حسين حمودة

"ذوبان الهوية النوبية" ـ 2 .. رواية قانون الوراثة

الجمعة، 09 يناير 2026 01:42 م


(1)

تتأسس رواية (قانون الوراثة) لياسر عبداللطيف على بناء يبدأ بـ"مقدمات" مروية بصوت راو خارجي، وخلال سرد قائم على نوع من "النزوع السيريّ"، أو المرتبط بسيرة شخصية لها علاقة بتجربة كاتبها، وهو سرد يحتفي بالاختزال، وبالانتقالات القائمة على ثغرات بين الأزمنة المتعددة. وخلال هذه المقدمات نتعرّف على بعض ملامح من تجربة شخصية من الشخصيات [سوف تصبح راويا أساسيا في أقسام الرواية التالية]، وهي تجربة تنتمي إلى زمن مرجعي متقدم، محدد المعالم، ينتمي إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين، لكنه زمن مفتوح على أزمنة قديمة مستعادة، تصل إلى الجدّ النوبي، الذي هاجر من النوبة إلى القاهرة، العاصمة، عقب الحرب العالمية الأولى، كما أن تجربة هذا الراوي، الذي يسكن الآن، في زمن الرواية، ضاحية "المعادي"، مفتوحة على أماكن أخرى بمدينة القاهرة، في قلبها، ومن هذه الأماكن أحياء مثل "عابدين" و"باب اللوق"؛ حيث درس بمدرسته الأولى، وحيث عاشت عائلته من قبل.

وخلال أقسام الرواية التالية: "1 ـ الفاشيون، "2ـ الحرب الأخيرة وظلالها الباهتة"، "3 ـ جدول اللا معقول.. أو المعادي صيف 88"، "4 ـ أحمد شاكر أو ربيب العائلة"، نتعرّف ملامح متعددة، وتجارب شتى، وتحولات كبيرة، تمثّل جزءا من عالم الراوى المتكلم وعائلته النوبية فى القاهرة، ومن العالم الذي يتغير من حوله ومن حولها.


(2)

عنوان الرواية، "قانون الوراثة"، يشير إلى نوع من تقصِّى ملامح السلالة النوبية عبر أجيال ممتدة من الأجداد إلى الأحفاد.

يسأل الراوى المتكلم طبيبة الأسنان التى تعالجه: "لماذا تتلف أسنانى الواحد تلو الآخر [الواحدة تلو الأخرى] وأنا شديد العناية بها؟"، فتجيبه "بلهجة قاطعة: هى عوامل الوراثة (الرواية، ص 45). وفى موضع متأخر من الرواية سوف يشير الراوى إلى شخصية قريبة، "أحمد شاكر"، الذي عرف بحدَّة البصر، باختلاف عن أبناء الجد، أى عن والد الراوى وأعمامه "الذين ورثوا عن أبيهم ضعف البصر" (ص 89). كما يشير الراوى إلى أن وجه جدّه يتشابه ووجه "فتحى" ابن أخيه؛ إذ: "يتشابهان فى القاعدة الأساسية للملامح. وبينما اكتسبت تلك الملامح حدة لدى فتحى، تلطّفت قليلاً على وجه عمّه [الجد]" (ص 37)، ثم فى السطور الأخيرة من الرواية، سوف يشير الراوى إلى ملامحه التى تمثِّل امتدادًا لملامح عائلته: "ملامح أبى وأعمامى التى ستسكن وجهى".

(3)

يحتفى سرد الرواية بمداخل ذات طابع زمنى/ مكانى. هناك وقفات عند أماكن متعددة، تنتمي إلى أزمنة محددة. يتوقف الراوى عند مدرسته التى يعود إليها، بعد أن تباعد عنها فى الزمن والمكان، ويشير إلى ما تفعله الذاكرة التى تتردَّد بداخلها أصداء عالمه القديم؛ حيث "جدران المدرسة التى تقع فى مكان وزمان غير بعيدين عن موقعنا فى المكان والزمان" (ص65).


وفى سياق حركة السرد، المشبعة بالأزمنة والأماكن التى تستدعيها الذاكرة، يتحرك الراوى حركة واسعة، متأملاً عالمه الأول القديم، عالم جده وأبيه، وعالمه هو، الراهن، فى القاهرة التى عاش بأحد أحيائها ثم فى الضاحية التى انتقلت إليها أسرته، غالبا عبر المترو الذي يصل بين القاهرة والضاحية (انظر ص 26).

