قال الدكتور محمود الأفندي، الكاتب والباحث السياسي من موسكو، إن التصريحات الروسية الأخيرة بشأن الردع النووي تأتي في سياق ما تعتبره موسكو تهديدات متزايدة من جانب دول في حلف شمال الأطلسي، مشيرًا إلى وجود حشد عسكري قرب كالينينغراد وتصريحات تتحدث عن محاصرتها.
وأوضح الكاتب والباحث السياسي، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن التصريحات الأخيرة بشأن روسيا لم تصدر فقط عن مؤسسات إعلامية، وإنما عن وزراء دفاع ورؤساء حكومات وحتى رؤساء دول، مشيرًا إلى وجود قوات ألمانية وكندية يجري حشدها بالقرب من كالينينغراد، إلى جانب ما وصفه بتصريحات حول الرغبة في محاصرة المنطقة.
الرد الروسي مرتبط بالعقيدة النووية
وقال الأفندي إن روسيا ترى في محاولات النيل من أراضيها أو محاصرتها مبررًا للرد، موضحًا أن العقيدة النووية الروسية تنص، بحسب قراءته لها، على حق روسيا في استخدام السلاح النووي في حال تعرض الدولة الروسية لمحاولة استهداف.
وأضاف أن الحديث عن حرب قصيرة لا يعني، من وجهة نظره، استخدام الأسلحة التقليدية، وإنما يشير إلى احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي ضد مراكز عسكرية تابعة لحلف شمال الأطلسي في شرق أوروبا.
وأشار إلى أن هذا السيناريو سيضع الدول الغربية أمام تساؤلات بشأن كيفية الرد على روسيا، معتبرًا أن الحرب في هذه الحالة ستكون قصيرة جدًا، إما أن تتحول إلى حرب نووية أو لا تبدأ من الأساس.
وأكد الأفندي أن روسيا تحاول تذكير الدول الغربية بعقيدتها النووية، مشيرًا إلى أن السلاح النووي صُنع بالأساس لتحقيق الردع ومنع استهداف الدول على أراضيها.
وضرب مثالًا بالولايات المتحدة، متسائلًا عن موقفها إذا تعرضت لهجوم أو حصار من جانب دولة مجاورة، معتبرًا أن العقيدة النووية في هذه الحالة ستفرض نفسها كأداة للردع.
وقال إن السلاح النووي سلاح مكلف للغاية، مشيرًا إلى أن الاتحاد السوفيتي خصص نسبة كبيرة من ميزانيته لإنتاجه، معتبرًا أن الغرض الأساسي منه هو الردع.
وأضاف أن التصريحات الصادرة عن مسؤولين في دول أعضاء بحلف شمال الأطلسي، ومن بينها تصريحات لوزير دفاع إستونيا ووزير خارجية بولندا حول مهاجمة روسيا، تستدعي، بحسب رأيه، التذكير بالعقيدة النووية الروسية.
الحرب القصيرة تعني حربًا نووية
وربط الأفندي تصريحات وزارة الخارجية الروسية حول أن أي حرب مع أوروبا ستكون قصيرة جدًا بالتهديد النووي، مشيرًا إلى عدم وجود حشد روسي مماثل من الجنود والدبابات بالقرب من حدود حلف شمال الأطلسي.
وانتقد ما وصفه بتصوير الإعلام الغربي لإجراءات عسكرية دفاعية على الحدود، مؤكدًا أن روسيا، بحسب رؤيته، توجه رسالة إلى الغرب مفادها عدم إنفاق الأموال على هذه الإجراءات، لأن أي مواجهة في حال محاصرة كالينينغراد ستكون مرتبطة بالسلاح النووي.
وأوضح أن السلاح التقليدي لا يؤدي بالضرورة إلى حرب قصيرة، وإنما قد يتسبب في أضرار، بينما السلاح النووي يمكن أن يدمر منطقة أو قاعدة عسكرية بالكامل.
وأضاف أن السفراء الروس في دول حلف شمال الأطلسي سلموا، بحسب قوله، مذكرات إلى رؤساء تلك الدول لتذكيرهم بأن روسيا لن تستخدم السلاح التقليدي في حال محاصرة كالينينغراد، وإنما ستلجأ إلى السلاح النووي، معتبرًا أن محاصرة المنطقة تعني بالنسبة لموسكو إعلانًا للحرب.
وفيما يتعلق بمسار المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، قال الأفندي إنه لا توجد حاليًا طاولة تفاوض حقيقية، معتبرًا أن من المستحيل الوصول إلى مفاوضات فعلية في ظل عدم وجود تقارب في وجهات النظر بين الطرفين.
وأوضح أن أوكرانيا بدأت في التصعيد، وأن رد الفعل الروسي أصبح واضحًا بشكل يومي، مشيرًا إلى أن ما يجري يمثل حالة من الفعل ورد الفعل المتبادل بين الطرفين.
وأضاف أن أي مفاوضات، حتى إذا عُقدت، لن تؤدي إلى نتيجة في ظل عدم استعداد أي من الطرفين لتقديم تنازلات، موضحًا أن المفاوضات يجب أن تقوم على أساس سؤال رئيسي يتعلق بمن سيتنازل، بينما لا يريد أي من الطرفين التنازل.
الحسم العسكري يسبق أي تقدم سياسي
وقال الأفندي إن الحرب، في تقديره، ستُحسم عسكريًا، مشيرًا إلى أن أي مباحثات قد تُعقد في أبو ظبي خلال الشهر المقبل لن تأخذها روسيا على محمل الجد في ظل الظروف الحالية.
وأوضح أن روسيا تواصل استهداف الخطوط الخلفية للدفاعات الأوكرانية، إلى جانب البنية التحتية للطاقة والاقتصاد الأوكراني، معتبرًا أن هذا المسار العسكري لا يترك مجالًا حقيقيًا أمام تقدم سياسي في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن المفاوضات الحقيقية قد تصبح ممكنة إذا شعرت أوكرانيا بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار، وإذا أصبحت أوروبا غير قادرة كذلك على مواصلة دعمها لكييف.
واختتم الأفندي بالتأكيد على أن أي تنازلات أو مفاوضات حقيقية ستتطلب تغيرًا في الوضع العسكري، معتبرًا أن استمرار الظروف الحالية يجعل تحقيق تقدم سياسي أمرًا بالغ الصعوبة.