انتهت الانتخابات البرلمانية، وخلال أيام ينعقد مجلس النواب، والذى مر بمراحل صعبة وطالت مدة انتخابه، وبدأ بطريق، واختتم بشكل مختلف، ما يفرض على كل الأطراف الانتباه إلى أنها فرصة للنظر فى الكثير من التفاصيل، خاصة، أن نتائج الانتخابات لم تأت على هوى الأحزاب التى ظنت أنها ستستمر على طريقة المرات السابقة، وكان واضحا منذ أشار الرئيس للمخالفات وضبط المشهد، تغيرت معادلات كثيرة واختلفت رهانات، بجانب أن الممارسة تكشف عن ضعف كثيرين وكثيرات ممن تصدروا القوائم ومروا إلى مقاعد مجلس النواب.
لكن بشكل عام، فقد انتصر وعى الناخبين فى كثير من الأحيان على المال والدعاية، وكشف مأزق كثير من الأحزاب والمحترفين، ولولا القائمة الواحدة ما كان لأغلب الأحزاب أن تصل إلى مجلسى النواب أو الشيوخ، وفى المقاعد الفردية بالرغم من إنفاق البعض الملايين فى الدعاية، فشلوا فى الحصول على الأغلبية من أول درجة، وبعضهم خسر أمام مرشحين فقراء كانوا يتحركون بأنفسهم ويتواصلون مع الجمهور، وفى دوائر كبرى، بما يثبت أن الفوز لا يكون لصالح المال أو الإمكانات بقدر ما يكشف عن وعى الناخبين الذين قاوموا المال والنفوذ واختاروا من يرون أنه الأصلح.
وتشير النتائج حتى الآن إلى أن بعض الأحزاب نجحت من خلال المنافسة على المقاعد الفردية فى اقتناص مقاعد أكثر مما كان لها سابقا، بينما الأحزاب - التى يفترض أنها كبرى - تراجعت فى المقاعد الفردية، والمنافسة، وتجاوز عدد المستقلين والمعارضين 150 مقعدا، بما يعنى وجود تنوع وصوت واضح من خلال سواء تحالف برلمانى، أو مواجهة، وحتى لو لم يكن هؤلاء يمتلكون القدرة على حسم التصويت، لكن لديهم آليات برلمانية كاملة، لطرح أسئلة وطلبات إحاطة وأدوات محاسبة سواء للحكومة أو الجهات التنفيذية، الأمر الذى سيضع نواب الأكثرية فى مواقف تحتاج إلى عقل وإدارة لهذا التنوع.
الأمر ذاته فى العلاقة مع الحكومة، والقدرة على محاسبتها، وهى ميزة أن تكون هناك أدوات رقابية ومحاسبة، وهو ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى، عندما تحدث عن ضرورة الاختيار للأفضل، وعدم الانسياق للمال أو اختيار الفاسدين الفاشلين، لكنه من صالح الدولة أن تكون هناك سلطات متعددة، تراقب وتتابع وتحاسب، وتتوقف عند أرقام أو بيانات أو سياسات.
أو ما يطلق من تصريحات حول الديون أو تقبل الانتقادات، لأن الأمر لا يتعلق بتوجيه النقد، لكن يتعلق بآليات التعامل مع سياسات وملفات داخلية مهمة، مثل الإسكان والصحة والديون والأسعار والأسواق، وهى ملفات يفترض أن يفتح حولها المجال للمناقشات والمحاسبة باعتبار أننا فى مرحلة مختلفة.
وأثبتت تجربة الانتخابات أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يلتقط الكثير مما يطرح فى الأجواء بشكل متنوع، ويتابع وينصت إلى أصوات المصريين سواء على مواقع التواصل أو من خلال المتابعة لتقارير ومعلومات، ويفترض أن تكون الحكومة والجهات المختلفة على نفس الدرجة من الشعور بالمسؤولية، خاصة فى مرحلة شديدة التشابك والتعقيد، تجعل مجلس النواب الجديد هو الأهم خلال 15 عاما، حيث مرت برلمانات مرتين فى فترات تشهد تحديات من الإرهاب أو الأزمات الدولية والإقليمية، والإصلاح الاقتصادى.
الآن وصلنا إلى استقرار كبير، نجحت الدولة فى مواجهة تحديات كبرى إقليمية ودولية واقتصادية، تطلبت بعض القبول بحكومة أو برلمان وأحزاب مثل السابق، لكن «الجمهورية الجديدة» يتوقع فيها المواطن شكلا ومضمونا جديدين، وبرلمانا وحكومة يناسبان العاصمة الجديدة التى تمثل إرادة المصريين وطموحاتهم، وهذا لن يتم من دون منافسة ومحاسبة ومتابعة، وعمل من كل الأطراف، واستقلال للسلطات، وبجانب البرلمان ينتظر أن يكون سقف الإعلام مختلفا، باعتبار الإعلام هو أحد أطراف الرقابة والمتابعة، وهو الآخر يدخل مرحلة جديدة بمسؤولية وتنوع توسع من المجال العام.

مقال أكرم القصاص