ويستعيد الراوى أماكن عدة مسمَّاة بالقاهرة، بشوارعها وأحيائها، خلال وقفات تسترجع أزمنة قديمة لهذه الأماكن: "وذات صباح مبكِّر من خريف 1990 جئت إلى هذا المكان" (ص 38)، كما يرصد تغيرات وتحولات هذه الأماكن عبر الأزمنة، حيث المبنى "الذي كان ورديًا صار الآن رماديًا" (ص 28)، وحيث المقهى الذي اندثر رغم أنه كان موسومًا بطابع "خارج الزمان" (انظر ص ص 90، 100)، وحيث أيضًا التساؤلات عما يمكن أن يحدثه الزمن من تأثير فى بعض الأماكن. سيتساءل الراوى، وهو واقف يتأمل مبنى مدرسته القديمة، بعد عشرين عامًا من مغادرتها، باحثًا عن ذكرياته العالقة بهذا المبنى: "أىّ طفل يقبع الآن داخله سيقف ليتأمله بعد عشرين عامًا أخرى؟ وكيف سيكون لونه؟" (ص 29).

(4)


خلال سرد الرواية، المحتفى برصد الأزمنة والأماكن، وتأمل العلاقة بينها، هناك وقفات زمنية محددة مرتبطة بتواريخ مشار إليها بوضوح: جيل الستينيات (انظر ص 43)، وتخرَّج الأب من كلية الهندسة سنة 1961، و"الهزيمة الطاغية" عام 1967، (انظر ص 43)، والهجرة للعمل بالسعودية فى منتصف السبعينيات، وحرب الخليج بين إيران والكويت عام 1991، ومظاهرات الطلاب بجامعة القاهرة (انظر ص ص 49: 52)، وأيضًا التحولات التى تطرأ على عالم المخدرات (انظر ص 74)، وعلى التقاليد الموسيقية (انظر ص 76).


وهناك وقفات أيضًا عند أماكن مرجعية محددة ومسمَّاة. ويتصل بهذا رصد دقيق لشوارع وحارات ومبانٍ فى حى عابدين وما يحيط به من أماكن، كأنه نوع من التجوال فيها: "وبانتهاء شارع قولة نكون قد وصلنا إلى ميدان عابدين"، "بحذاء السور الجنوبى للقصر يوجد شارع الشيخ ريحان الذي يمتد شرقًا حتى شارع بورسعيد" (ص 33)، "لو استمررت فى السير بشارع محمد محمود حتى تقاطعه مع شارع نوبار.. إلخ"، "وقبل تقاطع شارع قولة مع شارع محمد فريد" (ص 29).
وأيضًا ضمن هذه الحركة، هناك احتفاء بالتحول الذي يطرأ على الشوارع والمبانى، ابتداءً من أسمائها: "شارع محمد فريد (عماد الدين سابقًا)"، و"شارع بورسعيد (الخليج المصرى سابقًا" (ص 29 وص 33 على التوالي.


(5)


فى القلب من هذه الحركة الزمانية/ المكانية، تتبلور ثنائية واضحة بين القاهرة وضاحيتها، من جهة، وبين زمن قديم، هو زمن الجد النوبى، وزمن حاضر هو زمن الراوى المتكلم، من جهة ثانية. وعبر هذه الثنائية تتجسد تحولات كثيرة طرأت على جماعة من أهل النوبة بالقاهرة، وعلى العلاقات والأواصر التى تصل فيما بين بعضهم وبعض، وفيما بينهم جميعًا، فى القاهرة، وبين عالمهم الأول فى النوبة البعيدة، كما تتجسد تحولات واضحة تومئ إلى أن الرابطة التى كانت تجمع أبناء النوبة بالقاهرة، وتؤكد حفاظهم على هويتهم داخل هذه المدينة، تنحلُّ وتتفكَّك شيئًا فشيئًا، عبر الزمن.

