فقه تعديل السلوك ينبري على فهم صحيح، وعميق لوجدان الأبناء، وما يجول بخواطرهم، وما يطوف بمخيّلاتهم؛ إذ يمتلك الفرد أحلامًا، وآمالًا، وطموحات، وأهدفًا، قد لا يعلن عنها في الغالب، وهذا يجعله في كثير من الأوقات يجمح بتصرفاته؛ بغية أن يصل إلى المنشود، وهنا يأتي الدور الأسري الفاعل، الذي يقوم على شراكة بين الوالدين، حيال تعديل السلوك؛ لتصبح الممارسات في إطارها القويم، وتتناغم قناعة الأبن مع أفعاله، وأقواله، وتصير اتصافات القيم في ملامح أداء يشير إلى أن التربية الأسرية فاعلة، وأن الرعاية المتكاملة ساعدت في بناء فكر، وبنيان، ووجدان يزهر بصورة نمائية، تدل على جمال الخلق، ومحاسن الفضيلة.
تعديل السلوك يقوم على فلسفة الاحتواء، لا طريقة الرفض؛ كي نشعر فلذات الأكباد بمرحلة القبول لذواتهم، ونشير بلطف إلى أن السلوك، غير منضبط، ويحتاج إلى مراجعة، حتى نحقق ما نصبوا إليه، ونتجنب إحداث إرباك المشهد، أو الإضرار بالآخرين، أو إلحاق الأذى بالبيئة، ومفردات الطبيعة من حولنا، وهنا نحاول أن نظهر عبر صور المحاكاة الإيجابيات الناتجة عن إيجابية ما نقوم به، وفي المقابل نوضح الآثار السلبية المتمخضة عن ممارسات، أو تصرفات تعد غير سوية في كليتها، أو في جزء منها؛ كي يقارن الفرد بحيادية بين الأمرّين برويّة، ويصل من باب الإقناع إلى فحوى الرسالة المراد أن يتفهم مغزاها.
فرق بين صراع داخلي، نخلقه، أو نعمل على إثارته لدى الأبناء؛ بغية تقييم الذات، ورصد ما يقترف من خطأ بصورة مقصودة، أو عفوية، وبين إرباك نسبّبه لهم؛ فينتج عن تكريس لسلبيات، تمخضت عن أقوال، أو أفعال، أو حتى ملامح تعبير، تشير إلى ما يضمره الوجدان؛ لذا فإن علينا أن نصوب الخطأ وفق منهجية واضحة المعالم؛ إذ تبدأ بتحديد جوانب القصور، أو الإخفاق، يليها تعريف الفرد بما هو قويم؛ كي يتقبل التغير، الذي يتعرض له، ولا يقاوم السلوك الإيجابي، بل، يرتضى به دون تهديد، أو وعيد، أو حجب تعزيز؛ فما نود الوصول إليه يتمثل في استدامة ثمرة العطاء، الذي يكمن في رقي الأفعال، والممارسات على السواء.
الاعتقاد بأن تعديل السلوك مرحلة منتهية، غير صحيح، ويتنافى مع الطبيعة الإنسانية؛ ومن ثم يحتاج هذا الأمر، الذي يعد جوهر التربية إلى مثابرة، وصبر، وجأش، ووقت، ولا نبالغ إذا ما قلنا إن تقويم المسار قد بات من المهد إلى اللحد، كما ينطبق على التعلم، الذي يكسبنا دومًا خبرات، من شأنها أن تسهم في تعديل الممارسات، والاتجاهات، وتعميق المعارف في إطارها النوعي، والعام؛ لذا فقد أضحى الاهتمام بغرس القيم طريقا آمنا؛ لتصويب الممارسة، وتطوير الأداء، وهنا نقف عند عتبة، غاية في الأهمية، تتمثل في القدوة، والنموذج الملهم.
الحرص على تعديل السلوك، يؤسس على مبدأ قويم؛ حيث تعظيم الشعور بالمسؤولية، ومن ثم يستطيع الفرد أن يتجاوز، المحن، ويخلق منها المنح، ويصل إلى ما يتمناه في إطار تحكمه قيم، وأعراف مجتمعية، تقوم على التكافل، والتضافر من أجل نهضة وطن، توطن في القلوب؛ لذا يأتي تعظيم العمل التطوعي في النفوس؛ كي ينشأ الإنسان على الاهتمام بغيره؛ إذ يتخلى عن خصال توّرث الأنانية، وتكرّس حب الذات؛ ومن ثم يرى جمال العيش في خدمة الآخرين، وفي مقدمتهم مَنْ هم في زمرة رعايته.
العمل على تعديل السلوك يعد استثمارًا حقيقيًا للطاقات، وتوظيفًا رشيدًا للقدرات، التي يمتلكها الإنسان، وهو ما يعضد مساحة السعي، ويفتح أبوابًا لخوض مجال الإبداع، والابتكار، ويصنع ميدانًا للريادة، ويؤكد على أن تحقيق الآمال، والطموحات يتطلب دأبًا، وجهدًا متواصلًا، ناهيك عن تفاؤل لصورة المستقبل المشرق، التي تعلق في الأذهان، وتسكن في الوجدان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
____
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر