة أعلنت مؤخرًا توسيع مظلة التكافل الاجتماعي وتحمل كامل المصروفات الدراسية للطلاب المستحقين غير القادرين وتحمل رسوم إقامة طلاب المظن الجامعية وفق الضوابط المقررة.
وأكد أن جامعة القاهرة بالتأكيد جامعة المصريين، وستظل الجامعة الحكومية الأم التي تعلم فيها أجيال من أبناء هذا الوطن. لكن مكانتها لا تتعارض مع أن تكون في الوقت نفسه جامعة عربية وإفريقية ودولية تجذب إليها الطلاب من مختلف دول العالم.
ومن حق المهندس النبراوي، ومن حق أي مواطن، أن ينتقد إدارة جامعة القاهرة وأن يناقش أولوياتها وسياساتها وأوجه إنفاق مواردها. بل إن مثل هذا النقاش مطلوب في مؤسسة عامة بهذا الحجم والتاريخ.
وتابع، لكن النقد يكون أقوى عندما يبدأ من الوقائع. أما أن نأخذ رقمًا من حديث مطول، ونعزله عن سياقه، ثم نستنتج منه أن طالبًا وافدًا جلس في مقعد كان من المفترض أن يشغله طالب مصري، فهذه نتيجة تحتاج إلى دليل، لذلك، ربما كان الأدق قبل أن نصف التصريح بأنه «صادم» أن نستمع إليه كاملًا، وأن نراجع الأرقام، وأن نسأل أين ذهبت الزيادة في الموارد، وما الذي تحقق بها.
فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، لكن الحقيقة يجب أن تظل نقطة البداية.