(6)


مدينة القاهرة، فى زمن الجد، خلال الثلاثينيات، تلوح بها بعض ملامح كوزموبوليتانية، قائمة على تعدُّد الأجناس والأعراق والديانات والثقافات. يشير الراوى إلى شقَّين أو قسمين بالمدينة "بلدى وأفرنجى" (ص 37). ويفصح، خلال تناوله لشخصية "فتحى"، الذي أتى مع جده إلى المدينة، عن وجود جنسيات متنوعة ارتبط بها. ففتحى أحب امرأة إيطالية وأحبته، وكان يعرف اللغة اليونانية بحكم تعامله مع بعض اليونانيين زملائه بالقاهرة (ص 38). ومدرسة الراوى القديمة، بباب اللوق "كانت مدرسة متعددة الجنسيات" (ص 40)، "اختلطت فيها اللهجات وألوان الوجوه والثقافات" (ص 41)، لكن الضاحية التى انتقلت إليها أسرة الجيل الثانى والثالث، والد الراوى ثم أبناؤه، ومنهم الراوى، لم تكن تعرف سوى عالم واحد، من أبناء شرائح اجتماعية متجانسة وثقافات متقاربة، وقد كان الانتقال من مدرسة باب اللوق إلى مدرسة المعادى بمثابة انتقال إلى حياة "موحّدة ثقافيًا"، أو كان هذا "الانتقال من المناخ المختلط لمدرسة باب اللوق إلى ذلك المناخ الموحَّد [فى مدرسة المعادى] أشبه بخروج الروح من الطبيعة إلى الاغتراب فى التاريخ" (ص 41).


(7)

إلى المدينة، القاهرة، إذن، فى زمن قديم، انتقل جد الراوى. فى عطفة صغيرة، قريبًا من قصر عابدين، عاش "مع أسرته فى مطلع حياته" قبل أن تنتقل العائلة إلى شارع مصطفى كامل الذي يتفرع من شارع الشيخ ريحان (انظر ص 34). أتى الجد إلى المدينة ليعمل "بارمان" فى أحد الأندية التابعة لحزب من الأحزاب. وفى هذا النادى تدخَّل فى محادثة ثقافية بين أحد الباشوات وأحد الوجهاء، وأثار انتباههما "وجود بارمان نوبى"، فقرر الباشا تعيينه فى وظيفة إدارية بالحزب، وكان هذا يعنى نوعًا من "النقلة" فى سلم المجتمع. ويشير الراوى إلى أن "الحياة الليبرالية التى عاش [الجد] على هامشها، ساقيًا فى أندية رجالاتها، ثم موظفًا فى أروقة أحزابها، لم تكن لتقبل بسهولة فى تلك الفترة [الثلاثينيات] فكرة أن يكون هنالك أفندى نوبى" (ص 35)؛ فلم يكن مسموحًا للنوبيين سوى بالعمل فى مهن صغيرة، أقل من "الأفندية"، بما يعني وجود قيود وضغوط كانت قائمة على الجماعة النوبية بالمدينة.


مع الجد كان قد وصل "فتحى" ابن أخيه (الذي يقاربه فى السن) من النوبة إلى القاهرة على قطار واحد، بعد أن "حصلا على شهاددة الابتدائية من مدرسة "الدر" ببلاد النوبة عشية اندلاع الحرب الكبيرة الأولى" (ص 37). وصلا - بعبارات الراوى - "لاستكمال التعليم بالأساس، فأخذتهما تصاريف الحياة فى المدينة" فانصرفا عن التعليم إلى سوق العمل، و"تقلبا فى العديد من المهن الصغيرة التى كانت تتاح بالقاهرة لمهاجرى النوبة" (ص 37). وسوف يضطر فتحى، فى منتصف الثلاثينيات، إلى الهروب المتواصل فى رحلة مطاردة ممتدة، من القاهرة إلى الإسكندرية، ثم إلى جزيرة "رودس" اليونانية، ثم إلى "وادى حلفا" (حاضرة النوبة ومينائها النيلى الأكبر) (ص 39) بعد أن ظل يطارده ويلاحقه الطليان "الذين تفشَّوا [أصبحوا فاشيين] بالمهجر، وقرروا قتل ذلك الأسود الذي دنّس الشرف الرومانى" (ص 38)، وذلك بعدما عشقته الفتاة الإيطالية التى كانت تعمل معه فى الفندق الذي كان يشتغل فيه.


ومع الجد وابن أخيه فتحى، هناك أيضًا "أحمد شاكر"، قريب هذا الجد، الذي أتى من النوبة إلى القاهرة بعد قدوم الجد وفتحى إليها بعشرين عامًا، وفيها تزوج وعاش لفترة، قبل أن يدخل فى تجربة صوفية روحية، ثم في أزمة، فيساعده الجد على العودة إلى النوبة، مرة أخرى، ويهيئ له سبيلاً للعمل والحياة هناك.


(8)


فى زمن الجد داخل القاهرة، ثمة أواصر، تلوح بالرواية، تجمع النوبيين وتربط بينهم، وثمة ملامح تشير إلى حفاظهم - إلى حدٍّ- على بقايا هويتهم الأولى، ومنها اللغة النوبية.

فى المقهى المطل على ميدان عابدين كان الجد يلتقى شاكر، فى ذلك الزمن البعيد، و"فى تلك البقعة الهادئة من قاهرة الثلاثينيات" (ص 82). وكانا "ينخرطان فى حديث طويل ينتقلان فيه بين العربية والنوبية بنعومة غير ملحوظة، ووفق درجة السرية التى يتطلبها الموضوع الذي يعالجانه (...)، فالنوبية لأمور الحياة اليومية وللشئون العائلية، لحميميتها وللسرية المستحسنة عند مناقشتها فى محيط الغرباء. [ولنلاحظ تعبير "الغرباء" الذي يشير لرواد المقهى]، أما العربية فللموضوعات العامة" (ص 82- 83).


وعلاقة الجد وشاكر، حتى فى القاهرة، ورغم تقاربهما، تظل علاقة محكومة بقيم وبأعراف تشكّلَّت فى مجتمع النوبة البعيد.
يقول الراوى إن شاكر كان قريبًا لجدّه قرابة "من الدرجة الرابعة أو الخامسة"، ويؤكد أن المسافات بين درجات القرابات تحددها فى قرى النوبة "العصبيات القبلية وأواصر الصلب والرحم" (ص 81).


ولكن، أيًّا كانت درجة القرابة، فإن النوبيين بالقاهرة، فى زمن الجد، كانوا مترابطين.. الجد يوفِّر أرضًا، بالنوبة، يستطيع شاكر أن يسافر إليها، بعد تدهور أحواله بالمدينة. والجد يحتضن ابن شاكر، فيما بعد، ويعامله كواحد من أبنائه، بعدما اختفى أبوه.. وفى هذه الوجهة يشير الراوى إلى نوع من الجماعية تربط بعض أبناء النوبة بالمدينة، وضمن ملامح هذه الجماعية يتوقف عند ما يسميه "ثقافة الجيتو النوبى"، وهى ثقافة "تتسامح مع [الصداقة العابرة] للطبقات والفوارق التعليمية على أسس عِرقية وقَبلية" (ص 83).

(9)


عاش الجد، ومجايلوه النوبيون، إذن، فى زمنهم البعيد بالقاهرة، باعتبارهم "أعضاء فى عشيرة" أكثر من كونهم "مواطنين أفرادًا" فى مدينة. لا تقف الرواية، تقريبًا، عند معالم اغتراب فردى ارتبط بواحد منهم. لكن هذا الاغتراب سوف يتراءى، ثم سوف يتأكد، فى حياة الراوى الحفيد، فيما بعد، رغم أنه يتحرك دائما باعتباره جزءا من مجموعة أو "شلة" أصدقاء.


عالم الراوى، المشار إلى تجاربه وأزمنته بوضوح، محدد بمعالم أساسية: اليأس، أو التحرك فى دائرة اليأس (انظر ص 69)، والمخدرات المتنوعة التى يتعاطاها وتأخذ حيزًا كبيرًا من سرده، إذ تحتل قسمًا كاملاً من أقسام الرواية الأربعة (انظر ص 61 وما بعدها)، والكتابة التى يشير إلى أنها جزء من عالمه، والمظاهرات المحتجة التى يشارك فيها، وإن بدت مشاركته أقرب إلى المراقبة عبر مسافة تفصل بينه وبين المتظاهرين (انظر ص 49 وما بعدها)، ودراسته الفلسفة فى جامعة القاهرة، وكلية الآداب بها، التى يرصد ملامحها كجزء من ملامح واقع كامل خلال سنوات التسعينيات (انظر ص 41 وما بعدها).


(10)


من زمن الروابط الأولى، خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إلى زمن الاغتراب الأخير، خلال العقود الأخيرة من القرن نفسه، (خصوصًا فيما بعد موت الجد فى منتصف السبعينيات، انظر الرواية ص 90).. توارت في (قانون الوراثة) معالم الهوية النوبية بالقاهرة ، والنوبة التى كانت ملاذا يتم اللجوء إليه، من ضغوط المدينة، فى فترة الجد ومجايليه، لم تعد للراوى الحفيد سوى ذكريات بعيدة مقرونة بعالم الجد الذي رحل، تاركًا للتالين له مواجهة عالمهم المتغيِّر الجديد.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة